لماذا وإلى أين ؟

غضب النساء يهدد الذكورية ورفضه أداة لإسكاتهن


Warning: A non-numeric value encountered in /home/clients/adfe8833b4daf1f4a81214469c2b051d/web/wp-content/themes/publisher/includes/func-review-rating.php on line 212

Warning: A non-numeric value encountered in /home/clients/adfe8833b4daf1f4a81214469c2b051d/web/wp-content/themes/publisher/includes/func-review-rating.php on line 213

رشا حلوة

قبل أشهر قليلة، تواصلت معي صديقة تعيش في برلين، تنظّم مهرجانًا ثقافيًا، تسألني عن إمكانية إجراء ورشة عمل للنساء حول “الغضب”. ارتعبت من الاقتراح، أوًلًا لأنني لم أقم بأي ورشة عمل حول هذا الموضوع، ثانيًا، خفت من كيف ستترجم فكرة أني أقوم بلقاء حول الغضب، خاصّة لأنني شعرت للوهلة الأولى، أو هذا ما كنت أعرفه، بأن الغضب هو شعور سلبي ومرفوض. رفضتُ الاقتراح.

لم أفكر كثيرًا برد فعلي الرافض على الفور، إلا في لقاء مع صديقة أخرى، تحدثني عن كتاب تقرأه للكاتبة ثُريا شمالي، بعنوان: “Rage becomes her”، عن “قوة غضب النساء”، حيث تطرقت الكاتبة إلى التربية الجندرية التي تُمارس على الفتيات منذ الطفولة، في كل العالم، والتي تقمع وتُسكت تعبيرهن عن الغضب، على أساس كونه شعورًا سلبيًا، غير ملائم للفتيات أو النساء، وهو شعور عنيف، يجب أن تمارسه المرأة بصمتٍ، هذا الشعور الذي “يقلل من أنوثتها”، حسب المعايير المجتمعية، حيث نربى بأن الغضب هو نقيض للأنوثة، فرسّخت الأنظمة المجتمعية العاطفة والحزن ببنيوية المرأة، ومنحت للرجال مكافأة على غضبه، فالمجتمعات تتقبل غضب الرجل، وتحترمه، وتعزل المرأة إن عبّرت عن غضبها.

بعدها، بدأت بقراءة الكتاب كما مقالات عديدة. تزامن ذلك مع الحاجة لمعرفة حقي بالغضب، مع استرجاع صور من ذكرياتي ومن الأدبيات التي نتعرض إليها، في الإعلام والتلفزيون والسينما. إلى صور نساء أعرفهن، تعرضن لمواقف ظالمة بحقهن، سواء شخصية أو مهنية، وكيف طُلب منهن اجتماعيًا، طلبات متجسّدة من نساء ورجال على حد سواء، أن “يتمالكن أنفسهن”، وأن يتفهمن ويمنحن الأعذار، ويسامحنَ، ويغلفن كل ما تعرضن إليه من ظلم بالمحبة والتسامح! وأدركت فجأة، لماذا رأيتهن، أو تخيّلت أني رأيتهن، يعدن إلى بيوتهن باكيات، وكيف تعاطف الجميع مع بكائهن الشرعيّ، ووضعوا حدًا لحاجتهم بالغضب، هذا الغضب الذي لو عبرنَ عنه، لكان بإمكانه تغيير شيء مما  تعرضن إليه من ظلمٍ.

في حديث مع صديقة، حول شعور الغضب والنساء، قالت: “نحن فعليًا نغضب، لكننا نتربى على أن الغضب هو ليس شعورًا أنثويًا، مثل حالة التي تضحك بصوتٍ عالٍ، بأنها لا تتصرف كأنثى. كل هذه المفاهيم تضع المرأة في إطار معيّن بكيفما عليها أن تكون. هنالك أمهات تربي طفلتها بأن لا تغضب، وتقول لها: طولي بالك، خلي بقلبك، المسامح كريم… ولكن نفس الأم بإمكانها أن تقول العكس لطفلها الذكر: فش خلقك، خليك زلمة، إلخ.. وهذا يعود للنظام الأبوي، وسؤاله الأبدي بكيف نسيطر على النساء ونواصل الحفاظ على المنظومة الأبوية؟ والأمهات بإمكانهن أن يكن جسر عبور للأبوية، لأنهن ترعرعن على نفس المفاهيم. حتى الآن، هنالك عنصر مفاجأة عندما نرى فتاة تغضب، فنسألها عن سبب غضبها، السؤال لا يأتي للبحث عن أسباب إنما استغرابًا لانفعالاتها.. وبالتالي، يجب أن نبدأ بالاستيعاب أولًا بأن الغضب شرعيّ، كاليأس والفرح”.

تصف ثريا شمالي في كتابها بأن الغضب هو “عاطفة إشارة”، أي أنه شعور يحذرنا من أن هنالك إهانة، تهديد، تجريح وأذى يُمارس علينا. كم من مرة تعرضنا للتجريح من شخص، وعندما سُئلنا: “كيف الحال؟”، كنا نشعر بالغليان الداخلي وأجبنا: “كل شيء على ما يُرام”. إن عدم شرعنة التعبير عن الغضب مزروع داخلنا، يتجسّد أيضًا بالخوف من أن تعبيرنا عن الغضب، بأبسط الطرق، بأن نقول: “أنا غاضبة”، سيجلب معه الخسارة. ففي كثير من الأحيان، عبرن نساء عن غضب ما يجتاجهن، فدفعن الثمن، سواء كانت هذه الخسارة شخصية أو مهنية. والخوف من الخسارة هذه، يدفع النساء إلى تجاهل غضبن ومواصلة الطريق، لأنهن “نساء متفهمات وحاضنات”، وبالتالي، عدم التعبير عن الغضب في سياق خوف مشروع، سيبقي كل العوامل التي أساءت للنساء على ما هي عليه.

في حديث مع حنان، وهي باحثة نسوية، قالت: “الغضب يخيف الذكورية، لأن الغضب هو أحد محركات التعبئة ضد الذكورية. بمعنى، تخاف الذكورية من غضب النساء لأنهن إن غضبن، سوف يقمن بتعبئة لاحتياجاتهن، لذلك أطلقوا مصطلح الهستيريا وتأطير النساء اللاتي يغضبن بأنهن مجنونات و”أبو علي”! أُطرت النساء بمشاعر محددة، مثل كونهن عاطفيات، ليتم قبولهن اجتماعيًا. إن الأهم بالنسبة لي، كنسوية، أن أستعيد غضبي وأتواصل معه، وهذا أصعب ما يكون. من الأسهل أن أتواصل مع غضبي على النظام مثلًا، لكن ليس على من يستحق أن أغضب عليه من الناس. رفض غضب النساء هو أداة لإسكاتهن”.

لم أرى نساءً كثيرات غاضبات في حياتي اليومية، لكني رأيت أكثر نساء بكينَ، عطف عليهن البعض وسخر منهن الآخر. ولم أتعرض لموقفٍ تقبّل المجتمع فيه امرأة غضبت على شيء ما، بلا أن يصفها بأنها “مجنونة”، أو مثلما يُستخدم في عصرنا الحديث مصطلح “دراما كوين”، أي “ملكة الدراما”. على نساء كثيرات أن يتقبلن تعنيف أزواجهن، لأنهم “يمرّون بظروف صعبة”، ولأنهن تعلمن أن دور المرأة يكمن بالحفاظ على بيتها، على حساب نفسيتها. إن الغضب هو شعور طبيعي، مثل السعادة والحزن، يشير بأن شيئًا ما ليس على ما يُرام، ويجب تغييره كي أشعر، كإنسان، بشكل أفضل، أو ببساطة، أن أغيّر موقعي لأنه لا يلائمني. وكم من امرأة كان عليها أن تبقى في موضعها وتكبت غضبها، هذا الكبت الذي تحوّل إلى أذى نفسي؟ حتى بلا أن ندرك ذلك.

تشير أبحاث كثيرة إلى علاقة كبت الغضب بالأمراض النفسية والجسدية، وبحسب ثريا شمالي، إن هذه الأمراض تُعرّف بأنها “أمراض نسائية”، تتجسّد بالاكتئاب، اضطرابات المناعة العالية، اضطرابات الأكل، وغيرها.. لكن مسببها الأوّل هو الإسكات الممنهج لغضب النساء.

إن إدراكي بحقي في الغضب، ليس بالضرورة سهّل الطريق نحو استيعابه. لأن كسر الرواسب التاريخية والمجتمعية التي بلورت منظوري للغضب، يحتاج إلى تدعيم ذاتي يومي. هذا الإدراك الذي يجعلني وأنا أنظر إلى أحداث عديدة مررت بها، أن أتساءل ماذا كنت لأكون اليوم لو عرفت أن بالغضب تكمن قوة تغيير؟ هذا السؤال بالضرورة لا يحتوي على غضب ذاتي، إنما تجاه كل ما صنع منا كائنات خبيرة بالأذى النفسي، وتغليفه على أنه تسامح وتفهم، إلخ… لكن، “ولا مرة متأخر”، نقول، أو كيفما قالت الكاتبة والشاعرة النسوية الأمريكية، أودري لورد (وهذه ترجمة حرّة)، بأن “مشاعرنا هي مساراتنا الحقيقية نحو المعرفة”.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد