لماذا وإلى أين ؟

هل تزدهر الثقافة في نظام قمعي..؟!

حدث ذلك منذ ثلاثين عاما. كنت لازلت أتلمس خطواتي الأولى في عالم الأدب وقمت مع بعض الزملاء بتنظيم ندوة أدبية أسبوعية دعونا إليها ناقدا معروفا يعمل أستاذا للأدب في الجامعة. نصحنا الناقد الكبير بأن نتعلم الطريقة الحديثة في الكتابة وذكر لنا رواية “الريح ” للكاتب الفرنسي كلود سيمون باعتبارها نموذجا للكتابة العصرية العظيمة.

كنت قد قرأت هذه الرواية فلم تعجبني وأصابتني بالملل الشديد. قمت بطبع أول فصلين من رواية “الريح” بعد أن غيرت الأسماء الفرنسية إلى أسماء عربية وفي الأسبوع التالي قلت للناقد الكبير:

– لي زميل طبيب أرسل معي فصلين من أول رواية يكتبها. هل تسمح لي بقراءتها ثم تبدى رأيك؟

بدأت في قراءة رواية “الريح” وبعد صفحتين فقط قال الناقد:

– أظن هذا يكفي. هذه كتابة رديئة.

أصررت على إكمال القراءة وبعد بضع صفحات قال الناقد بحدة:

– كف عن القراءة من فضلك. صديقك عاجز عن كتابة عبارة واحدة سليمة وهو لا يعرف شيئا عن الصورة الأدبية أو رسم الشخصيات.

قلت له:

– ألا يمكن أن يتعلم صديقي الكتابة مع الوقت..؟

رد الناقد ساخرا:

– لا يمكن أن يتعلم لأنه غير موهوب. أنصح صديقك بأن ينسى الأدب ويتفرغ للطب حرصا على صحة المرضى والقراء.

عندئذ أخبرته بأنني كنت اقرأ من رواية “الريح” التي يعتبرها سيادته نموذجا للكتابة العظيمة.

حدثت بيننا بالطبع مشاجرة عنيفة، لكنني تعلمت يومئذ درسا مهما: ألا أحس برهبة من المشهورين وأن أعبر بصراحة عن رأيي الشخصي في العمل الأدبي بغض النظر عن الرأي السائد عنه. بعد سنوات أتيحت لي فرصة التعرف إلى النقد الأدبي في البلاد المتقدمة فتعلمت أننا يجب أن نفرق بين أربع مهن مختلفة:

أولا: الصحفي العارض REVIEWER

_______________________

وهو صحفي مهمته أن يقدم عرضا للكتب الصادرة حديثا، وقد يضيف إلى العرض انطباعاته لكنه لا يعتبر ناقدا أدبيا.

ثانيا: أستاذ الأدب

_________

وهو أستاذ جامعي يقوم بتدريس مادة أدبية للطلاب لكنه ليس بالضرورة ناقدا أدبيا.

ثالثا: الناقد النظري

__________

وهو مفكر أو أكاديمي يقدم ويشرح وينقد نظريات الادب ويستعمل الأعمال الأدبية كنماذج للتدليل على آرائه النظرية

رابعا: الناقد التطبيقي

____________

وهو يستوعب النظريات الأدبية المختلفة ثم يطبقها على العمل الأدبي وهو الوحيد بين المهن الأربع الذي يعتبر ناقدا أدبيا. للأسف فقد تعودنا في مصر والعالم العربي أن نخلط بين المهن الأربع فيكفي أن تكون صحفيا ولديك مساحة تكتبها كل أسبوع حتى تعتبر نفسك ناقدا أدبيا. وكذلك الأستاذ الجامعي قد يكون حاصلا على الدكتوراه في تاريخ الأدب أو الشعر الصوفي أو اللغويات لكنه يعتبر شهادته رخصة تسمح له بممارسة النقد في كل فروع الأدب بدءا من الشعر والمسرح وحتى الرواية والقصة القصيرة.

هذا الخلط في مفهوم النقد أدى إلى العشوائية في حياتنا الثقافية ومع قلة القراءة وعدم وجود رأي عام أدبي وانتشار الفساد والمحسوبية تكونت مراكز قوى في مجال الثقافة وتم فرض أسماء ضعيفة فنيا وتجاهل قامات أدبية حقيقية لم تتوائم مع قواعد المؤسسة الثقافية الفاسدة.

هل يمكن ازدهار الثقافة في نظام قمعي؟ الذين يؤمنون أن القمع لا يؤثر على الثقافة يضربون مثلا بالنهضة الثقافية التي حدثت في العهد الناصري، وهذه مغالطة كبيرة لأن المبدعين الذين أثروا الحياة الثقافية آنذاك كانوا قد أتموا تكوينهم الثقافي في العصر الليبرالي قبل الحكم العسكري.

كما كان اعلان الولاء لعبد الناصر شرطا أساسيا لوجودهم في الإعلام والمسرح والسينما. كثيرون من هؤلاء المبدعين آمنوا فعلا بمشروع عبد الناصر وكثيرون أيضا اضطروا إلى نفاق النظام طمعا في عطاياه أو خوفا من بطشه، وكثيرون تحولوا إلى مخبرين يكتبون التقارير عن زملائهم عندما تم تجنيدهم في التنظيم الطليعي.

لا يمكن لثقافة حقيقية أن تزدهر في ظل الاستبداد لأن الإبداع يستحيل بدون حرية كما أن الاستبداد يقضى على تكافوء الفرص ومبدأ الاستحقاق ويقطع العلاقة بين الأسباب والنتائج، عندئذ لا تؤدي الموهبة بالضرورة إلى النجاح ولا يؤدي العمل الجاد بالضرورة إلى الترقي ولا تؤدي الكفاءة بالضرورة إلى تولى المناصب.

كيف يتم تعيين وزير الثقافة أو عميد كلية الآداب أو رئيس تحرير جريدة الأهرام أو حتى رئيس الأوبرا في مصر؟

الإجابة دائما واحدة: بترشيح من أجهزة الأمن التي لا تعنيها إطلاقا كفاءة المرشح للمنصب، وإنما الأهم دائما مدى ولائه للنظام. لا يمكن الحديث إذن عن نهضة ثقافية في ظل الديكتاتور وقد فشلت ألمانيا النازية في إنجاب أديب بحجم توماس مان وفشل الاتحاد السوفيتي في انجاب أدباء مثل دوستويفسكي وتشيكوف.

لقد كانت المواهب الكبرى دائما في خصومة مع الأنظمة القمعية. أقصى ما يحققه النظام القمعي مجرد أنشطة استعراضية تقام لتمجيد الديكتاتور بغير أن يكون لها تأثير حقيقي على الثقافة. يُذكر هنا أن معظم قصور الثقافة مغلقة في مصر وأن عدد دور السينما الآن أقل بكثير من عددها في أربعينيات القرن الماضي (بالمقارنة مع عدد السكان) وأن الصحف الحكومية تحقق خسائر مالية رهيبة نتيجة لفشل إدارتها ونذكر أيضا ملايين الجنيهات التي ينفقها النظام من أجل عمل مؤتمرات للشباب لا تحقق أية فائدة باستثناء الدعاية للسيسي والتنافس في مديح عبقريته. الحرية شرط أساسي لأي إبداع. يستحيل أن تزدهر الثقافة في نظام قمعي.

الديمقراطية هي الحل.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد