لماذا وإلى أين ؟

أعكاو: كنت أرى الأشباح في زنزانتي رقم 5 بمجرد أن يسود الصمت (الحلقة 8)

تفاصيل الموت البطيء والنجاة بأعجوبة من معتقل تازمامارت ماتزال مختبئة رغم القصص التي رويت على لسان الناجين، منهم ضيف حلقاتنا عبد الله أعكاو  (كان برتبة رقيب ميكانيكي متخصص في الذخيرة) الذي مازال لم ينشر بعد مذكراته على غرار جل الذين نجوا بأعجوبة، وهو  الذي كُتب له العيش بعد قضائه 17 سنة داخل المعتقل الرهيب بتهمة محاولة الانقلاب على الملك الراحل الحسن الثاني.. في هذه الحلقات سنتذكر معه ماضيه الأليم منذ محاولات العيش وسط القبر  إلى العودة لحضن العائلة وتلمس الطريق نحو الإدماج والإنصاف..

حقيقة نقلي من العنبر 1 إلى 2 وتنقلي من زنزانة إلى أخرى هي أن الحراس وقعوا في خطأ، فقد جاءتهم أوامر من مدير المعتقل بإخلاء بعض زنازين العنبر الثاني الذي قلّ فيه عدد السجناء بعد موجة الموت التي زحفت إليهم، ففعلوا العكس ونقلوني رفقة خمسة آخرين قبل أن يستدركوا الأمر. مع المدة تبين أن لا وجود لمعتقلين جدد.

كما أسفلت الذكر تمكنت من العيش في هذا المكان الذي يزداد وحشة، وتكيفت مع ظروفه، إذ كنت أترك جسدي في الزنزانة وأهرب بعقلي إلى الخارج كي لا أفقده، أسافر به إلى حضن عائلتي وأستذكر مغامراتي ورحلاتي وأستحضر طفولتي وكل ما هو جميل. وقد كانت طريقتي هذه بمثابة شحنة نفسية وبلسم يعينني على التكيف مع الواقع الذي أعود إليه مهما سفرت بعيدا بعقلي.

الملازم أول برضوان سقط طريح الفراش من هول الصدمة بعد تنقيله وإعادته وانقض عليه المرض إلى أن أنهى معاناته في هذا الجحيم

بطبيعة الحال تمكني من التكيف مع الوضع أخذ مني وقتا ومراحل طويلة وكثيرا من الصبر، لذلك تأثرت عندما وجدت نفسي فجأة في مكان أكثر قسوة وفظاعة أسقط عددا من الأرواح أكثر من العنبر الأول، كان أكثر جهنمية من جهنم عنبرنا لذلك تسارع خطف الأرواح مبكرا، وتبين لي ذلك عندما تنقلت بين زنازينه بالخطأ، أي أن معاناة تزمامارت لم يقتسمها المعتقلون بنفس القدر.

لو بقيت في العنبر الآخر لوجب عليّ التكيف كما فعلت مع العنبر الأول عبر مراحل، وهذا بالنسبة إلي مستحيل، لأني بالإضافة إلى قسوته، سأرتك ورائي أناسا طيبين ومثاليين استأنست لجوارهم الحسن. كما أننا في العنبر تمكنا من تحقيق مكتسبات يستحيل توفيرها في العنبر الثاني، خصوصا بعد وضعنا برنامجا خاصا مكننا من التعايش مع ظروفنا القاسية وجعلنا نتضامن في ما بيننا. أي أن تنقيلي ترك لدي آثارا نفسية سلبية.

عانيت صحيا بعد رحلتي القسرية القصيرة إلى العنبر الثاني، فلمدة ثلاثة أشهر التي تلتها استحال عليّ النوم وأصابني الأرق، وتغير مزاجي لدرجة فضلت الارتكان والانزواء إلى نفسي كي لا أؤثر على البرنامج الذي كنا نسير عليه، فأصبحت قليل الكلام، وهذا أصعب من أن يصيبك مرض جسدي لأني أصبحت أرى الأشباح في زنزانتي رقم 5 بمجرد أن يسود الصمت.

دمت على هذه الحال لثلاثة أشهر إلى أن استطعت استعادة نفسيتي لأني أردت العيش وألا أستسلم وأهب نفسي لدفني حيا كما حدث للملازم أول برضوان، الذي سقط طريح الفراش من هول الصدمة بعد تنقيله وإعادته وانقض عليه المرض إلى أن أنهى معاناته في هذا الجحيم. لقد كان قيد حياته من الذين أولوا أهمية بالغة وأملوا أن تسفر الانتخابات التي جرت في إطار رفع حالة الاستثناء عن الإفراج عنا، قبل أن تصيبه الصدمة على غرار كثيرين بعدما خانتنا المعارضة والأحزاب السياسية وتنكر المعطي بوعبيد لوجود معتقل تزمامارت بعدما حل وفد من منظمة “أمنستي” سنة 1979 للاستفسار عن مصير العسكريين الذين أدينوا بعد محاولتي انقلاب 1971 و1972.

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد