لماذا وإلى أين ؟

الشباب و المشاركة السياسية


Warning: A non-numeric value encountered in /home/clients/adfe8833b4daf1f4a81214469c2b051d/web/wp-content/themes/publisher/includes/functions.php on line 5662

Warning: A non-numeric value encountered in /home/clients/adfe8833b4daf1f4a81214469c2b051d/web/wp-content/themes/publisher/includes/functions.php on line 5663

محمود الضعزيز

تعتبر المشاركة السياسية من بين العوامل المؤثرة لتحديد مؤشر الديمقراطية في كل بلد إلى جانب مؤشرات أخرى كالعملية الانتخابية و الأداء الحكومي و الحريات العامة .

و قد اختلفت التعاريف المتعلقة بهذا المفهوم غير أنه يمكن القول أن المشاركة السياسية نعني بها بكل بساطة مساهمة المواطن في القرار العمومي ، أي مدى تأثيره على صنع القرار الحكومي بمختلف الأشكال المنظمة أو غير المنظمة .

و من المفروض أن يكون الشباب في طليعة من يهتم بالقضايا السياسية و أن يكون فاعلا في الحياة السياسية لعدة اعتبارات ، فلا يوجد بناء ديمقراطي دون مشاركة واسعة للشباب في العملية الانتخابية كما أن المساهمة في تغيير الأوضاع في عالم يتقدم بسرعة يحتاج دائما لطاقة الشباب و قدرتهم على التكيف مع المستجدات .

و للمشاركة السياسية عدة مراحل بداية من الإهتمام بالقضايا العامة على فترات مختلفة و متقطعة قبل التعرف على الوجوه السياسية محليا و وطنيا ، بعد ذلك تكون المشاركة عبر التصويت السياسي و المشاركة في الحملات الانتخابية ، غير أن اوج هذه المراحل يتمثل في الإنخراط في المؤسسات الرسمية و الاتصال المباشر معها و الترافع على قضايا سواء كانت تهم الشأن المحلي أو الوطني .

و قبل أن ننطلق في تحديد أسباب عزوف الشباب عن السياسة لابد ان نضع تصنيفا عاما لمؤشر الديمقراطية في بلادنا ، فالنظام المغربي يعتبر نظاما هجينا فهو ليس بالنظام المتسلط الإستبدادي لكنه في المقابل لا يسمح بالديمقراطية الكاملة ، و بالتالي فهناك مظاهر الديمقراطية التي تظهر من مرحلة إلى أخرى مقابل كثير من مظاهر الاستبداد و التراجعات الديمقراطية و الحقوقية التي لا تخفى على أحد .

و في هذا الوسط اتسعت الهوة بين الشباب و السياسة عبر القنوات المؤسساتية الرسمية و لا يقتصر الأمر على المغرب فالمشكل مطروح في العديد من الدول في الشرق الأوسط و شمال افريقيا و التي تعرف فسادا إداريا و سياسيا كبيرا ما يؤدي بطبيعة الحال الى نفور شريحة كبيرة من المواطنين من وسط تنعدم فيه شروط الممارسة السياسية و التغيير بصفة عامة .

و الشباب أكثر الشرائح بعدا من السياسة فالإحصائيات تشير الى أن أكثر من 40 في المئة من الشباب بدون أي اهتمام سياسي و ان أقل من 10 في المئة من يشارك باستمرار في الحياة السياسية المؤسساتية و يبقى الجزء الأكبر من الشباب ذلك الذي يهتم بالقضايا السياسية لكن دون أن يشارك فيها بشكل رسمي .

فما هي أسباب عزوف الشباب عن المشاركة السياسية ؟ و ماهي الفضاءات التي يعبر فيها شباب اليوم عن مواقفه السياسية ؟

كما أشرنا سابقا فظاهرة عزوف الشباب عن المشاركة السياسية تبقى ظاهرة عالمية غير ان حدتها تزداد في بلادنا لعدة أسباب يمكن ان نحددها في ثلاثة عوامل رئيسية :

العامل الأول : مرتبط بالمؤسسات الحزبية

فأغلب الأحزاب اليوم تعاني من غياب الديمقراطية الداخلية و غياب حرية التعبير و بالتالي قمع الأصوات الشبابية المخالفة للقيادة ، كما أن غياب التكوين الحزبي و الإحياء المؤقت للتنظيمات السياسية وقت الانتخابات و عدم منح الشباب الفرصة للترشح في الانتخابات المحلية و التشريعية كلها من الاسباب المرتبطة بالبنيات الحزبية الموجودة في بلادنا ، و التي لازال بعضها يعيش تحت هيمنة العلاقات الأسرية و العائلية و الفساد الانتخابي المتمثل في المال مقابل التصويت ما يجعل المجال السياسي غير محفز للشباب الطواق للاختيار الحر و قيم النزاهة و الشفافية .

و ارتباطا ايضا بالأحزاب المغربية نجد تمسكا غريبا لبعض الزعماء بقيادة الاحزاب لعقود من الزمن و بالتالي غياب التجديد و التشبيب فضلا عن غياب القدوة السياسية القادرة على شد انتباه الشباب للتحمس للعمل السياسي .

العامل الثاني : مرتبط بالنظام السياسي

النظام المغربي نظام هجين لا يسمح بديمقراطية كاملة ، ما يجعل الشباب غير مقتنع بجدوى الانخراط في العملية السياسي لانسداد الأمل في التغيير في نظام لا يتيح الديمقراطية الكاملة ، كما أن غياب الدور الضروري للمدرسة في التربية على المواطنة شبه غائب و نفس الشيء عن الإعلام او السلطة الرابعة التي أصحبت تستعمل لتبخيس العمل السياسي أكثر من ابراز اهميته للمجتمع بصفة عامة و للشباب بصفة خاصة ، لقد أضحت أغلب العناوين منفرة من العمل السياسي و من المؤسسات الرسمية بالخصوص أفقد الثقة في العمل السياسي من طرف شريحة كبيرة من الشباب .

العامل الثالث : مرتبط بالشباب أنفسهم

ما يلاحظ اليوم هو تنامي الأفكار العدمية من العمل السياسي وسط الشباب و أيضا ضعف الشعور بحس الإنتماء الوطني نتيجة العوامل السابقة الذكر ، أسباب ذاتية تلعب دورا كبيرا في ابتعاد الشباب عن الأحزاب .

و لعل الظروف الاجتماعية الصعبة التي يعيشها معظم الشباب تعد ايضا من ابرز العوامل المؤثرة في هذا العزوف ، فمن الصعب ان ينخرط شاب في العمل الحزبي و هو في بحث دائم عن العمل و لقمة العيش تحت ضغوط اجتماعية لا تؤمن هي الأخرى بالعمل المؤسساتي نتيجة تراكمات ربطت العمل السياسي بالاعتقالات و الاغتيالات . و ارتباطا ايضا بالموضوع فالخوف من عدم الاستقرار الاجتماعي و المستقبل المهني يجعل البعض غير قادر على الانتماء لحزب معين رغم رغبته في المشاركة السياسية لكنها تصطدم بالضغوط القبلية خصوصا في الوسط القروي ، حيث يمكن ان تتسبب ممارسة الشاب للسياسية لمشاكل عائلية كبيرة تهدد استقراره الإجتماعي .

على الرغم من العزوف السياسي المؤسساتي يبقى للشباب حضورا كبيرا في التعبير عن مواقفه السياسية عبر فضاءات اخرى غير مؤسساتية نذكر منها :

المساهمة في الحراك الإجتماعي :

ساهم الشباب بقوة في مختلف الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدها المغرب في العقد الأخير بداية من حراك 2011 و تأسيس ما يسمى حركة 20 فبراير و التي كان نصيب الشباب الأكبر فيها ، و قد ساهم الشباب انذاك بإطلاق سلسلة من الإصلاحات توجت بدستور 2011 و اعطاء مكانة اكبر للشباب في المجال الؤسساتي ، غير أن التراجعات الديمقراطية و الحقوقية و فشل التنمية في بعض الجهات جعلت من الشباب يعود بقوة في حراك الريف و جرادة و زاكورة و غيرها و لازال الشباب الى حدود اللحظة في السجون او في المحاكم نتيجة المحاكمات السياسية التي طالت متزعمي هذه الاحتجاجات .

الفصائل الطلابية :

خلقت داحل الجامعة المغربية منظمات نقابية طلابية و على رأسها الاتحاد الوطني لطلبة المغرب و الذي كان قطاعا موازيا لبعض الأحزاب الوطنية الرسمية ، حيث كان في التأسيس موازيا لحزب الاستقلال قبل ان ينتقل القطاع لحزب القوات الشعبية و بالتالي سيطرة الطلبة اليساريين على القطاع الطلابي قبل ان يدخل في مواجهات دموية داخل الحرم الجامعي مع الاسلاميين انتهى بسيطرة فصيل العدل و الإحسان على الاتحاد ، الشيء الذي أبعد القطاع عن المؤسسات الرسمية و تعرضه لتضييق اكبر من السلطات ، كما أحدتث فصائل اخرى ثورية كالنهج الديمقراطي و الطلبة القاعديين و حركة الثقافة الأمازيغية و جلها لا يعترف بالعمل المؤسساتي الرسمي .

في العقدين الأخيرين تأسس ما يسمى التجديد الطلابي و هو القطاع التابع لحركة التوحيد و الإصلاح و اهتمت بالدعوة و التأطير الثقافي و العلمي و النضال من أجل قضايا الطالب المغربي ، غير أن قربها من المؤسسات الرسمية و بالخصوص حزب العدالة و التنمية ساهم و لو نسبيا في محو تلك الصورة الثورية للطالب المغربي الذي لا يقبل الحوار مع الأحزاب الرسمية ، بل على العكس رفعت المنظمة عدة مذكرات للجهات الحكومية .

للأسف شهد الحرم الجامعي مؤخرا عدة مواجهات دامية بين بعض الفصائل الطلابية التي اعتمدت لغة العنف و الإقصاء بدل الفكر و الحوار ، الشيء الذي أثر في النضال الطلابي داخل الجامعة و إلى تراجع أدوار الحركة الطلابية بصفة عامة .
ظاهرة الإلتراس في الملاعب الرياضية :

المجموعات الشبابية التي تتفق على تشجيع فريق واحد و تتميز باستقلالية أكبر حيث ترفض الدعم المالي من أي جهة ما يجعلها مستقلة في الغالب عن التوجهات السياسية ، و تعتبر ظاهرة عاملية قديمة لكنها انتشرت في شمال افريقيا في 15 سنة الأخيرة ، و أصبحت الملاعب فضاءات لإرسال الرسائل السياسية و الاجتماعية عبر التيفوات و الرسائل المباشرة و أيضا عبر الأناشيد و الأغاني التي كانت لا تخلو من بعض المطالب السياسية و الانتقادات الحادة للنظام السياسي و الوضع العام بالبلاد .

في أواخر سنة 2015 أصدر التراس ريد ريبلز و هو أحد الفصائل المشجعة لحسنية اكادير أغنية مليئة بالرسائل السياسية حيث انتقدت الوضع الحقوقي و البنية التحتية بعد الفياضانات في الجنوب و وضعية التعليم دون ان تنسى قطاع الرياضة في جملة شهيرة انتقدت فضيحة ملعب الرباط اثناء استضافته مونديال الأندية … نفكروهم ف شوهة المونديال صرفو المليار و حصدو العار أكبر كراطة ف الكابيطال اوزين ارحل أش هاد المنكار ربي انتقم من كل شفار …. كلمات قوية انتقدت بالخصوص تحويل مونديال الأندية من اكادير الذي كان على استعداد تام للتنظيم للرباط لأسباب مجهولة و ما خلف ذلك من فضيحة للكرة المغربية على المستوى العالمي .

و في سنة 2018 سمعنا جميعا اغنية في بلادي ظلموني للجماهير الرجاوية ، اغنية خرجت من رحم المعاناة بقوة الألحان و الكلمات و الوصف الدقيق لمعاناة الشباب المغربي ، الأغنية التي انتشرت في صفوف الشباب المغربي من شماله الى جنوبه تجاوزت الحدود و تم طرحها في مستويات كبيرة من البرامج الرياضية و السياسية المعروفة على الصعيد العربي و الدولي ، لقد خلقت هذه الأغنية نقاشا داخليا و خارجيا لم يخلقه بعض الأحزاب المؤسساتية بكل ما تملك من إمكانيات .

أغاني الراب :

يعتبر الراب شكلا غنائيا متمردا و جريئا لا يعمتد بالأساس على الألحان بقدر ما يعتمد على قوة الكلمة و الألفاظ و القافية ، و قد كان الراب المغربي بين الفينة و الأخرى في قلب الأوضاع السياسية على غرار بعض الدول العربية الذي حضر فيها الراب بقوة في مختلف الاحتجاجات التي شهدتها تلك البلدان ، حضرت بعض الأغاني ايضا في المغرب حاملة للتمرد ضد الاستبداد و الفساد و الظلم .

و لعل اغنية دموع الحومة للرابور مسلم من بين هذه الاغاني التي برزت في العقد الأخير حيث شكلت كلماتها المحافظة و غير الخادشة للحياء و بدون الفاظ نابية ، شكلت وصفا دقيقا للواقع المغربي .
النضال الإفتراضي :

أصبح الفايسبوك و غيرها من وسائل التواصل الاجتماعي في العشرية الأخيرة الفضاء الأنسب للتعبير عن المواقف و الأراء السياسية سواء بالنسبة للشباب المتحزب او الشباب العازف و المقاطع للأحزاب الرسمية ، و ذلك لسهولة ايصال الانتقادات و التدمر من الوضع سواء في الجماعات المحلية او بخصوص القضايا الوطنية و قد كان للفايسبوك أثر كبير في تشكيل رأي عام معين اتجاه مجموعة من القضايا السياسة و الاجتماعية و الاقتصادية . فالأمر لا يحتاج الى تنسيق او تنظيم و يمكن لأي شخص و في أي وقت شاء أن يكتب تدوينة أو ان يحدث صفحات و مجموعات تساهم في خلق رأي عام متفاعل و مؤثر على القرارات التي تصدر محليا او وطنيا …

ادى انتشار الانترنت في الأوساط الشعبية لجعل الفايسبوك أكثر مصداقية في نشر الأخبار السياسية و المتلعقة بالتدبير العام كما جعلت منه الصوت الحقيقي للقوى الشعبية مقارنة مع وسائل الإعلام العمومية الرسمية بمختلف اشكالها و غيرها التي لا تستطيع انتقاد من يدعمها ماديا ، غير أن هذا المعطى سرعان من انقلب عكسيا لعودة المال السياسي بقوة في اختراق مجموعة من الصفحات المؤثرة او احداث صفحات جديدة و تمويل انتشارها ما جعل المواقع الافتراضية مرة أخرى بعيدة عن المعارك الأساسية للشعوب و خادمة للأقوى و خصوصا لمن له القوة المالية ، فبرزت حملات كبيرة و معارك هامشية لا تخدم الديمقراطية الحقيقية اكثر ما تخدم السلطوية و من يجمع بين المال و السلطة .

لقد شهدت سنة 2018 حملة المقاطعة التي يمكن اعتبارها من أكبر الحملات الشعبية على الساحة الافتراضية من حيث نتائجها سياسيا و اقتصاديا ، و أكبر اتحاد شعبي أطلقته صفحات الفايسبوك ضد شجع الشركات ، و رغم تحفظي على الجهات التي أطلقت هذه الحملة فقد كانت من ابرز الاحداث السياسية في العقد الأخير التي روج لها الشباب بشكل كبير عبر صفحات الفايسبوك و حققت و لو نسبيا مجموعة من الأهداف غير المتوقعة .

ختاما لابد من التأكيد أن اهتمام الشباب بالسياسة مهم جدا لتقدم البلد ديمقراطيا غير انه من الأهمية القصوى التواجد أكثر في المؤسسات الرسمية ، و من هذا المنطلق يجب على الشباب اقتحام الأحزاب بمختلف ألوانها فالتغيير يبدأ من الانخراط الايجابي من داخل هذه الاحزاب لا من خارجها ، و خلق فضاءات رسمية للحوار و التكوين .

و لن يكون ذلك الا برغبة مشتركة بين الاحزاب و النظام السياسي بالبلد فلابد من تغيير العلقية السائدة و منح الفرصة للشباب في التسيير و التدبير و تغيير القوانين في اتجاه السماح أكثر للشباب من البروز في مؤسسات تدبير الشأن العام عبر الجماعات الترابية و المؤسسات التشريعية و الحكومية ايضا و غيرها من المؤسسات الرسمية ، فلا ديمقراطية و لا تنمية الا بوجود الشباب فهم الحاضر و المستقبل و أمل الأمة في التغيير و التجديد و الإصلاح .

من الضروري أيضا ان تدرس الأحزاب التحولات العميقة التي يعرفها الشباب المغربي و تتقرب أكثر من البينات غير المنظمة التي يعبر فيها الشباب عن مواقفه السياسية .

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.

banner header immo 04-04-2019
2 تعليقات
  1. مستغرب :

    حين نرى حزب بدون شرف سياسي وبدون تاريخ نضالي لصالح الشعب وبدون خطة سياسية ويستغل عواطف البسطاء و مشاعرهم الدينية و يأتي بهوية غير هوية البلاد و يحارب التنوير و التقدم والديموقراطية وأتباعه لهم ألف وجه ومسترزقون شعبويون مثل العدالة والتنمية ستعرف سبب عزوف الشباب عن السياسة..على الاقل كونو صادقين مع انفسكم إن كنتم لا تجدون حرج في النفاق على القارئ..تحياتي

    1
    1
  2. إخرازن محمد :

    مقالة جيدة قاربت المشاركة السياسية للشباب في الواقع تحية تقدير لموقع أشكاين على الإلتفاتة وتحية أكبر لصاحب المقالة محمود أورير

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد