لماذا وإلى أين ؟

فضلات الدجاج.. من “الكوري” إلى أمعاء المغاربة (روبورتاج)

بالقدر الذي تتأنى وتحذر الأسر أثناء بحثها عن أضحية للعيد، كي لا تجد نفسها ضحية كبش أو خروف مغشوش، فبالقدر ذاته يراوغ بعض “الكسابة” ويسعون جاهدين كلما اقترب “العيد الكبير” إلى ابتكار وسائل ماكرة تتيح لهم بيع رؤوس ماشية “منفوخة”.

ولعل السنة الماضية كانت الدليل على تطور أساليب خداع الأسر المغربية، حيث تجاوزت “حبات دردك” أو الحقن وغيرها، إلى اكتشاف أن “بزق” الدجاج يساعد على زيادة وزن أضاحي العيد بشكل يرفع من قيمته ويفتح الشهية للباحثين عن الحجم الكبير. فقد أظهرت عمليات المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية العام الماضي أن 70 في المائة من حالات التعفن كانت نتيجة تغذية الخرفان بمخلفات الدواجن بعد شهور من الصمت وحيال حالات تعفن اللحوم وتغير لونها. أما في الشهر الماشي، فقد سُجل استعمال فضلات الدجاج في التسمين بجهة الدار البيضاء والرباط.

فما مقادير هذه الخلطة العجيبة التي تساعد في ظرف لا يتعدى 40 يوما على زيادة وزن الخروف؟ وكيف تتم المتاجرة في رغبات الأسر المغربية؟

 

مقادير الوصفة العجيبة

 

الإجابة تقتضي استفسار أهل “المطبخ”، الذين هم أصحاب “كوريات الدجاج” و”الكسابة”. إذ أدلى عامل في أحد “الكوريات” (مدجنة) التقت به “آشكاين”، بأن الخلطة التي أصبح يُعتمد عليها لتسمين خرفان العيد تتكون من فضلات الدجاج والـ”سيكاليم” رقم 14. حيث يشتري بعض مربي الماشية فضلات المصنع الذي يشتغل فيه، لكن ليس أي نوع من الدجاج، إذ يقتصرون على “العتوكة” أو “الدجاجة الحمرا”، أي تلك الدجاجة التي تستعد لوضع بيضها، حيث تكون فضلاتها مختلطة بالتبن الذي يفرش للدجاج من أجل التدفئة و”سيكاليم” الذي يتساقط على الأرض، أما براز الدواجن الموجهة للذبح فلا يصلح أبدا كعلف للماشية.. وبمجرد أن تضع بيضتها الأولى يتم نقلها إلى جناح خاص لكي تُجمع فضلاتها في أكوام قبل وضعها في أكياس تُحمل في ما بعد إلى ضيعات مربي الماشية.

دجاج يبيض ذهبا

عند تجميع الفضلات في أكوام ضخمة تُقدر بالأطنان، ويحصل صاحب “الكوري” على تسبيق مالي، يحين موعد تصديرها إلى حيث المواشي الجاهزة للبيع بمناسبة عيد الأضحى، إذ لم يعد صالحا الآن بالنسبة للطرفين استخدام هذه الفضلات كسماد للأرض كما كانت من قبل.

بحسب من استقينا تصريحاتهم، ثمن الطن من الفضلات في شاحنة صغيرة يقدر بـ800 درهم للحمولة، ينضاف إليها مصاريف استقدام عُمال يشحنون السلعة، بمعدل 200 درهم للعامل، مع تكاليف الشحنة التي تتراوح بين 1000 و 1500 درهم. أي أن “الكساب” يعرف أن هذه المصاريف لن تمنعه من كسب مال أكبر حين يُسمن بها ماشيتهن فمستعملو “البزقة” يستفيدون من مبلغ لا يقل عن 18 آلاف وخمسمائة درهم عن كل شحنة، علما أن كمية نفس الشحنة من العلف الطبيعي المتنوع تصل إلى 10 آلاف درهم.

تصل الحمولات إلى حيث أضاحي العيد، فيبدأ الكساب عملية أخرى، فالدجاج باض ذهبا، حيث يبدأ باستغلال حمولات شاحنة صغيرة (ميشتي) طيلة 40 يوما قبل حلول العيد، وهي كافية للتسمين. وليُظهر لنا الكساب مصدر “آشكاين” الثروة التي تتأتى من وراء مخلفات الدجاج، أجرى عملية بسيطة، حيث يوفر “كساب البزقة” من وراء كل مائة خروف مثلا 17 ألف درهم، علما أن كبار التجار يوفرون 300 أو 500 رأس من الغنم لهذه المناسبة، بالتالي يمكن تصور ما يجنيه تجار “البزقة” عبر فارق تجارة العلف، هذا دون احتساب ما يجنونه بعد بيع الخرفان لتلك الأسر التي ذهبت ضحية جهلها بكل هذا.

ريجيم خاص

يحصل كل “كوري” للدجاج على مبلغ 800 درهم للشحنة الواحدة. تنقل هذه الشحنات خاصة إلى سيدي بطاش القريبة من مدينة بنسليمان، والمعروفة لدى الكسابة بأنها عاصمة التسمين بفضلات الدجاج.

هناك، يصنع الكساب حظيرة من البلاستيك (لاسير) قبل حلول مناسبة عيد الأضحى بحوالي 40 يوما، ثم يجلب الخرفان التي انقطعت قبل شهر عن الرضاعة، فيجلبون مئات الرؤوس من خرفان المدينة الصغيرة “بومية” بإقليم ميدلت المعروفة بقصر قامتها وبسرعة تسمينها. إذ لا يتعدى ثمن خروف بومية 300 درهم للرأس، ثم خروف “كوميرا” المعروف في وجدة، المجلوب من الجارة الجزائر، والذي يصل ثمنه إلى 400 درهم للرأس.
ما يقومون به بعد هذا هو تجويع القطعان طيلة 15 يوما في الهواء الطلق، إذ يكتفون بقيلي من التبن والماء، وبعد انقضاء هذه المدة يضعونها في “لاسير” تحت درجة حرارة مرتفعة، ثم يزودونها بـ”البزقة” والماء. فالحرارة المرتفعة داخل البيت البلاستيكي تدفعها إلى شرب الماء بكثرة، وهو عامل أساسي في تركيبة التسمين.

وتظهر آثار فضلات الدجاج بعد عشرة أيام من التعليف، إذ يتضاعف وزن الخروف مرتين، وعند انقضاء 40 يوما يكون قد تضاعف وزنه بـ 5 أو 10 أضعاف. يمكن لكساب صغير يتوفر على مائة رأس من الأغنام أن يجني 100 ألف درهم في مناسبة عيد الأضحى مقابل عمل يمتد لـ 40 يوما، وحوالي 5 آلاف درهم عن كل بقرة. أما الكسابة الكبار فيمكن أن يرتفع هامش أرباحهم إلى 500 ألف درهم عن قطيع مكون من 500 رأس من الأغنام، وهو مدخول يسيل اللعاب..

أعراض الاحتيال

خوفا من اكتشاف أعراض خروف “البزقة” بعض المحتالين يجرون عملية “دزازة” جماعية للخرفان لإزالة الصوف الأصفر، ثم يقومون بغسلها في حمام جماعي بالماء والصابون، لإزالة الشحوم الصفراء من إبطيها وتحت خصيتي الخروف. لكن بالرغم من كل هذا “الكاموفلاج” تصدر رائحة سيكاليم الدجاج من جلد الخروف بمجرد ملامسته لأشعة الشمس، لذلك يحتفظ الكساب المحتال بأغلب الخرفان في الشاحنة المغطاة بعناية، مما يؤدي إلى إفراز العرق كريه الرائحة. النصيحة التي يقدمها كساب هي شم رائحة فم الخروف والمسح على جلده ثم شم رائحة الجلد، فإن كانت الرائحة كريهة فينبغي الحذر، كما ينبغي الابتعاد عن شراء الخرفان المقصوصة الصوف (مدزوزة) تفاديا لأي خديعة.

كسابة خروف “البزقة” أصبحوا يلجأون لخدمات “الشناقة” الذين يتوفرون على بطائق تعريف وطنية تشير إلى إقليم خنيفرة وميدلت، ويتعاقدون معهم على بيع المنتوج مقابل أجرة يومية تتراوح بين 500 وألف درهم في اليوم، حيث يقنع الشناق الزبون بأن الخروف تربى في المراعي الطبيعية ببومية وخنيفرة المعروفة بجودة قطعانها، ويقدم له بطاقة تعريفه الوطنية التي تشير إلى أنه كساب ينتمي إلى تلك المنطقة لتأكيد ادعاءاته. وأضاف الكساب أن الكثير من أبناء خنيفرة وبومية وميدلت يلجأون إلى أسواق بيع المواشي في المدن، للعمل كـ “شناقة” بمناسبة عيد الأضحى. وهي حيل يمكن اكتشافها بسهولة إذا ما ركز الزبون اهتمامه على فحص الخروف بدل الإنصات لادعاءات الشناق.

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد