لماذا وإلى أين ؟

علاء الأسواني: السكوت عن الحق ..هل يبطل الصيام؟

الأستاذ محمد رمضان محام شاب من الاسكندرية معروف بدفاعه الدائم عن الفقراء وقد اشترك في ثورة يناير ولازال مخلصا لمبادئها، ولأن نظام السيسي يعادى شباب الثورة فقد تعرض رمضان للاعتقال وتلفيق القضايا أكثر من مرة. في ديسمبر الماضي اجتاحت فرنسا مظاهرات عرفت باسم “السترات الصفراء” نسبة إلى لون السترات التي يرتديها المتظاهرون. التقط محمد رمضان صورة لنفسه وهو يرتدي سترة صفراء ووضعها على صفحته الشخصية على فيسبوك . من البديهي ان ما فعله رمضان لا يشكل جريمة وفقا لأي قانون في العالم، لكن مصر ليس فيها قانون وانما فقط ارادة النظام . هكذا تم القبض على محمد رمضان ولازال حتى الآن معتقلا في سجن برج العرب.

هذا الأسبوع بعث رمضان برسالة استغاثة من سجن برج العرب حيث تم حبسه مع سبعة أشخاص في زنزانة ضيقة للغاية وفي نفس الوقت تمنع ادارة السجن عنهم كل حقوقهم القانونية: تمنعهم من التريض ومن العلاج ومن أدوات الحلاقة ومن زيارة أهلهم. حالة المعتقلين النفسية والبدنية سيئة للغاية والأمراض تنتشر بينهم ولاشك أن ادارة السجن تستهدف إذلالهم وقتلهم ببطء كما فعلت مع معتقلين كثيرين. مصر فيها أكثر من 60 ألف معتقل معظمهم معارضون سلميون جريمتهم الوحيدة انهم لا يوافقون على سياسات السيسي.

لائحة الشرف تضم أسماء كثيرة: هشام جنينه ويحيى حسين ومعصوم مرزوق وحازم عبد العظيم وشادى الغزالي حرب ويحيى القزاز ورائد سلامة وعبد المنعم أبو الفتوح وأحمد دومة ومحمد عادل ومحمد اكسجين ومثلهم آلاف. ان القمع الذى يمارسه نظام السيسي هو الأسوأ في تاريخ مصر. ان تكديس المعتقلين في زنازين ضيقة وحرمانهم من حقوقهم وتعذيبهم وإذلالهم وقتلهم ببطء، كلها اجراءات همجية تنتمي للعصور الوسطى ولابد هنا أن نتساءل: مالذي دفع هؤلاء المعتقلين إلى اتخاذ مواقف ضد الديكتاتورية وهم يعلمون مسبقا انهم سيدفعون ثمنا باهظا؟. ان كثيرين منهم أصحاب مهن ناجحون ..ألم يكن بامكانهم أن يعكفوا على أعمالهم ويتفرغوا لمصالحهم الخاصة وتربية أولادهم وينعموا بحياة آمنة سعيدة؟ ألم يكن بامكان الشباب منهم أن يهاجروا إلى الخليج لتكوين ثروة أو إلى الغرب ليعيشوا في مجتمعات تحترم آدميتهم وتمنحهم فرص التعليم والترقي؟ ..الاجابة أن حب الحق الذى تمكن منهم قد أنساهم أي اعتبار آخر. انهم نبلاء بمعنى الكلمة وهم أفضل من أنجبت مصر.

كيف قابل المصريون تضحيات هؤلاء النبلاء الذين دافعوا عن حرية الشعب وكرامته؟ باستثناء ما يكتب على مواقع التواصل الاجتماعي لا يوجد تضامن يذكر مع المعتقلين. هؤلاء المعتقلون يستقبلون شهر رمضان الكريم في زنازينهم الخانقة فهل فكر فيهم أحد وهل حاول أحد التخفيف من معاناتهم أو رعاية أسرهم؟ كيف يتقرب المصريون إلى الله في شهر رمضان؟

انهم يؤدون الصلاة في المساجد ويحرصون على صلاة التراويح ويصومون ويوزعون الصدقات لكنهم لايفعلون أي شيء للتضامن مع المعتقلين. كبار الشيوخ يظهرون في التليفزيون كل يوم ليلقوا بالمواعظ مدفوعة الأجر لكنهم أبدا لاينطقون بكلمة واحدة لنصرة المعتقلين. في مصر مجلس لحقوق الانسان يقبض أعضاؤه مرتبات ضخمة من الحكومة لكنهم لا يفتحون أفواههم لوقف الاعتقالات والتعذيب. لقد قام السيسي بتعديلات تتنافى مع الدستور المصري ليبقى في الحكم إلى الأبد ويسيطر على القضاء. في مصر عشرات الألوف من رجال القانون وهم يعلمون أكثر من غيرهم أن ما سمي بالتعديلات الدستورية اجراء باطل ضد القانون والدستور لكنهم لم يعترضوا عليه. مصريون كثيرون يعرفون الفرق بين الحق والباطل لكنهم يسكتون عن الحق ويتيحون للباطل الفرصة كي ينتصر ويسود. هذا السكوت عن الحق هل يبطل الصيام..؟ هذا السؤال لن تجد له جوابا في كتب الفقه التي نحتكم إليها لأنها مكتوبة من ألف عام.

هذا الفقه العتيق يحصر مبطلات الصيام في المخالفات الحسية: الأكل والشرب وممارسة الجنس أما الكذب والنفاق والسكوت عن الحق والتواطؤ مع الطاغية ومساعدته على ظلم الناس، فان الفقه لا يعتبر هذه التصرفات من مبطلات الصيام. اذا احتكمنا للمنطق والانسانية فانه يستحيل أن تكون العبادات مقبولة عند الله اذا كانت الأفعال لا تدافع عن الحق والعدل. في العالم كله عندما يتم اعتقال مواطنين يدافعون عن حقوق الجماهير فان الشعب ينتفض دفاعا عن الذين دافعوا عنه. لقد قامت ثورة 1919 في مصر من أجل التضامن مع الزعيم سعد زغلول ورفاقه عندما أمرت السلطات البريطانية بالقبض عليهم ونفيهم إلى مالطا. لماذا لا يتضامن المصريون مع المعتقلين الذين يدافعون عنهم؟ هناك سببان: الحكم العسكري الذي قمع المصريين على مدى عقود وأنشأ نموذج المواطن المستقر الذي لايهتم في العالم الابرزقه وسلامة عياله. والسبب الثاني الفكر الوهابي الذي انتشر في مصر بأموال النفط وهو يختصر الدين في مجموعة اجراءات ويطالب المسلمين بطاعة الحاكم حتى لو ظلمهم.

عزيزى المسلم المصري

عندما يؤذن للمغرب وتجلس لتفطر مع زوجتك وأولادك أمام مائدة الطعام العامرة أرجو أن تتذكر أن عشرات الألوف من المصريين محشورون في زنازين ضيقة سيئة التهوية لا تصلح لايواء الحيوانات. تذكر ان هؤلاء المعتقلين يتعرضون إلى الضرب والاذلال والتعذيب وان جريمتهم الوحيدة انهم كانوا يدافعون عن حريتك وكرامتك. مهما قال الشيوخ المترفون الذين يظهرون في التليفزيون ويتقاضون أعلى الاجور، تأكد أن الدفاع عن الحق هو قلب الدين ورسالته العظمى.

الديمقراطية هي الحل

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها حصرا.

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد