لماذا وإلى أين ؟

النموذج التنموي.. الأداء البرلماني والحزبي.. محاولة للفهم

إدريس بنيعقوب*

من أجل إعادة طرح سؤال البرلمانية المغربية le parlementarisme  marocain، في سياق دستور 2011 المرتهن بدوره إلى سياقات فورة اجتماعية ذات عمق سياسي حقوقي، وعلاقتها الجدلية مع التنمية في جميع أبعادها، يتعين قراءة الواقع قراءة صحيحة، صادقة وكاشفة للوقوف على منابع الفشل الحقيقية ومصدر الخيبات في صناعة نموذج مغربي تقوده كفاءات وطنية مثقفة.

النموذج التنموي الذي تحدث عنه الملك محمد السادس يحتاج فعلا إلى كفاءات، ولكن ما هو نوع الكفاءات المطلوبة؟ هل هي كفاءات بمثابة خبرات تقنية بالإمكان البحث عنها في مكاتب الدراسات أو الاستشارات  أم هي كفاءات مثقفة تحمل جينات المثقف العضوي وتسعى إلى تغيير النسق الاجتماعي على المدى المتوسط والبعيد؟

وكما قال الأستاذ الساسي  ذات يوم (من يحب ملكه يجب أن يقول له الحقيقة)، حقيقة أسباب الفشل وتشابكها مع المصالح الشخصية، وأن يكون الملك كراع للأمة المغربية العريقة وأسمى مسؤول عن قيادة سفينتها وعن مصيرها، أول من ينبغي إطلاعه على الحقيقة كلها كيفما كانت مرارتها وقساوتها في تحديد مسؤولية كل طرف أؤتمن على جزء من القرار، حرصا على المؤسسة الملكية الجامعة والموحدة، حقيقة خيبات الفاشلين الذين يعبثون ببراغي العرش ويرخفونها يوما بعد يوم، وإلا سنستمر في التمثيل و الكذب على بعضنا البعض إلى أن نؤتى من حيث لا نحتسب.

فكرة نموذج تنموي جديد تعترضه بعض القواعد القديمة وتمنع انفتاحه على التراث التنموي الإنساني الكوني. عدة عراقيل معيارية ونفسية منها ما هو قانوني صرف يحتاج إلى تعديلات مستعجلة، ومنها ما هو مرتبط بالذهنيات تحتاج إلى وقت لتمرير قناعات جديدة داخلها.

على سبيل المثال المادة 77 من دستور 2011، التي تنص على الحفاظ على التوازنات المالية الكبرى للدولة، لا يسمح مثلا بتنفيذ خطط ذات عمق كينيزي، وأن أي نموذج تنموي في شقه الاقتصادي سيظل محكوما بهذه القاعدة الدستورية، اللهم إلا إذا تم تعديلها للسماح بمرونة كبيرة في الاختيارات حسب الظروف العامة. بمعنى أمام مثل هذه القواعد  سنظل مسيجين في اختيارات النموذج التنموي السابق، سنبقى في نفس السياق الحالي و مسموح فقط بالبحث عن فرص تنموية اقتصادية جديدة ظرفية ليس إلا.

هذه القاعدة الدستورية السامية والملزمة هي نتاج اختيار اقتصاد سياسي في شقه المتعلق بفلسفة الحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية. وبذلك غير متاح أي تعديل في النموذج التنموي الاقتصادي في اتجاه الرفع من وظيفة الدولة في الدعم الاجتماعي وتوزيع مداخيل جديدة متنوعة لتشجيع الاستهلاك، وبالتالي تشجيع الإنتاج والاستثمار ولو سبب ذلك عجزا في الميزانية قد يكون مفيدا على المدى المتوسط. لذلك ستظل العناصر المحافظة المؤسسة للنموذج السابق الذي تم الاقرار بفشله في عدة مجالات، ستظل مؤطرة لأي مبادرات تنموية جديدة.

أيضا هناك خلط وعدم تحديد للمفاهيم. فالنموذج التنموي شيء والإصلاحات الاقتصادية شيء آخر. النموذج التنموي ليس فقط مجرد مشاريع خبزية، إنه منهج تنمية يضمن تناغم حركة الإنتاج داخل البلد، يشمل الاقتصاد كما يشمل تنمية الإنسان القيمية والمعرفية. كثير من المغاربة والمسؤولين لا يميزون بينهما. كثيرون يرون في النموذج التنموي هو الإصلاح الاقتصادي، وهذا خطأ غير مقبول ويتعين تدقيقه قبل الشروع في أي عمل لإعداده، لكون النموذج التنموي أكبر من الإصلاحات الاقتصادية بل يحتويها ضمن أوراقه، فهو يشكل فلسفة وهوية الوظائف الجديدة للدولة وانبثاقاتها السويو سياسية والاقتصادية، هو منتوج فكري يجب أن يجيب على سؤال منظومة القيم التي نريد، وربطها بباقي عناصر ثقافة تدبير وظائف الدولة وأيضا تشبيكها مع مناهج الرقي بالمجتمع المغربي الذي أصابته عدة أورام بعد انفصاله عن منظومة قيم أصيلة، فارتفع مثلا سلوك العنف والرفض.

النموذج التنموي ينبغي أن يضع هوية جديدة لوظائف الدولة، ويتبنى فلسفة جديدة من منظور الاقتصاد السياسي، لكي يتم بلورة رؤية متجددة للنسق الاجتماعي وبالتالي ضبط علاقات الإنتاج المجتمعية بين الأفراد فيما بينهم، وبين الأفراد والمؤسسات الاجتماعية والسياسية، وأيضا فيما بينهم وبين مختلف الأفكار والقيم. خلاصة القول النموذج التنموي هو إعادة تعريف المجتمع والدولة الذي نريد ومن تم تحديد طبيعة ووظائف وهوية المؤسسات التي نريد من مقاولة ومدرسة ومحكمة وأسرة وغيرها..

وعودة إلى سياق البرلمانية المغربية الجديدة، فهي السياقات التي عاشتها المنطقة العربية بشكل “مسرحي ميمي”، تسيد فيها التقليد والتبعية الجماهيرية بدون أوراق إخراج صريحة أو سيناريوهات بناء واضحة. حركات اشتباك متغابنة، غابت فيها الرؤية المحددة للإجابة على أسئلة ومفاهيم الدولة والقانون والحق والمجتمع والسلطة والوسائط، وطغت فيها نبرة الغبن و”التغابن الجماعي”، في شكل ملحمة بكائية جماعية، على ظلم بعضهم البعض، وعلى “تفرعن” حاكم الماضي/الحاضر، بدون أن تقدم بديل آمن ومؤمن للمستقبل من مخاطر سياسات الماضي. شوارع جسدت مسرحا استهلاكيا نتفيسيا كبيرا تم تحويطه داخل شعارات غير واقعية وغير قابلة للتنزيل الملموس. شوارع غابت فيها الواقعية في البحث عن الحل، وقبل ذلك في تحديد مفهوم الأطراف الماسكة بعناصر القوة الحقيقية، شوارع “مسكينة” ساذجة الى حد بعيد لم تفهم كيف يدبر توزيع القوة بين الأطراف الحقيقية للعبة وظلت تتصارع مع أطراف وهمية قدمت لها قرابين للذبح.

داخل هذا السياق للتظلمات والمظالم والتشكي والغضب  بعيدا عن المؤسسات، وعلى “خشبة مؤسسة الشارع”، للتعبير الشعبي المتفجر عن مشاعر الغبن السياسي وما رافقه من غبن “خبزي” معيشي في المنطقة، كان الرد والمخرج في المغرب هو تقديم كمية جديدة من التدابير لإدارة إصلاح الدولة، من منظور الإبقاء على هرم المؤسسات في أساسه القديم.

تدابير وقتية مستعجلة، كانت تهدف في مجملها إلى إعادة ترميم و”تشحيم” دواليب “المؤسسات الدنيا” داخل هرمية الدولة، وإلى إنتاج روابط وجسور جديدة فيما بينها، تروم توسيع قواعد العلاقات التفاعلية فيما بينها بشكل قد يعطي الدينامية المطلوبة من أجل التطور والتنمية المنشودين في بناء صرح دولة تحترم القانون وتقف على حقوق الجميع.

من بين أهم ما ميز الإنتاج المعياري الجديد تبني شكل النظام البرلماني، في شقه المرتبط بإعادة تأسيس شرعية ومشروعية رئاسة الحكومة، في ارتباطها بالبرلمان وتمكينها من آليات قانونية جديدة لممارسة السياسة وإنتاج السلطة. تميز أيضا المنتوج الدستوري “الربيعي”، بمنح مساحة حركة جديدة للبرلمان بتوسيع مجاله المحفوظ دستوريا في إطار ثلاث وظائف نظرية رئيسة ومحورية. أولها التموقع المعياري للمساهمة في إنتاج السياسة الوطنية العامة من خلال التشريع والاقتراح في فروعها الكبرى، ثم افتراض ممارسة نوع من المحاسبة الضبطية للمخالفات والاختلالات التنفيذية، وأخيرا تجديد تأكيد وظيفة التواصل والوساطة المجتمعية، في ظل ارتفاع  حدة الاشتباكات على أمل الإصرار على نشر ثقافة القانون داخل الدولة وانبثاقاتها داخل المجتمع من جهة، ومن جهة أخرى وضع الدولة أمام الصورة الحقيقية للمجتمع وتطلعاته من خلال الحوار المؤسساتي العام.

غداة تبني دستور 2011، أقر الجميع بأن البلاد تعيش وضعا احتجاجيا استثنائيا، فتبنت دستورا اعتبر وقتها استثنائيا سواء في سياقه أو في خطاطاته المؤسساتية والقيمية. ومنطقيا كان يفترض في أول حكومة وأول برلمان في زمن الربيع الاستثنائي، أن يشتغلا أيضا بالروح الاستثنائية نفسها للبناء وألا يتم طي صفحة السياق العام والخاص بمجرد ظهور نتائج انتخابات نونبر 2011، لتعود الأحزاب التي تحمل جينات ولادة إدارية سياسية لما قبل الزمن الدستوري الجديد، إلى ممارسة ثقافة تدبير علاقاتها على إيقاع قواعد الزمن السابق، وتعود للتنافس الحاد والاصطفاف الحزبي وإلى منطق أغلبية معارضة بحجة أن الديمقراطية تقتضي ذلك، في الوقت الذي مرت فيه كل تلك الأحزاب من زمن ما قبل 2011 المشوب بعيوب “الرضى والتعاقد السياسي”، إلى زمن الدستور الجديد بالقيادات والنخب والبروفايلات والعقليات نفسها بدون عقد مؤتمرات مواكبة للعهد الدستوري الجديد وللسياق المنفجر، لإنتاج قيادات جديدة تتماشى مع زمن الربيع.

فكان أن فشلت الحكومة الأولى في الولاية التشريعية الأولى لما بعد دستور الربيع في تنزيله كما ينبغي، وفي خلق الإجماع والتوافق، فعاشت البلاد فترات تعطل للمؤسسات وللإنتاج التشريعي والتنظيمي، من خلال رفض متبادل بين المؤسسات، والمبادرات والمبادرات المضادة، بل وتوقفات طويلة الأمد بسبب اصطفافات داخل الدولة لم يستطع الحزب الأغلبي، العدالة والتنمية بقيادة عبد الإله ابن كيران، آنذاك أن يخترقها ويتبنى منطق التوافق والتشارك الحقيقي، لسبب شخصي بسيط، هو الخوف على صورته من التلطخ بسبب الصورة الأخلاقية والرمزية التي قدمها للمجتمع، وبالتالي الخوف من فقدان المساحات الانتخابية.

بذلك جسد الحزب المذكور، أنانية سياسية استغلها خصومه جيدا. فبدل الانكباب على معالجة وإصلاح الدولة من خلال مبادرات جديدة وأفكار مبدعة، أصبحت البلاد تعيش معارك الوجود السياسي والاعتراف، وغيرها من معارك تواصلية إعلامية استهلكت زمن الدولة التشريعي التنموي لفائدة زمن الفرجة السياسية. هذا الوضع جعلها ولاية تشريعية سلبية جدا وانطلاقة غير سليمة لما بعد دستور 2011.

الأداء البرلماني، التقاعس وانعدام الفعالية.. الأسباب العميقة.

مؤكد أن الأسباب الكامنة وراء الأداء البرلماني المغربي غير المقنع وغير المواكب عميقة جدا ومتعددة وليست مرتبطة فقط بمزاج المنتخبين أو ضعف بروفايلاتهم، بل تتعداه إلى أبعد من ذلك لتلامس طبيعة النظام السياسي، منطق اشتغال الأحزاب السياسية، إلى منظومة القيم المجتمعية ككل.

هذه العناصر الثلاث قد تساعد على فهم وإدراك الواقع البرلماني والمؤسساتي، ووصفه بشكل سليم إلى حد بعيد.

حول النظام السياسي..

يبدو أن طبيعة اشتغال المؤسسات تبعية بعضها للبعض وسمو بعضها على البعض في إنتاج الحلول وتدبير الدولة وإدارة الأزمات، يخلق نوعا من السلبية والتراخي في أعصاب مؤسسات أخرى. معروف أن السياسي أو السياسة من خلال الممارسة الانتخابية والتمثيلية يفترض فيه أن ينتج السلطة وأن يمارسها، بعد تصدره المشهد عن طريق الاستحقاق العام، يمارسها عن طريق إحكام السيطرة السياسية على مراكز إنتاج القانون والتنظيم لتنفيذ تصوراته ورؤاه في بناء هياكل الدولة والمجتمع، طبقا للخطاطة الديمقراطية، غير أن الوضع في المغرب مختلف.

ذلك أن المؤسسة الملكية، التي تمتلك جوهر السلطة الحقيقية، غير خاضعة بقوة طبيعتها وأعرافها التاريخية، للمزاج الانتخابي، وغير مصنفة ضمن هرمية مؤسسات التدبير العادي. هي مؤسسة عليا، منتوج حصري للتاريخ ولصراعاته الطويلة، تشتغل ضمن كثافة أعرافها التأسيسية الممزوجة بالقاعدة القانونية العصرية في ما يتعلق بإدارة مرؤوسين كبار موكول إليهم مهام تصريف شؤون الرعية، بعد رضى الرعية عنهم عبر الانتخاب، ومنهم من هو غير خاضع لهذا الرضى باعتبار الملك هو أيضا ممثلا أسمى للأمة وللشعب ومعبرا عن إرادته ومجال تدخله غير محصور في سلطة واحدة، بل يتعداه إلى الممارسة، طبقا للقانون وحسب الحالات والظروف، إلى كل جسد الدولة من خلال توجيه “رؤوسها” المعروفة، القضائي، التشريعي والتنفيذي، وقد تجلى هذا بشكل واضح في تدبير احتجاجات الريف ومنطقة الحسيمة مثلا.

من هذا المنظور، تولدت لدينا تنفيذية سلبية، تنتظر التوجيه وتخشى المبادرة. برلمانية سلبية تمارس ردود الفعل ولا تقوى على المبادرة الحقيقية، تحت حجة دفينة وغير معلنة، هي أن الملك هو الوحيد من يمكنه سبر أغوار كل المشاكل لحلحلتها، وأنه سيتدخل في الوقت المناسب لممارسة السلطة الحقيقية لقيادة الدولة. هذه الذهنية وهذه الثقافة خلقت نوعا من عدم الإحساس بالمسؤولية، ونوعا من الفزع والتردد على الإقبال على المبادرة، مخافة معاكسة توجهات الملك ومخافة “غضبه وعدم رضاه”.

أمور أخرى أيضا تجعل من مؤسسة البرلمان المغربي مؤسسة غير محددة الهوية. هل وجودها مرتبط بإتمام عمل السلطة الملكية العليا للبلاد، باعتبارها أيضا تمارس مهمة تمثيل كتلة من الناخبين وباعتبارها تتلقى توجيهات عند بداية كل سنة تشريعية؟ هل موقعها هو من أجل مساعدة الحكومة نظرا لكون الحكومة صاحبة اليد العليا في تقديم مبادرات التشريع محصنة بعدة نصوص تحد من تدخل البرلمان في عملها، أم من أجل مراقبتها ومحاسبتها ومجازاتها إن اقتضى الحال؛ الشيء الذي يحتاج إلى توافر شروط صارمة لذلك؟

الأحزاب السياسية أي علاقة بهذه الأزمة؟

سؤال الحزبية المغربية ليس ببعيد عن أزمة العمل البرلماني وتكريس الفشل والضعف. تكمن أهم الاختلالات في المشهد السياسي المغربي، في ضعف وفتور القوى الحزبية، سواء من منظور تنظيمي أو خطابي أو تأطيري.

نحن أمام ظاهرة حزبية غريبة تكاد تكون هجينة وغير قابلة للتصنيف في إطار التصنيفات السياسية المقارنة. ذلك أننا إزاء أحزاب سياسية فقدت القدرة الفكرية والنظرية على التعرف على ذاتها من تكون. أحزاب لا تملك القدرة على تحديد هويتها النظرية والسياسية بين التصنيفات الكبرى؛ الليبرالية، الديمقراطية الاجتماعية، الإسلامية، إلى غير ذلك.

أمامنا أحزاب تؤمن بالليبرالية وتتبنى قاموس الاشتراكية والأحزاب الاجتماعية، أو العكس، أحزاب ذات عمق تأسيسي اشتراكي يساري وتتبنى خطاب الليبرالية، وأحزاب أخرى لا تتبنى أي توجه وليس لها أي أفكار واقعية عن مرجعيتها النظرية والسياسية. وهكذا سادت في اللوحة الحزبية جملة من الألوان غير المنسجمة والتناقضات الهوياتية.

وعموما ما يميز الحزب السياسي هو تملكه للأدوات الفكرية والسياسية لإنتاج نفسه، لإنتاج خطابه المتميز، لإنتاج نموذج المناضل المتوغل في المجتمع، ثم قدرته على صناعة الأطر وصقل الكفاءات المأمول فيها تدبير الشيء العمومي عن طريق التكوين والتدريب والتأطير السياسي والحقوقي القوي.

لدينا أحزاب سياسية لم يعد لها ذلك الدور الإنساني الفلسفي الاجتماعي الوجودي، لم تعد تهتم لبناء تصورات نظرية بمساعدة المثقفين، بقدر ما ترى في ذواتها مجرد موجودات سياسية، استسلمت لفكرة أنها صنعت لأداء مهمة داخل الزمان والمكان محصورة في التطابق مع خطاب الدولة و تسعى إلى محاصرة أي تيار غير منصاع للتوجهات التقليدية للدولة أو للذي يسعى إلى تجريب محاولات جديدة لتغيير قيم تداول السلطة.

أحزاب المهام les partis missionnaires هاته ليس لها مرجعيات دقيقة وواضحة وليس لها خطاب متميز ملاءم للعهد الجديد وللتحديات المطروحة، في زمن العولمة وفي زمن ما بعد ما سمي بالربيع الديمقراطي أو العربي. أحزاب لا يهمها صناعة مناضل متشبع بالثقافة الحقوقية ومكون نظريا على المحاججة والمرافعة من أجل القضايا المجتمعية، لتحصين الدولة والمجتمع والثوابث، أحزاب ليس لها أي تصور عن المجتمع الذي تريد وعن المدرسة والمقاولة والمحكمة وغيرها، اللهم إلا تبني بعض العناوين الفضفاضة، مستعملة ثقافة الجينيريك بدون عمق نظري وفلسفي.

أحزاب تواصلها الوحيد هو خلال فترة الانتخابات. برامجها مجرد إعلان نوايا ومبادئ عامة، أحزاب هدفها هو التضخم العددي الانتخابي بدون تأطير وتكوين وإعادة تربية على مفهوم الدولة والمواطنة، أحزاب تبحث عن زبائن انتخابية في عملية شبيهة بالمعاملات التجارية، تضم في صفوف قيادييها بورجوازية غير مواطنة، تبحث عن الزبائن الكبار من رجال الأعمال والمال بدون أي تكوين على مفاهيم العمل السياسي من داخل مؤسسات عمومية لا تتوخى الربح المادي في فلسفتها.

أمام هذه الأحزاب، عن أي برلماني أو كفاءة حزبية مثقفة يمكن الحديث؟ الجواب واضح. برلماني غير مكون، غير مدرب نفسيا وتقنيا على المبادرة والتفاعل وتقبل النقد وتدبير الاختلافات، غير واع بأولويات بلاده، مهتم فقط بمصلحته الشخصية التي ينصرف إليها ويعتبرها أولى من مصلحة حزبه وبلده.

إذن نحن إزاء بناءات غير سليمة من وجهة نظر فكرية وفلسفية وسياسية. نحن أمام أحزاب غير قادرة على إنتاج خطابها وذاتها، وبالتالي لن تكون قادرة على إنتاج وقود بشري يبني المؤسسات ويطور الأداء.

منظومة القيم.. الغائب الأكبر في تحليل أزمة الذهنيات السياسية والمؤسساتية.

تلك مسألة أعمق تشمل المجتمع والدولة ككل. منظومة القيم مرتبطة أساسا بمنظومة التربية والتكوين وبالقيم الاجتماعية التداولية داخل بنيات الدولة. فبعدما كان المجتمع المغربي متميزا بقيم العمل الجماعي والتفاني والتطوع بشكل كبير غداة الاستقلال، وقع عبث بالمنظومة القيمية بفعل السياسة وبفعل عدة عوامل متداخلة، خصوصا منذ الثمانينات مع بداية العمل بالتقويم الهيكلي، وما تلاه من إصلاحات اقتصادية سريعة، أهمها خوصصة المرافق العمومية وبداية تخفيف تدخل الدولة في تدعيم الحاجات الأساسية.

لم تكن تلك الإصلاحات ذات بعد اقتصادي وحسب، بل حملت في طياتها برمجة جديدة لإعادة صياغة المنظومة التعليمية، التربوية والقيمية وأنتجت هوية فردية وجماعية ملتبسة، وثقافة فردانية قوية، ثقافة البحث عن الربح السريع وعن “الهمزة”، ومن بين نتائجها أيضا ارتفاع العنف بسبب فقدان الأفراد القدرة على التعرف على بعضهم البعض هوياتيا، وكأن الجماعة المغربية هي جماعة بشرية ولدت اليوم فقط، لا يتقاسم أفرادها هوية ثقافية وقيمية جامعة. في ظل هذا الوضع أفقدت الجامعة المغربية قدراتها العلمية والبحثية لإنتاج مثقفين، لإنتاج مواطنين يفهمون ويحللون ويقارعون النماذج الأجنبية، لأنه لا يمكننا أن ندخل غمار التسابق الدولي بكفاءات تقنية محدودة متخرجة من التكوين المهني فقط، بل نحن في حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى الجامعيين والباحثين والعلماء في كل المجالات المعرفية.

هكذا لم تعد القيم السابقة مؤطرة للسلوك وأصبح الهم اليومي للأفراد هو صيانة المصالح الخاصة حتى وإن كانت مضرة بالجماعة المغربية ككل.

لا شك أن هذه التحولات الثقافية الكبرى وتغير منظومة القيم من “المعمم” إلى المخصخص”، تغيرها من “اقرأ”  “لقرائتي”، من الجماعي إلى الفردي، من التطوعي إلى العمل بمقابل، من النضالي إلى الزبوني، لا شك أنها عوامل أثرت على السياسي وجعلت منه أحد التعبيرات الواضحة عن خلل منظومة القيم، الشيء الذي ساهمت فيه الأحزاب بشكل كبير باعتبارها أهم قنوات تصريف النخب نحو المسؤولية وتطعيمها فكريا وثقافيا وأحد أهم بنيات التنشئة السياسية.

من هذا المنطلق، يعد البرلماني منتوجا لنظام اجتماعي وسياسي قائم. لا يمكنه إلا أن يكون صورة نموذجية “مخلصة ووفية” للمجتمع ككل. انشاغله السياسي الرئيسي هو معالجة سؤال التواصل من منظور تلميع صورته أمام كثرة الانتقادات، سؤال تتم الإجابة عليه تقنيا في أغلب الحالات بدون روح، بحيث يتم اللجوء إلى وسائل التواصل وأدوات الإعلام والاشهار لحجب صورته الحقيقية السلبية وتقديم صورة سكيزوفرينية، افتراضية، خيالية، غير مستقيمة مع أدائه الحقيقي داخل المؤسسة النيابية.

ومهما حاول تغطية الحقيقة باللجوء إلى أدوات “التبييض الإعلامي والاشهاري”، فإن ذلك لن يغير من حقيقة ضعفه الملموس في الأداء، وفشله في تقوية النقاش العمومي حول القضايا الأساسية للبلاد وللمواطن، إضافة إلى كسله الشديد أمام تفعيل القاعدة القانونية وأجرأتها، وقبل ذلك إعطاء المثال باحترامها.

معظم مقترحات القوانين الصادرة عن البرلمانيين، خصوصا في المعارضة، هي فقط لتضخيم كمية المنتوجات والافرازات أمام الرأي العام، ومعظمها للمزايدة السياسية على الحكومة وأغلبها غير مقبولة من الناحية العلمية الليجيستية legistique أي من وجهة نظر الصناعة التقنية التشريعية للقاعدة القانونية، بمعنى أنها لا تعدو أن تكون مجرد مجموعة جمل إنشائية تعبر عن مجموعة من المبادئ لا تحترم نظام الجملة القانونية ولا تعتمد على دراسات متنوعة قبل إعدادها، ولا تحترم باقي المنظومة القانونية الموازية أو العليا، كما تخرج في كثير من الأحيان عن القيم الجماعية. والخلاصة أن عددا كبيرا من التشريع المقترح غير جدي وغير مدروس وضعيف البناء الليجيستي، وغير ملائم لحاجات المجتمع ذات الأولوية في الزمن الاجتماعي الراهن.

العمل البرلماني هو عمل لا ينظمه القانون البرلماني فقط، لكون هذا القانون هو تقني بشكل كبير. بل أيضا تؤطره مجموع القواعد الدستورية التي تعترضها دائما معضلة عدم التطبيق أو عدم التطبيق السليم. العمل البرلماني يقتضي ضرورة التوافق حول تصورات حزبية أساسية جماعية للعمل من داخل البرلمان، تعتمد على قراءات للوضع العام وعلى دراسات للحاجيات التشريعية ذات الأولوية وعلى بلورة مساهمات في صناعة السياسة الوطنية العامة.

من هنا نتساءل هل يضع النواب عند كل دخول تشريعي أفكارا جديدة في محفظاتهم من أجل عرضها على المناقشة وعلى الحكومة قصد تفادي الأزمات الاجتماعية كما وقع في الريف مثلا؟ كيف يفكر البرلماني في أن يكون فعلا ممثلا ووسيطا اجتماعيا بالتشارك مع الحكومة لتدبير الملفات الكبرى، بدون مزايدات سياسية أو نظرة حزبية ضيقة؟ هل أعدت الفرق النيابية استراتيجيات للتشريع وللتواصل مع مختلف الشركاء في السياسات القطاعية ومع المجتمع بالاستفادة من خطاطات وتراكمات التجارب المقارنة؟ هل تشتغل المؤسسة الحزبية على تغيير ثقافة وذهنيات نوابها أم تساهم معهم في تنمية ثقافة الريع وحس تحصين المصلحة الشخصية؟ ماهي خطط البرلماني لفك الاشتباكات المتكررة بين الدولة والمجتمع في قضايا حساسة كثيرة؟

هذه أسئلة ليست على سبيل الحصر، بل هناك أخرى كثيرة ومتنوعة إذا ما تمت الإجابة عنها بصدق وبحس وطني وإنساني حقيقي وعميق، ربما عندها قد يترقى لدينا هذا “المجمع البشري” المنقسم والمرتبك والفاقد للبوصلة إلى صفة برلمان جدير بهذه الصفة التي صنعها التاريخ بتضحياته وصراعاته المريرة، جدير بحمل اسم مؤسسة نبيلة وعريقة خدمت أجيالا من التطور والرقي، وبنت أمما وقوى عظمى وصلت عنان السماء.

سؤال النموذج التنموي والرقي بالمواطن المغربي أبعد من أن يكون مجرد إنتاج رزمانة من الإجراءات ذات البعد الاقتصادي والاجتماعي، وإنما يتعداه إلى ما هو أبعد إلى إصلاح النظام السياسي ككل وإعادة تعريفه وتحديد هويته وطبيعته من جديد، من منظور علاقته بمنظومة القيم، بالدولة والمجتمع والأمة ككل. النموذج التنموي إذا لم يجب على سؤال منظومة القيم ودورها في إعادة إدماج الدولة والمجتمع والإنسان في أهداف الأمة المغربية، فإننا سنجتر نفس أخطاء الماضي، لأنه لا تنمية ولا تقدم بدون انسان يحمل قيما ورسالة.

وموازاة مع ذلك كله، لابد من جرأة تاريخية لفتح محاكمة مفصلية في تاريخ مغرب العهد الجديد وفي تاريخ المغرب ككل، لكل أولئك المساهمين في فشل النموذج السابق، قبل أن يتسللوا خلسة إلى النموذج المأمول ويعيثوا فيه فسادا حتى تعود الثقة من جديد.

* باحث في العلوم السياسية بكلية الحقوق أكدال الرباط.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد