لماذا وإلى أين ؟

يُقاس الضمير المغربي بِ “ميكا زيرو”

على الرغم من القانون الذي يحظر استخدام الأكياس البلاستيكية، نلاحظ جميعاً أن عددا كبيرا من التجار يستخدمونها فعليًا، ولا نرى المواطن يرفض استسلامها من البائع!
وأعرض عليكم الأسباب التي اكتشفتها عند تحليل هذا الأمر الجاري به العمل علانية وممنوع قانونيا في نفس الوقت؟

1- تناقض قانون “ميكا زيرو”
إذا كان القانون يهدف حماية البيئة، فإن المغربي يتساءل إذاً، هل القناني البلاستيكية (المشروبات والمنتجات المنزلية) المستخدمة دائما في التجارة لا تشكل خطراً على البيئة؟ ويخلص إلى أن الكيس البلاستيكي يزن 100 مرة أقل من قنينة التبييض على سبيل المثال وبالنسبة له فهو أقل تلوثًا 100 مرة من القنينة. لذلك لا يدرك المغربي منطق هذا القانون ويستمر في استخدام الأكياس البلاستيكية.

2- غياب الوعي الجماعي للمواطن
جميع أنظمة التربية، الأبوية والمدرسية والدينية، لا ترسخ في ذهن الطفل المغربي مفهوم الوعي الجماعي و واجب مسؤوليته في خدمة وتنمية مجتمعه وبلده. ونتيجةً لذلك لا يشعر المغربي بأنه معني أو له دور وطني في نجاح قانون “ميكا زيرو” على افتراض أن الآخرين لا يحترمون هذا القانون.

3- حالة الضحية
المغربي مقتنع بأنه ضحية لنظام الدولة واللوبيات المالية. وكل قرار من طرف هذه الأنظمة المعتبرة عدوة له حسب شعوره، يراه أمر سيء بالنسبة له ومجرد مؤامرة الأثرياء لإثراء أنفسهم أكثر. لذلك لا يلتزم المغربي باحترام “ميكا زيرو” على الإطلاق.

4- غياب الوعي البيئي
عندما نلاحظ الأوساخ في الشوارع في جميع المدن وحتى أمام أبواب المنازل، والنفايات الطائرة من نوافذ السيارات سواء داخل المدن أو في الطرق الوطنية، والنفايات المتروكة بعد نزهة في الشواطئ والطبيعة، كيف لنا أن نتحدث عن الوعي البيئي ونترجى نجاح “ميكا زيرو”؟

5- ثقافة التلاعب مع القانون
ليس لدى المغربي أي قناعة بأن القانون يُحترم في جميع القطاعات، كما يلاحظ أن الجميع يحاول التحايل على القانون بكل الوسائل، بل يشعر أن القانون ضده وليس من أجل حمايته أو للصالح العام للمجتمع. فلماذا إذن سوف يحترم قانون “ميكا زيرو” على الخصوص؟

6- البيئة بذاتها لا تَحترم المغربي
عندما نرى البيئة الاجتماعية والصحية والاقتصادية التي يعيش فيها غالبية المغاربة دون أي كرامة و في بؤس كبير و في أحياء فقيرة وقصديرية ومهمشة بدون ماء صالح للشرب وغياب بنية تحتية صحية، والكفاح اليومي للحصول على لقمة عيش، يخلص المغربي أن البيئة هي عدوه.
فكيف نريد أمام كل هذه العوامل، أن يرفض المغربي استخدام الأكياس البلاستيكية ويقول للتاجر “لا تعطيني الميكا، إنها خطرة على البيئة ومحظورة بموجب القانون؟”

الدكتور جواد مبروكي، خبير في التحليل النفسي للمجتمع المغربي والعربي

    يونس العمراني
    30/06/2019
    00:46
    التعليق :

    وان تحول البلد من حالة اللاقانون الى حالة القانون، تتطلب ثلاثة عوامل يجب ان تتكامل لنشهد حياة دستورية حقيقية:

    العامل الاول: هو الثقافة القانونية، اذ يجب ان يتعلم الناس على احترام القانون والالتزام به، وانه وضع لصالحهم وليس لتقييدهم او لمصادرة حرياتهم، واذا حدث وصادر قانون ما حرية من حريات الناس، فانما للصالح العام، كما لو ان قانونا منع التدخين في الدوائر الرسمية وفي المستشفيات وفي وسائط النقل العامة، كالطائرات والباصات والقطارات، فان مثل هذا القانون الذي سيحد من حرية المواطن في التصرف بصحته وماله، فانه في نفس الوقت، شرع للصالح العام، لتحقيق اعلى درجة من الاجواء الصحية للمواطنين، وهكذا لو حدد القانون معدل سرعة المركبات في الشوارع، فانه اذ يصادر حرية المواطن في سياقة مركبته في الشارع العام بالسرعة التي يحبها، الا انه يحقق درجة عالية من الامان للصالح العام، وهكذا.
    اذن، يجب ان يتعلم الناس ثقافة القانون، ويعوا ضرورته ووجوبه واهميته في المجتمع، من اجل ان يبادروا الى طاعته والالتزام به من دون ان تضطر السلطات المعنية لفرض الغرامات مثلا او العقوبات للالتزام به.
    اننا بحاجة الى ان نشيع ثقافة القانون في المجتمع وعلى مختلف الاصعدة، من خلال:

    اولا: اهتمام الوالدين بتعليم الابناء وجوب احترام القانون، ليس فقط القانون المكتوب، وانما كل ما ينظم العلاقات العامة سواء بين الناس او بين الانسان والطبيعة او بين الانسان والاشياء التي من حوله، ليشب اولادنا وهم يحترمون القانون العام، وهذا ما يحتاج من الابوين الى ان يكونا دقيقين في طريقة التعامل مع القانون، لان الابناء عادة ما يتعلمان احترام او انتهاك القانون ممن هو اكبر منهم، فاذا راى الابن ان اباه، مثلا، لا يحترم اشارة المرور، فان الاب في هذه الحالة لا يمكنه ان يقنع ابنه بضرورة احترام اشارات المرور، لانه سيفكر بطريقة عفوية تهديه الى عدم الاكتراث بمثل هذا الامر، فيقول متسائلا مع نفسه، لو كان صحيحا ما يقوله ابي من وجوب احترام الاشارات الضوئية عند سياقة السيارة، وان ذلك لمصلحته قبل ان تكون لمصلة الاخرين، فلماذا لم يلتزم هو بمثل هذه (النصيحة)؟ الامر اذن لا يتعدى كونه مزحة من قبل ابي، وهكذا.

    ثانيا: اضافة دروس في القانون الى كل المراحل الدراسية، ليشب الاطفال وهم يحترمون القانون.
    حتى الاطفال في الروض يجب ان نعلمهم على احترام القانون، من خلال القصة والرسم والطرفة وكل وسائل التربية والتعليم الحديثة.

    ثالثا: اقامة الدورات وورش العمل التي تهتم بتدريس وتعليم القانون واهميته في بناء المجتمع السليم.
    في هذا المجال، يشخص دور منظمات المجتمع المدني التي يجب ان تنشط في هذا المجال، من اجل اشاعة ثقافة القانون في المجتمع، ما يقلل من الكاهل والعبء على الدولة التي قد لا تستطيع ان تقنع الناس بمثل ذلك، لان المغاربة تعودوا على ان يرفضوا تعلم او تصديق كل ما تقوله وتسعى اليه الحكومة، اما منظمات المجتمع المدني، فان لها حظوظا كبيرة في انجاز مثل هذه المهمة، لما تتمتع به من ثقة عالية في صفوف الناس.

    العامل الثاني: هو القانون نفسه، فلا يكفي ان يتحلى الناس بثقافة القانون اذا لم يوجد في البلد، اساسا، قانون صحيح، ينظم العلاقات العامة بين افراد المجتمع الواحد.
    ومن اجل ان يكون القانون صحيحا وسليما وصالحا، يجب ان يتميز بما يلي؛

    الف: ان يكون عمليا، فالقانون المثالي لا يلتزم به الناس مهما تمتعوا من ثقافة عالية، فالناس غير مستعدين للالتزام او تطبيق قانون مثالي وغير عملي.

    باء: ان يكون قابلا للتطبيق، وذلك بان ياخذ المشرع الظروف الزمانية والمكانية لما يريد ان يشرع من اجله القانون، وهذا يتطلب ان يكون المشرع ملما بكل حيثيات وظروف الامر ليشرع قانونا ينسجم والجو العام.
    وان افضل القوانين هي التي تصدر بعد دراسة علمية للواقع الاجتماعي والثقافي، معتمدا على المسح العملي لكل المقومات والحيثيات، وافضل منه هو الذي يصدر بعد الاستماع الى الراي العام، من خلال عمليات الاستبيان مثلا، وهذا ما يجري العمل به في بلاد الغرب عادة، خاصة في أوروبا الامر الذي يشجع الناس على الالتزام بالقانون لشعورهم بانه منهم واليهم، وانهم قد ساهموا في اصداره بشكل او بآخر.

    جيم: ان يكون القانون متوازنا، فلا هو مرن بدرجة كبيرة، ولا هو لين بدرجة غير معقولة،

    في اشارة الى التوازن المطلوب، ليكون القانون قابلا للتطبيق في كل الظروف والحالات، ولذلك نرى ان علماء القانون يبحثون في روح القوانين وليس في النصوص، لان النص شئ ميت لا حراك فيه، اما الذي فيه الروح وتدب فيه الحياة فهو جوهر القانون الذي يسمونه بروح القانون.
    ان القانون الذي ليس فيه روح لا يمكن تطبيقه ابدا، مهما كان الناس على درجة عالية جدا من الوعي والثقافة القانونية، اذ كيف يمكن لاحد ان يطبق قانونا ليس فيه روح؟ وان الذي لا زال يحكم في الولايات المتحدة الاميركية، وبعد مرور اكثر من قرنين من الزمن على تشريع الدستور الاميركي الذي لا تتعدى مواده عشر ما تحتويه كل (دساتير) دول العالم العربي والاسلامي، هو روح القانون وليس نصه، ولذلك ظل طوال هذه المدة الطويلة من الزمن حيا في كل مناحي الحياة، وكانه دون، بتشديد الواو وكسرها،

    دال: واخيرا، ان يسري القانون على الجميع من دون استثناء، فلا احد الا والقانون فوقه، وليس في المجتمع من هو خارج سلطته، ليتسنى للقانون ان يحقق العدالة في المجتمع من خلال سريانه على الجميع، حاكمون ومحكومون، اما ان يصطاد القانون ضعفة الناس ويفلت منه الاقوياء، فهذا ليس بقانون، وانه سيفقد مصداقيته بمرور الزمن.

    العامل الثالث: هو القوة التي تنفذ القانون، اذ لا يكفي ان يتمتع بلد ما بقانون رائع وبشعب مثقف وواعي، ليشهد حكومة القانون، ابدا، اذ يجب ان تكون الى جانب كل ذلك، القوة التي تنفذ هذا القانون وتذكر الناس (المثقفين) بوجوب تنفيذه عند الضرورة والحاجة.
    ان اعرق الدول الأروبية تتمتع بقوة تنفيذية عالية الجودة، تفرض هيبتها على جميع الناس، والا لما احترم احد القانون ابدا، لان من طبيعة الناس انهم يتمردون على كل ما يحد من حرياتهم بشكل او بآخر، فلو كان الامر بيد الناس لقاد الجميع مركباتهم في الشوارع والطرقات باقصى السرعة، فلم يلتزم احد بحدود السرعة المقررة، او بالاشارات الضوئية وعلامات التوقف، ولكل مبرراته في عدم الالتزام بالقانون، الا ان الرقابة السرية المنتشرة في الشوارع والطرقات، كالكاميرات، والانتشار الهائل لشرطة المرور السرية منها والعلنية، في كل مكان، والتي تمتلك حق ايقاف المخالفين مروريا واصدار المخالفات القاسية احيانا بحقهم، ان كل ذلك هو الذي يساهم بدرجة كبيرة في ردع المخالفين، الذين يتعرضون لعقوبات هي بحجم المخالفة، اذ كلما كانت المخالفة اكبر كلما كانت قوة الردع القانونية اكبر، وهكذا.
    وكلنا يتذكر كيف ان الناس في الولايات المتحدة الاميركية، خرجوا عن القانون وتمردوا على التزاماتهم وتنكروا لثقافتهم الدستورية والقانونية، بمجرد ان غابت القوة لساعات في مدينة (نيو اورليانس الساحلية في ولاية لويزيانا) التي ضربها الاعصار المدمر قبل سنتين، الامر الذي كشف عن مدى حاجة المجتمع، اي مجتمع، الى القوة لتنفيذ القانون.

    0
    0

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد