لماذا وإلى أين ؟

الظواهر الثقافية وأثرها في عرقلة التنمية

 خالد حاجي*

على الرغم من مرور ما يقرب من عقدين من الزمن على مقالة كتبتها تحت عنوان: « التنمية مطلوب لا يلحق »، أجدني اليوم، وأنا أفكر في واقع المجتمعات العربية والإسلامية، أصدر عن القناعة نفسها المتضمنة في عنوان هذه المقالة. وكيف يحيد المرأ عن هذه القناعة والواقع المنظور يجلي لنا عالما عربيا ممزقا، منقسما على ذاته، تَعِبا وكأن شعوبه تخرج من حرب خلفت « صَرْعى نَوْؤُها مُتَخَاذِل » كما يقول الشاعر، أي لا يقوى من يقوى منهم على النهوض إلا بجَهد ومشقة!

إلا أن هناك فرقا في منطلقات التفكير في موضوع التنمية بين الأمس واليوم. فقبل عشرين سنة، كانت صدورنا تتسع للحديث عن المفاهيم والمصطلحات، تحصيلا وترجمة وتأصيلا، كما كان يحلو لنا أن نردد؛ كما كان الذوق العام يستسيغ ضروبا من النزوع نحو الفكر المثالي المجرد عن الواقع؛ حيث لم يكن المرأ يجد أدنى حرج في استدعاء أفكار « هونري دايفيد ثورو » (Henri David Thoreau) من أمريكا القرن التاسع عشر، أو أفكار « كينيث وايث » ( Kenneth White ) الجيو-شاعرية (Géo-poétiques)، وغيرهم كثير. أما اليوم فنشعر وكأن الخناق الذي يشتد على المجتمعات العربية يُضيِّق ساحة التفلسف، بل ساحة التنفس؛ لذلك تجد الكثير منا، تحت ضغط الواقع المرير، يصرفون هممهم وعقولهم للتفكير في حيل عملية وحلول واقعية تجنب المجتمعات العربية مزيدا من الإفلاس، بعيدا عن كل أنواع التضخم الإيديولوجي والمناظرات العقيمة حول نموذج التنمية الأمثل، أهو « النموذج الإسلامي »، أم « النموذج الحداثي »، مثلا.

إن فشل نماذج التنمية في الوطن العربي شيء سيئ، وأسوأ منه عدم الإقرار بهذا الفشل، ثم التمادي في التغني بإنجازات عظيمة لا وجود لها إلا في خيال نخب سياسية وإعلامية مفصولة عن واقع مجتمعاتها المزري. فقد يكون الباعث وراء الإصرار على إخفاء أعطاب التنمية هو الخوف من الإساءة إلى صورة الأنظمة السياسية ومن القدح في شرعيتها بوصفها المسؤول الوحيد عن تنمية المجتمع. فكلما كان النظام السياسي شموليا، يدعي القدرة على تطوير المجتمع لوحده، شق عليه الاعتراف بتخلف هذا المجتمع، وصار حاله أشبه بحال من يهرب إلى الأمام، حتى إذا نظر من حوله وجد نفسه وحيدا لا يلحق به الآخرون. والحال أن مسؤولية تنمية المجتمع لا تقع على عاتق السياسي فحسب، بل يشترك في حملها مكونات أخرى، على رأسها المكون الثقافي.

من ينظر مليا في واقع المجتمعات العربية لا يفوته الانتباه إلى وجود حالة من التنافر بين السياسي والثقافي، تنافر غالبا ما ينتج عنه تعطيل واضح لدور الثقافة في تنمية المجتمع. لا شك أن لشمولية العقل السياسي دور لا يستهان به في هذا التعطيل. غير أن للثقافة كذلك دورا كبيرا سواء في تحديد طبيعة العقل السياسي من جهة، أو في تحريك دواليب التنمية من جهة أخرى. ويخيل إلينا أن هذا الدور لا ينال حظه من النقد والتمحيص والتحليل، وذلك لأسباب كثيرة، منها غلبة النزوع نحو التحليل السياسي وسهولة إتيانه، مقارنة مع ما يمكن أن نصطلح عليه بـ« التحليل الثقافي » ( Cultural analysis ). الواقع أن المجتمعات العربية في أمس الحاجة اليوم إلى أن تُعرض على أخصائيين في التحليل الثقافي، تماما كما يعرض من يعاني من اضطرابات نفسية على أخصائي في التحليل النفسي.

يفترض في التحليل الثقافي أن يفضي إلى الوقوف عند أنواع السلوك المسؤولة عن جمود المجتمع وخمول أفراده، قبل تعيين السلوك الثقافي الإيجابي المسعف في تحريك هذا المجتمع باتجاه الإبداع والتطور. ومن حسنات هذا التحليل أنه كفيل بأن يجنب الثقافة العربية والإسلامية عموما السقوط في متاهات فكر شمولي—هو في أصله الوجه الآخر للشمولية والاستبداد السياسيين—فكر يحجر على عقل الإنسان ليوهمه بإمكانية بلوغ نظرية جامعة مانعة، تحدد بدقة أسباب تخلف المجتمعات العربية الإسلامية وتعين سبل نهوضها. ومن آفات هذا الفكر أنه يرهن الفعل الحضاري باكتمال النظر في اللغة والنصوص والتاريخ، وأصحابه يجهلون أن ما يمارسونه في واقع الأمر هو قراءة بعدية فيما حدث ويحدث، أو عبارة عن وصل النقاط بعضها ببعض ( To connect the dots ) كما يقول الأنجلوساكسونيون.

كما أن من حسنات التحليل الثقافي أن أصحابه، مثلهم مثل أصحاب التحليل النفسي، يصدرون عن قناعة مفادها أن الحالة الثقافية الموضوعة تحت مجهر الدراسة قابلة للتغير والخروج من حالة مرضية إلى حالة صحية، من وضع سيء إلى وضع أفضل. فالقول بسوء السلوك الثقافي وعجزه عن مواكبة مطلب التطوير في العالم العربي الإسلامي لا يفيد البتة القول بأن التخلف جوهر ثقافي ملازم لهذا العالم. كل الثقافات، كما يوضح ذلك « هانس روزلين » ( Hans Rosling ) في كتابه Factfulness عن المعرفة المرتبطة بالمعطيات الحقيقية—عوض المعرفة المجردة عن الواقع—تتحرك ولا يجوز إلصاق تهمة الجمود بثقافة دون أخرى. فصدر الثقافة السويدية مثلا، لم يكن قبل ثلاثين سنة يتسع لما يتسع له اليوم من حديث عن الحريات؛ فـ « روزلين » يتذكر كيف كان من قبيل المحرمات ذكر كثير من الأمور في حضرة جَدِّه، أمور أصبحت طبيعية بحيث لم يعد ذكرها يثير أي ردة فعل لدى الأجيال الجديدة.

نتخلص بعد هذا التقديم، الذي نراه ضروريا من الناحية المنهجية، إلى تحليل بعض التفاصيل والجزئيات المسعفة في فهم

الظواهر الثقافية ودورها في عرقلة التنمية داخل الوطن العربي والإسلامي تحديدا. وأستأذن القارئ في أن أبدأ بتحليل عبارة طالما استوقفتني ــ كما لا شك أنها تستوقف الكثيرين في الوطن العربي ــ وهي حمالة لدلالات كثيرة أرجو أن نتوفق في إبراز بعضها. هذه العبارة تتكرر مكتوبة على حيطان القرى والمدن، وهي: « ممنوع البول ورمي الأزبال. النظافة من الإيمان والوسخ من الشيطان ». فمن دلالاتها الواضحة أننا أمام ظاهرة غريبة من ظواهر العجز عن الحفاظ على نظافة الأماكن العمومية، فضلا عما توحي به من افتقار للحس والذوق الجماليين.

إلا أن ما يستوقف عقل المتأمل في هذه العبارة أكثر هو جوهرها الدال على أمرين اثنين معا: على حالة من حالات العجز، أولا ــ هنا العجز عن الاعتناء بالفضاء العمومي ــ؛ ثم على حالة من حالات استدعاء المطلق، ثانيا ــ هنا المطلق الديني. إن المرء ليعجب كيف آلت الأمور إلى حد جعل المجتمع عنده يستدعي خطابا دينيا مطلقا، كي يحافظ على نظافة مكان عمومي وجماليته، خصوصا إذا كان هذا المكان من الأمكنة التي عُرفت أيام الاستعمار بجمالها الأخاذ وبأشجارها الباسقة وأزهارها المتفتحة. إنه لمن المثير للشفقة أن نضطر إلى استدعاء « الإيمان »  و « الشيطان » وما شابه، كي يُبلِّغنا ما تحقق بشكل طبيعي ويتحقق في واقع الآخرين، سواء ممن سبقونا إلى المكان أو ممن يعيشون في أمكنة أخرى.

حالة هذه العبارة تُجلي لنا نمطا سائدا في واقع المجتمعات العربية. فهذه المجتمعات تتأرجح بين العجز عن إتيان الأشياء الصغيرة، من ناحية؛ وبين استدعاء أنواع من المطلق، سواء أكان مطلقا دينيا أو إيديولوجيا أو ما شابه، من ناحية أخرى. يمكننا القول، بعبارة أخرى، بأننا إزاء حالة ثقافية يقترن فيها الجمود والركود والشلل بالتضخم الإيديولوجي. وهي حالة تُعزى في ظننا إلى عجز المؤسسات التعليمية التربوية والدينية الأخلاقية والإعلامية الفنية والسياسية التشريعية والمدنية الجمعوية عن الاضطلاع بدورها التثقيفي، أي الانتقال بالمجتمع من وضع ثقافي إلى وضع ثقافي أفضل. لو أخذنا نظافة الفضاء العمومي مثلا، سنجد بأن بعض القرويين، حديثي العهد بالمدينة، قد لا يرون في التبول أو التغوط وراء الحائط ما يخدش إيمانهم، كما قد لا يرون في إلقاء روث الشياه بالقرب من منازلهم عملا من أعمال الشيطان. فحالتهم الثقافية قد تمنعهم من فهم معنى النظافة على الوجه الذي يفهمه ساكن المدينة. ولذلك فإن تحديد معنى النظافة وتنزيله في الواقع، مثلا، هو مناط تربية على سلوك يومي، تتولى أمرها المؤسسات المذكورة.

 

جوهر المشكلة هو أن عناية هذه المؤسسات مصروفة إلى إثبات شرعية المطلق الذي تصدر عنه، أهو تراثي ديني أصيل، أم حداثي علماني دخيل، أكثر من انصرافها إلى التثقيف العملي للمجتمع. وهذا الأمر مرده إلى الحاجة إلى تحصيل السلطة الإيديولوجية السياسية في سياق مجتمعات أصبحت تتنازعها ثقافتان: ثقافة تقليدية وأخرى معاصرة. أخذت السلطة السياسية في مجتمع ما بعد الاستعمار مسؤولية التوفيق بين الثقافتين على عاتقها. وقد كانت لهذا الأمر محاسن لا يمكن إنكارها. غير أنه كانت لهذا الأمر كذلك مساوئ لا يمكن إغفالها، منها أن هذا التوفيق ظل أمرا إيديولوجيا تقوم عليه شرعية السلطة السياسية فحسب، ولم يصبح بدوره ثقافة المجتمع. ولعل هذا ما أفضى إلى فضاءات عمومية تتجاور فيها مظاهر تخلف تُشعر المرء وكأنه في القرون الوسطى، ومظاهر تقدم تشعره وكأنه في أكثر بلدان العالم معاصرة. يكفي أن تلتقط صورة لسيارة مرسيديس من أفخم السيارات وأحدثها، بجانب عربة خشبية مهترئة يجرها حمار، في حي وسط مدينة عربية حديثة، كي تفهم بأن المجتمع قد أصبح فاقدا للحس الثقافي الذي يسعفه في تجسير الهوة بين الحديث والقديم، أو بين المتقدم والمتخلف. قد يخيل إليك أن سائق المرسيدس وسائق الحمار يتقاسمان الفضاء العمومي، والواقع أنهما يتنازعانه، أو يمرون منه مرور الكرام، كل واحد منهما ينتظر أن يقضي حاجته كي يهرع إلى فضائه الخاص.

لقد راهنت مجتمعات ما بعد الاستعمار على السلطة السياسية أن تؤلف بين الثقافتين المتنافرتين، غير أنها أصبحت مع مرور الزمن تكتشف أن الأمور تؤول إلى إفقار ثقافي ممنهج، من تبعاته الجمود الحضاري المقترن بالتضخم الإيديولوجي. ولقد أصبح مؤكدا لدى المتأمل في واقع العالم العربي المعاصر أن مظاهر التقدم والرقي والرخاء والتطور والتحديث والتنمية ما هي إلا صور تخفي حقيقة التخلف والانحطاط والفقر والتدهور والتقليد. ولقد بلغ التنافر بين الصورة والحقيقة درجة أصبح عندها ينذر بعواقب وخيمة، حتى أنه أصبح من الصعب تصور حل سياسي لمعضلات التنمية في الوطن العربي.

أصبح من المؤكد أن عهد القابلية لحكم المجتمعات العربية والإسلامية اعتمادا على ورقة التوفيق الإيديولوجية بين الثقافتين الأصيلة والدخيلة قد انتهى. ولعل ما عجل بنهاية هذا العهد هو وسائل التواصل الجديدة التي أصبحت تمد الشعوب بوسائل الانفتاح على الثقافات الأخرى والنظر في كيفية الاقتباس منها والتفاعل معها. إن هذه الوسائل وضعت حدا للتضخم الإيديولوجي الذي ساهم في إخصاء ووأد الثقافة العربية وشل حركتها إلى درجة أن أبسط الإنجازات الحضارية، من قبيل تشييد بناية صغيرة، صار يقتضي أطنانا من البلاغة الخاوية. لم يعد الحكم على الأشياء مثل التقدم والتطور والتنمية والحقوق وما إلى غيرها، يتم بمقاييس إيديولوجية يمينية أو يسارية، إسلامية أو حداثية، بل صارت هذه الأمور تقاس بمقاييس الواقع المنظور. وهذا ما قد يبعث الحياة في الثقافة العربية من جديد ويشحذ الهمم نحو النهوض.

لم يعد للسلطة السياسية في سياق « ما بعد ما بعد الاستعمار » في الوطن العربي من خيار سوى دعم الشعوب في سعيها لإنعاش حياتها الثقافية؛ وإن لم تفعل ــ وكثير منها لن يستطيع أن يفعل، لفوات الآوان ــ فستصبح الثقافة العربية الإسلامية لقمة مستساغة في يد سوق ليبرالية همها الربح المادي فحسب. وليس للسلطة السياسية من خيار في هذا المسعى سوى أن تتوسل بالتربية والتعليم، وأن تجعلهما في مقدمة أولوياتها. وهذا الأمر يقتضي من جملة ما يقتضيه مفهوما جديدا ينآى بالمدرسة والمنظومة التربوية والتعليمية عن المقولات التي ارتكزت عليها في مرحلة ما بعد الاستعمار، حتى تتمكن الأجيال الجديدة من أسباب الحركة والفعل الثقافيين في بيئة كونية منفتحة. هنا تكمن الفرصة، لكن هنا كذلك يكمن التحدي. فالأمر بقدر ما يبدو مطلوبا قابلا للتحقق، يبدو كذلك مطلوبا لا يلحق.

لن يجدي السلطة السياسية في المجتمعات العربية نفعا التفكير في استيراد نموذج للتنمية أو تنمية المجتمع من فوق، بعيدا عن واقع المجتمع الثقافي. ذلك أن تنمية المجتمع هي « صناعة » و « صيانة » في نفس الآن. قد نشتري المصنع الألماني جاهزا، من ألفه إلى يائه؛ وقد نعمل على استنبات نظام التدريس السويسري، أو استنبات النظام الديموقراطي الكندي؛ فهذه الأمور قد أصبحت متاحة، تدخل في عداد ما يمكن أن يباع ويشترى في السوق العالمية؛ لكن ما لا يمكن الظفر به بسهولة هو جاهزية المجتمع الثقافية اللازمة لصيانة هذا المصنع أو ذاك النظام المدرسي أو السياسي. فمن الخطأ تصور التنمية كمحطة نهائية، يبلغها المجتمع ليرتاح؛ ذلك أن صيانة التنمية قد تتطلب من الجهد والمشقة ما لم يتطلبه صناعتها. ولعله من الضروري القطع مع التصورات الخاطئة التي استقرت في اللاوعي الجمعي الثقافي العربي والتي تكون التنمية بموجبها هي مرحلة قطف الثمار. بل التنمية هي بداية العمل. وهذا ما يجب على المؤسسات المسؤولة عن تثقيف المجتمع تمريره كفكرة إلى الأجيال الجديدة وترسيخه كسلوك لديهم.

وهنا أستسمح القارئ في الانتقال إلى الحديث عن أمور تجلي كيف ينظر غيرنا إلى ثقافتنا؛ فجزء من تجديد الوعي بذواتنا الثقافية قد يكون مأتاه من الانفتاح على آراء الآخرين. أذكر أن شخصا ألمانيا حل ضيفا عندي، بادرني بسؤال حول ظاهرة استرعت انتباهه وهو يطل من شرفة منزلنا على الشارع. لقد لاحظ كيف يقضي صاحب دكان يومه جالسا فوق صندوق وهو يحملق في كل اتجاه، ينتظر مجيء زبون من وقت لآخر، فأراد أن يعرف « لماذا لا يأخذ كتابا، أو يقوم بعمل يدوي، كالخياطة أو النسيج أو غزل الصوف، أو شيئا يملأ به الفراغ، ويشغل به أوقات الانتظار الطويلة؟ ». بعد تفكير في الموضوع أدركت أن ما استعصى على ضيفي الألماني فهمه هو في واقع الأمر سلوك ثقافي عام، يعكس علاقة قائمة مع العمل والمتعة، أو الوظيفة والراحة.

لقد استقر في لا وعينا العربي الثقافي أن الحصول على العمل أو الوظيفة هو تتويج يستتبع الاسترخاء والراحة، على عكس غيرنا من الشعوب ممن لهم سلوك ثقافي آخر، يرون بموجبه أن العمل أو الوظيفة هما في حقيقة الأمر فرصة متاحة تسمح بتفتق مهارات الإنسان وتنميتها. ولعل من الأدلة الكبيرة على هذا الادعاء تفصيل صغير، نكاد لا نلتفت إليه، ألا وهو التفصيل المتمثل في تلك الأجراس الصغيرة التي، كما نراها في أفلام الغربيين أو نعاينها في واقعهم، توضع فوق أبواب الدكاكين لتنبه أربابها على دخول الزبائن.  إن لهذه الأجراس الصغيرة وظيفة ثقافية وحضارية عظيمة؛ فهي تدل على سلوك ثقافي متأصل، يملي على صاحب الدكان التركيز والعمل والانشغال، حتى إذا جاء الزبون، دله على مجيئه رنين الجرس، فانقطع عن تركيزه وشغله ليستقبله.

من أفدح الأخطاء ربط الحديث عن التنمية في الوطن العربي الإسلامي بإحداث فرص الشغل والعمل. صحيح أن خلق فرص الشغل أصبح ضرورة ملحة لشراء السلم الاجتماعي في مجتمع التفاوتات الطبقية المهولة، ولتنفيس الأجواء وتفريج الأوضاع التي تنذر بالانفجار؛ لكن توفير فرص الشغل لا يعني بأي وجه من الوجوه تأهيل المجتمع لمرحلة التنمية، بل قد يزيده تخلفا وجمودا، خصوصا مع الافتقار إلى التوازن بين طبيعة التكوين ومقتضيات العمل، أو في بيئة ثقافية يسود فيها سلوك غير ملائم لجعل العمل يصب في تنمية الفرد والمجتمع.

لا يختلف هذا في شيء عن القول بأن بناء المستشفى ليس بالضرورة مؤشرا على التنمية أو خطوة في اتجاه تحسين حالة المجتمع الصحية. يحكي « روزلين »، انطلاقا من معاينة للواقع الإفريقي، عن حالات يكون فيها عدم بناء المستشفى  أفضل من بنائه. يكفي إجراء عملية حسابية بسيطة ليفهم المرء أن مستشفى يستقبل ألف مريض يوميا، ولا يقوى على معالجة أكثر من مائة حالة، هو فكرة سيئة، يكون أفضل منها بكثير صرف الأموال في تربية المحيط على السلوكات الثقافية التي تجنب المجتمع مسببات المرض؛ فلعل موت عدد قليل من المرضى خارج المستشفى، مع وجود تربية على الوقاية، خير من انعدام هذه التربية مع وجود مستشفى يتحول إلى مستودع للجثث.

نستخلص مما سبق ذكره أن المحيط الذي يُنتج المرض ليس في حاجة إلى مستشفى، بل هو، من باب أولى، في حاجة إلى تربية على سلوك يجنب الوقوع في المرض. ومثل هذا أن المجتمع الذي يُنتج التخلف تكون حاجته إلى الحديث عن التنمية أقل من حاجته إلى سلوك ثقافي يوقف صناعة التخلف. وبإيقاف صناعة التخلف ترتفع جاهزية المجتمع الثقافية وتكبر قابليته لحمل التنمية. من يتأمل واقع المجتمعات العربية تحديدا يجد أن الذي ينقصها ليس نماذج للتنمية، بل القطع مع جملة من الموروثات الثقافية التي لا تؤهلها لصيانة هذه النماذج.

الحق أن الأمر ليس بالهين، فقد راكمت هذه المجتمعات من التخلف ما يجعل المتأمل ييأس من الطمع في تنميتها. فالأمر قد أصبح غاية في التعقيد، في ظروف عالمية صعبة تقلص معها هامش المناورة ومساحة التجريب. ومع صعوبة الوضع وتعقده يبدو لنا العالم العربي، مع درجات الاختلاف بين دوله، في حالة ضياع عاجزا عن إيقاف تصدع البنى السياسية والثقافية المنتجة للمعنى الذي يعين للأجساد وجهة الفعل التنموي. ومع هذا كله، يظل أمام الأنظمة التي لم يلحقها الانهيار هامش صغير للمساهمة في تأهيل مجتمعاتها للخروج من التخلف.

لا مطمع في تأهيل المجتمع لصيانة أي نموذج للتنمية دون التسليم بالأمر التالي: أن التنمية أعقد من أن تناط بسلطة سياسية، مهما كانت عبقريتها؛ وأن سلوك المجتمع الثقافي هو القمين بصناعة التنمية وصيانتها. وعليه فكل سلطة سياسية تتوفر لديها الإرادة لتنمية المجتمع لا بد وأن تحرص أشد الحرص على تقوية مؤسسات التثقيف وتعزز دورها في الارتقاء بسلوك الأفراد الثقافي إلى درجة أعلى. ولا مناص في هذا الباب من الاعتناء بالتربية أكثر من الاعتناء بشيء آخر. ومعنى التربية هنا قد لا يتحقق دون فتح ورش مجتمعي كبير، يستهدف تأهيل الأطفال قبل سن التمدرس لسلوك ثقافي معين، تحدد معالمه الكبرى بعيدا عن تضخم المطلق الإيديولوجي، كما يستهدف تأهيل جحافل الأميين للمساهمة في التربية، ويعزز وعي المربين بدورهم في التثقيف.

في الختام، لا بد من الإقرار بأن للسلطة السياسية في المجتمعات العربية اليوم عذرا في أن لا تلتفت للتنظير حول التنمية، وذلك لأنها تفكر تحت ضغط الزمن السياسي والإكراهات اليومية في حلول عملية لمعضلات مؤرقة، مثل البطالة المستفحلة التي جعلت مفهوم التنمية ينحصر في « فرص الشغل » فقط. ومع هذا الإقرار لا بد من الإصرار على حقيقة ما قيل قبل ما يقرب من عشرين سنة من كلام اعتبر حينها « فلسفة خاوية »، مفاده أن « التنمية مطلوب لا يلحق ». أظل عند هذا الرأي، ولو أني أقيد العبارة بأداة استثناء فأقول: « التنمية مطلوب لا يلحق…إلا إذا تم الاعتناء بتربية المجتمع ». وألح في هذا السياق على ضرورة التمييز بين صناعة النموذج التنموي وقدرة الثقافة على صيانته. كما ألح على أن المرحلة ليست مرحلة التفكير في التنمية، بل مرحلة التفكير في تأهيل سلوك المجتمع الثقافي للارتقاء به إلى مرتبة القابلية للتنمية.

 *كاتب وباحث

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.
    يونس العمراني
    06/09/2019
    22:33
    التعليق :

    من المعلوم، أن الحضارة (Civilisation) لها شقان: شق مادي يتمثل في التكنولوجيا والعمارة والتقنيات، وشق معنوي يتمثل في الثقافة بتجلياتها الإبداعية والأدبية والفنية والنقدية. ومن ثم، تعد الثقافة من أهم العوامل الأساسية التي تحقق التنمية المستدامة أو التنمية المحلية. فلم تعد التنمية الاقتصادية هي التنمية الوحيدة التي تشبع رغبات الإنسان، وتسعده ماديا وعضويا، بل الإنسان في حاجة إلى إشباع رغبات أخرى أكثر أهمية من تلك الرغبات المادية والغريزية، مثل: الرغبات العقلية، والرغبات الأدبية والفنية، والرغبات الروحانية والنفسية. وهذا ما توفره الثقافة للإنسان، باعتبارها ثقافة لامادية قائمة على الإبداع والفن والدين والفكر والفلسفة والعادات والتقاليد والطقوس والأعراف. ويعني هذا أن الثقافة هي كل الإنتاجات المعنوية التي تساهم في تنمية الإنسان عقليا وذهنيا ووجدانيا ومهاريا. وبالتالي، فهي أس التنمية البشرية المستدامة إلى جانب الأبعاد الأخرى، مثل: البعد الاقتصادي، والبعد الاجتماعي، والبعد البيئي.
    إذاً، ما الثقافة؟ وما التنمية؟ وما علاقة الثقافة بالتنمية البشرية المستدامة؟ وما مجمل الآليات الإجرائية لتحقيق التنمية الثقافية؟ تلكم هي أهم الأسئلة التي سوف نحاول الإجابة عنها في موضوعنا هذا.

     مفهــــوم الثقافــــة:

    من المعروف أن الحضارة (Civilisation) هي نتاج بشري مرتبط بالجهد الإنساني، والعمل الدؤوب، والزمن التاريخي. وتنقسم إلى شقين: الشق المادي الذي يتمثل في التكنولوجيا(Technologie)، وهي كل ما أنتجه الإنسان ماديا وعمرانيا وتقنيا وآليا لإسعاد البشرية.أما الشق الثاني من الحضارة، فيتمثل فيما هو معنوي وروحي وقيمي، وهو الثقافة (Culture). ويقصد بها كل ما أنتجه الإنسان من فكر وإبداع وفن ودين وعادات وتقاليد وأعراف وطقوس، وما خلفه من تراث وآثار مادية ومعنوية ومنقولة وعالمية…

    وعليه، فالثقافة هي كل ما يتعلق بالعلوم والفنون والآداب والمعتقدات والصناعات التقنية والأديان. وبتعبير آخر، الثقافة هي هذه” المجموعة المعقدة التي تشمل المعارف والمعتقدات والفن والقانون والأخلاق والتقاليد وكل القابليات والتطبيقات الأخرى التي يكتسبها الإنسان كعضو في مجتمع ما” .

    ويعني هذا أن الثقافة تشمل المعطيات الفكرية والعاطفية والمادية. وقد عرفها أنور عبد الملك بأنها” كل ما يصور تجارب الإنسان شعرا، ونثرا، ولونا، ونغمة، وشكلا، وصورة. كل تعبير- أيا كان شكله، ونمطه، وهدفه، وأصالته، ونوعيته. كل ما من شأنه أن يخرج أحوال الناس من برجها الذاتي… إلى ساحة الإدراك…والتذوق والفاعلية”.

    وإذا كانت الشعوب البدائية تعرف بالاحتكام إلى الطبيعة وسننها وقوى الأسطورة أو الميتوس، فإن الشعوب المتحضرة تحتكم إلى الثقافة واللوغوس. أما كلمة المثاقفة ( Acculturation)، فهي عملية انصهار الحضارات، وتبادل المعارف والثقافات بين الشعوب، من خلال الاحتكاك الثقافي، والترجمة، والاطلاع على أراء الآخرين. كما أن المثقف هو الشخص الذي يمارس العمل الذهني والتفكير، وينتج الآداب والعلوم والفنون، و يخترع التكنولوجيا. ويعرف المثقف بأنه ذلك الشخص الذي ينتج كل الدوال اللفظية والبصرية، من شعراء، وناثرين، وكتاب، وموسيقيين، وفلاسفة، وتشكيليين، وسينمائيين، ومسرحيين… وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على مدى تعدد فروع الثقافة، وكثرة أقطابها ومسالكها، وتعدد مزاوليها من البشر.

    ويمكن أن نميز مع أنور عبد الملك بين المثقفين (بفتح القاف) والمثقفين(بكسر القاف). فالفئة الأولى من المثقفين هم المتعلمون العاديون الذي يشتغلون بكل ماهو ذهني، ابتداء من المربي والقارئ العادي إلى المرؤوس والمنفذ. أي: كل من يعرف القراءة والكتابة؛ لكن غير قادر على قيادة المجتمع، وتنويره ثقافيا؛ بسبب عجز هذا المثقف عن الإبداع والإنتاج الفكري. أما الفئة الثانية، فالمقصود بها”الذين يشتغلون في أعمال تسعى لنشر الثقافة بين الجماهير الواسعة من الناس..أو إلى تكوين فئة المثقفين العاديين”

    هذا، وتتمثل منابع الثقافة عند المثقف المتنور في المصدر الطبيعي، من خلال استغلال الطبيعة واستثمارها، والصراع معها جدليا للتحكم فيها مخافة من رعبها، واتقاء كوارثها الخطيرة التي تهدد حياة الإنسان وبقاءه. و لا يقتصر هذا الصراع على ما هو طبيعي فقط، بل يتعداه إلى الصراع الداخلي، والصراع مع الأفراد من بني مجتمعه، والصراع مع مقابله الجنسي الذي يتمثل في المرأة، ناهيك عن الصراع الاجتماعي والصراع الطبقي. والهدف من الثقافة هو تحقيق المتعة الوجدانية والمنفعة المادية. أي: يعبر المثقف عن نقص شعوري ولاشعوري. ويعبر أيضا عن حرمان على مستوى تحقيق الرغبات والنزوات والإشباع المادي. ومن ثم، فالثقافة تعويض عن النقص والحرمان والكبت. وتستلزم الثقافة، إلى جانب المتعة والمنفعة، ثنائيات أخرى كاللعب والعمل، والشكل والمضمون، والعقل والعاطفة. ويقول بوعلي ياسين:” إن المثقف الأديب أو الفنان لايقدم مضمونا أو شكلا، بل يقدم نفعا و/أو إمتاعا. ولايمكن أن يكون هناك عمل فني دون مضمون تثقيفي أو إمتاعي. إنما الخلاف على الأولوية بين المضمون والشكل. لولا وجود الصراع الطبقي، أي لو لم يكن الاستغلال والاضطهاد من مكونات مجتمعنا، لما اختلفنا مع أحد حول أن الشكل هو المقياس الوحيد في النقد الفني أو الأدبي، والأصح أن نقول: لولا الصراع الطبقي، لما كان ثمة فرق بين المضمون والشكل، ولكانت مقاييس الجمال في جوهرها واحدة في تقييم الأعمال الفنية لدى كل مجتمع أو لدى كل جماعة بشرية في مرحلة زمنية معينة”.
    ويختلف المثقف الاحترافي الفردي المتخصص أو الموسوعي عن المثقف الشعبي الذي يبدو فاعلا جماعيا، يعتمد على الذاكرة الجماعية، و يحمل في جعبته هموم الطبقة الكادحة، ويعبر عنها بطريقة عفوية ساذجة، أو ثورية، أو يذعن في تعبيره لسلطة الفئة الحاكمة خوفا وتذللا وتزلفا. ومن سمات هذه الثقافة الرواية الجماعية، والذاكرة، والعراقة، والواقعية، والشفوية، وعدم التدوين.

     مفهــــوم التنميـــة:

    تتجمع دلالات التنمية اللغوية في الزيادة والوفرة والتكثير والنماء. أما اصطلاحا، فتعني التنمية تحقيق أحسن الظروف الإنسانية للفرد داخل المجتمع. ومن يتأمل دلالات مصطلح التنمية (Développement)، فسيلاحظ أنه مفهوم اقتصادي محض، قبل أن يكون مفهوما سياسيا أو اجتماعيا أو فكريا أو ثقافيا. ومن ثم، فمن الصعب تعريف التنمية تعريفا دقيقا؛ نظرا لتعدد مفاهيمه، واختلاف دلالاته من دارس إلى آخر، حسب قناعاته وتوجهاته السياسية والاقتصادية والفكرية. علاوة على ذلك،”يشكل مفهوم التنمية ما يسمى بالسهل الممتنع أمام الباحثين والمهتمين بقضايا التنمية، حيث تتعدد التعريفات بتعدد الاتجاهات والرؤى النظرية. وقد اختلف المفكرون الاجتماعيون أنفسهم حول تحديد مفهوم التنمية، وصعب عليهم الاتفاق على تعريف شامل لها. وعلى الرغم من أهمية ما طرح من تعريفات؛ إلا أنها لم تحل غموض المفهوم. ومن هنا، كانت أهمية التفكير في مفهوم التنمية بالصورة التي تمكننا من حصر دلالاته، لنتمكن من إدراك جيد لما تطلق عليه التنمية، يمكن في ضوئها وضع إستراتيجية تنموية لها صلاحية الاستمرارية، والتعبير عن احتياجات مجتمعنا العربي في إطار المتغيرات الدولية، وتجاوز مخلفات الاستعمار، واستبدالها بمعطيات جديدة.”

    هذا، وقد اقترنت التنمية، في العقود الأولى من القرن العشرين، بطرد المستعمر من البلدان العربية، وتحقيق الاستقلال والسيادة. وبعد الاستقلال، أصبحت التنمية هي تحقيق الاكتفاء الذاتي اقتصاديا، وتنظيم الإدارة، والاهتمام بالتعليم، وتشييد لبنات الإعلام، والقضاء على الأمية والأمراض والأوبئة، وإرساء دواليب الثقافة الاجتماعية. علاوة على ذلك، أصبحت التنمية مرتبطة بتطوير التعليم، وتأهيل البحث العلمي، والحصول على المعلومات والتكنولوجيا المعاصرة، وتطوير الاقتصاد ضمن التصورات الاشتراكية أو الرأسمالية. ومنذ سنوات التسعين من القرن العشرين، ارتبطت التنمية بالعولمة من جهة، وبالثورة الرقمية والتكنولوجية من جهة أخرى. وأصبح التنافس العلمي والتقني سيد الموقف، وأساس التنمية المستدامة، والدعامة الأساسية لتحريك الاقتصاد. بل أصبحت التنمية تمتاز بخاصيات التوازن والشمولية والدوام، من خلال الجمع بين الجوانب المادية والجوانب الثقافية.

    وعليه، فالتنمية هي آلية التطور والتقدم والازدهار، وتتخذ مستويات عدة، وتتجلى سياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا. ومن ثم، تهدف التنمية إلى الرفع من المستوى المعيشي للإنسان ماديا ومعنويا وروحيا، بتوفير التعليم اللائق، والصحة الضرورية، والدخل المناسب، وإيجاد العمل الذي يتلاءم وقدرات ذلك الإنسان، ويتناسب مع كفاءاته المعرفية والمهارية، مع مراعاة حقوقه الطبيعية والمكتسبة. و” تمثل التنمية حركة النسق الاجتماعي، بما يحتويه من عوامل اقتصادية وغير اقتصادية بشكل واسع، إلى أعلى أو إلى أحسن، في إطار من العلاقات السببية الدائرية بين مختلف المتغيرات المخططة الداخلة في عملية التنمية.وكأن التنمية بذلك تعني عملية التغيير المقصود، والجهود المنظمة التي تبذل وفق تخطيط مرسوم، بقصد تحقيق مستويات أعلى للدخل ومستويات أفضل للمعيشة.ومن ثمة، تكون التنمية بمثابة إرادة مجتمعية تأخذ بالمجتمع في حالة التخلف إلى حالة من التحول التنموي على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.فالتنمية عملية متعددة الأغراض والجوانب، وتتضمن تغييرات في البناء والقدرة الناتجة عن تعبئة الموارد والإمكانات المتاحة.”

    ومن هنا، فقد ركز تقرير التنمية البشرية لهيئة الأمم المتحدة على ثلاثة مؤشرات للتنمية البشرية، وحصرتها في: العيش حياة طويلة وصحية، والحصول على المعرفة، وتوفر الموارد اللازمة لمستوى معيشي لائق. ولا تقف التنمية عند هذه الحدود الثلاثة، بل تضيف امتيازات أخرى، مثل: الحرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتوافر فرص للإنتاج والإبداع، والاستمتاع باحترام الذات، وضمان حقوق الإنسان. ويعني هذا أن التنمية الحقيقية هي التي تحقق الحرية والعدالة والكرامة للإنسان في مجتمع ديمقراطي مبدع.

    هذا، ولا يمكن تحقيق التنمية من خلال تطبيق وصفات تنموية جاهزة، أو الأخذ بمدإ المقايسة أو المماثلة والمشابهة بتقليد نماذج تنموية معينة، حققت، بشكل من الأشكال، نوعا من التقدم والازدهار. فلكل مجتمع خصوصياته الثقافية، وموارده الاقتصادية الخاصة به. كما تتشابك، في التنمية، المعطيات المادية والمعنوية، وتتداخل فيها العوامل الاقتصادية والدينية. لذا، ينبغي مراعاة مجموعة من الخصائص التي يمتاز بها مجتمع معين، وتقديرها إستراتيجيا أثناء الأخذ بسبل التنمية، والعمل بآلياتها التنفيذية، فلا يمكن استيراد نظريات تنموية جاهزة، بغية تطبيقها بشكل آلي على مجتمعات مختلفة، تتنافى خصوصياتها الحضارية والثقافية مع مبادئ تلك النظريات والتصورات جملة وتفصيلا. والمقصود بكلامنا أنه لابد من الإحاطة ” بالمستوى والبعد التاريخي الذي يتجه المفهوم نحو التعبير عنه، حيث تختلف عملية التنمية من مجتمع لآخر، بل من فترة تاريخية إلى أخرى داخل المجتمع الواحد.

    ويعني ذلك أنه ليس هناك نموذج للتنمية معد سلفا في جملته وتفاصيله، وليس هناك وصفات معينة لعلاج التخلف، بل إن الثابت الآن هو تعدد المداخل التي يمكن الاعتماد عليها لتحقيق التنمية. والاختيار ليس قاصرا، كما يذهب أنصار بعض النظريات التنموية، على نماذج تنموية ثبتت صلاحيتها ونجاحها في ظروف تاريخية، أو محكوما بعوامل إيديولوجية معينة.ويكشف تحليل تجارب التنمية المختلفة، أن هذه التجارب في جملتها محصلة ظروف تاريخية موضوعية محددة خاصة بكل مجتمع، ويصعب أن تكرر هذه الظروف. ويعني ذلك أن النماذج التنموية لا تتمتع بالقدسية. وعلى الدول النامية، ومنها الدول العربية، أن تبني نموذجا خاصا بها يعكس الظروف التاريخية والموضوعية الخاصة بهذه الدول، ويعمل على تحقيق تنمية حقيقية تقوم على الاعتماد على الذات، وتسعى إلى المحافظة على الهوية الذاتية.”

    هذا عن مفهوم التنمية، أما المقصود بالتنمية البشرية المستدامة، فهي تلك السياسة التنموية الشاملة المستمرة والدائمة المبنية على التخطيط المستقبلي، والتدبير الناجع، والمراقبة التقويمية التصحيحية الفعالة. وبالتالي، تراعي التنمية المستدامة أربعة عناصر أساسية لها علاقة بتنمية الفرد أو الإنسان أو المجتمع البشري هي: البعد الاقتصادي، والبعد الاجتماعي، والبعد البيئي، والبعد الثقافي. ولابد أن تتكامل هذه الأبعاد الأربعة جميعها بطريقة جدلية تفاعلية متكاملة، فلا تنمية حقيقية بدون هذه الأبعاد الأربعة؛ لأن الدول المتقدمة التي لها تجارب كبرى في التقدم والتنمية والحداثة، مثل: الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، واليابان، قد أخذت بهذه العناصر الأربعة، وركزت على المعطى الثقافي كثيرا في تطوير الذات الفردية، وتعديل سلوكها، وتغيير تصرفاتها، وتطوير قدراتها المعرفية والذكائية والوجدانية، وصقل مواهب الأفراد عقليا ووجدانيا وحركيا، وتنميتها فنيا وجماليا وروحيا ودينيا وثقافيا وعلميا. ومن ثم، فالبعد الثقافي حاضر في التنمية المستدامة بشكل لافت للانتباه؛ لأنه أساس رقي التعليم، وركيزة التطور والتقدم وتحقيق النهضة الشاملة، وقاطرة المجتمع، ودعامة للرقي الاجتماعي والمادي، وآلية إجرائية للقضاء على الفقر والجوع والبطالة والتخلف. وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي اللبناني جورج قرم:”التنمية البشرية المستدامة نظرية في التنمية الاقتصادية- الاجتماعية، لا الاقتصادية فحسب، تجعل الإنسان منطلقها وغايتها، وتعالج الأبعاد البشرية أو الاجتماعية في التنمية باعتبارها العنصر المسيطر، وتنظر إلى الطاقات المادية باعتبارها شرطا من شروط تحقيق هذه التنمية، دون أن تهمل أهميتها التي لاتنكر.

    إن هدف التنمية البشرية المستدامة ليس مجرد زيادة الإنتاج، بل هو تمكين الناس من توسيع نطاق خياراتهم ليعيشوا حياة أطول وأفضل، وليتجنبوا الأمراض، وليملكوا المفاتيح لمخزون العالم من المعرفة إلى آخر ما هنالك.وهكذا، تصبح التنمية عملية تطوير القدرات لا عملية تعظيم المنفعة أو الرفاهية الاقتصادية كما ينظر إليها اليوم. فالأساس في التنمية البشرية المستدامة ليس الرفاهية المادية فحسب، بل الارتفاع بالمستوى الثقافي للناس بما يسمح لهم أن يعيشوا حياة أكثر امتلاء، ويمارسوا مواهبهم، ويرتقوا بقدراتهم. ويتضح هنا مثلا أن التعليم والثقافة يحققان فوائد معنوية واجتماعية، تتجاوز بكثير فوائدهما الإنتاجية، من احترام الذات إلى القدرة على الاتصال بالآخرين على الارتقاء بالذوق الاستهلاكي.”

    وعليه، تنبني التنمية المستدامة على أربعة عناصر مهمة هي: الإنتاجية الإبداعية في مختلف الميادين والمجالات المادية والمعنوية والروحية، وتطبيق حقوق الإنسان، سيما المساواة بين أفراد المجتمع الواحد، دون تمييز لوني أو ثقافي أو لغوي أو ديني أو عرقي، وتمثل سياسة الاستدامة بأن تكون التنمية غير مقتصرة على الحاضر، بل تمتد إلى المستقبل عبر خطط إستراتيجية قريبة أو متوسطة أو بعيدة، من خلال التفكير في أجيال المستقبل، وإعداد تدبير ناجع مستقبلي، يعتمد على الاكتفاء الذاتي، والتصنيع المحلي، والتنوع الثقافي، والاهتمام بالتنمية الاقتصادية الشاملة، والابتعاد عن الاستدانة الربوية، والتبعية المنتروبولية، واقتصاد الريع، والاستهلاك غير المنتج، وتخريب البيئة وتلويثها. علاوة على تمكين الأفراد والمجتمع المدني من المساهمة الفاعلة في التنمية البشرية المستدامة عن طريق المشاركة والمساهمة الفعلية.

    وهكذا، فالغنى أو الثراء” ليس شرطا لتحقيق الكثير من الأهداف المهمة للأفراد والمجتمعات مثل الديمقراطية أو المساواة بين الجنسين أو تطوير التراث الثقافي والمحافظة عليه. والثروة لاتضمن الاستقرار الاجتماعي أو التماسك السياسي. هذا فضلا عن أن حاجات الإنسان ليست كلها مادية. فالحياة المديدة الآمنة، وتذوق العلم والثقافة، وتوفر الفرص لممارسة النشاطات الخلاقة، وحق المشاركة في تقرير الشؤون العامة، وحق التعبير، والحفاظ على البيئة من أجل الأجيال الحالية والمقبلة، مجرد بعض الأمثلة على حاجات وحقوق غير مادية قد يعتبرها المرء أهم من المزيد من الإنتاج المادي. بالمقابل، فإن التلوث البيئي وارتفاع معدلات الجريمة أو العنف المنزلي أو الأمراض المعدية كالأيدز في الكثير من البلدان لايعقل أن يعوض عنها المزيد من ارتفاع متوسط الدخل الفردي!”

    وعلى العموم، لا تقتصر التنمية البشرية المستدامة على تحقيق الإنتاجية المادية، أو تغيير المجتمع فحسب، بل التنمية المستدامة هي التي تعنى بالإنسان عقلا وجسدا وقلبا ومعتقدا وثقافة وبيئة. بمعنى أن المقاربة الثقافية هي الأساس في كل تنمية بشرية لتغيير المجتمع على جميع الأصعدة والمستويات، وتحقيق تنمية إنتاجية حقيقية ماديا ومعنويا، وتمكينها داخل المجتمع عن طريق إشراك جميع الفاعلين في اقتراح آليات التنمية الحقيقية. وفي هذا الصدد، يقول جورج قرم:” تدور التنمية البشرية المستدامة حول تطوير المقدرة البشرية بسياسات وبرامج اقتصادية واجتماعية ودولية تعزز قدرة الإنسان على تحقيق ذاته.ويرتبط مفهوم التنمية في هذا السياق بتنمية الإنسان من حيث هو هدف ووسيلة، أو بتنمية قدرات الإنسان على سد حاجاته المادية والمعنوية والاجتماعية. وإذ تتركز إستراتيجيات تحقيق التنمية البشرية على إحداث تغييرات في البيئة القانونية والمؤسسية التي يعيش في كفها البشر، يبقى الأساس في ذلك دائما توسيع خيارات الإنسان. وبذلك، يتسع فضاء حريته، وهو ما يتضمن البعد الاقتصادي للتنمية دون أن يقتصر عليها.

    والخلاصة أن التنمية البشرية المستدامة توسيع لقدرة الإنسان على بلوغ أقصى ما يمكن بلوغه من حيث هو فرد أو مجتمع ذو أفراد كثيرة، وذلك بزيادة إمكانياته التي ليست القدرات الاقتصادية إلا مجرد جانب منها.ومن هنا، لابد أن تكون السياسات التنموية بالضرورة متعددة الآفاق، لا اقتصادية فحسب.”
    ويتبين لنا، مما سبق قوله، بأن التنمية البشرية المستدامة هي تنمية شاملة ومتوازنة وكلية وطويلة الأمد، لا يمكن تحقيقها أو التمكن منها إلا بالتخطيط، والتدبير، والعمل، والمراقبة، والتقويم، والتتبع، وإعطاء الأهمية الكبرى للإنسان أو الفرد، مع تحسين أوضاعه المادية والمعنوية والثقافية والحقوقية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

     العلاقـــــة بين الثقافـــة والتنمية:

    هناك ثلاثة تصورات حول علاقة الثقافة بالتنمية. فهناك من يرى بأن الثقافة تعرقل مسيرة تنمية الدول، وتحول دون تقدمها بشكل إيجابي. ومن ثم، تصبح الثقافة عائقا أمام تقدم بعض الشعوب، خاصة إذا كانت العادات والتقاليد والأعراف هي السائدة، وكانت تلك التقاليد تقليدية تؤثر سلبا على التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

    وهناك رأي مناقض يرى بأن الثقافة هي من العوامل الأساسية التي تساهم في تحقيق التنمية المستدامة، وتطوير الاقتصاد بكل قطاعاته، والرفع من الإنتاج الوطني أو القومي. ولابد من مراعاة هذا البعد في مجال التخطيط والتدبير والتقويم. ويعني هذا أن الأولوية تعطى للبعد الثقافي على حساب الأبعاد والمكونات التنموية الأخرى.

    بيد أن هناك رأيا تركيبيا ثالثا يؤمن بجدلية الثقافة والتنمية.أي: لايمكن فصل الثقافة عن التنمية، فكل واحد يكمل الآخر بطريقة بنيوية وعضوية وجدلية.

    هذا، وإذا كانت دول الجنوب قد ركزت، في سنوات الستين من القرن الماضي، على التنمية الاقتصادية لتحسين الأوضاع المجتمعية، فإن هذه الدول، في سنوات السبعين، قد اهتمت بالتغير الاجتماعي. في حين، اعتنت هذه الدول، في سنوات الثمانين، بالمقاربة الثقافية في تنفيذ التنمية البشرية المستدامة، بفضل توجهات اليونسكو التي اعتبرت سنوات الثمانين والتسعينيات فرصة ذهبية للتنمية الثقافية، بناء على التنوع الثقافي واللساني والتراثي، وأعطت أهمية كبرى للثقافة اللامادية في تطوير الشعوب وتنميتها. بيد أن الثقافة قد خضعت لشروط العولمة ومستلزماتها ابتداء من سنوات التسعين من القرن الماضي إلى سنوات الألفية الثالثة.

    هذا، وتتجلى أهمية الثقافة في ارتباطها بالتعليم والإعلام والدين والأدب والفن، وتساهم هذه الآليات كلها في توعية المجتمع ذهنيا ووجدانيا وحركيا، وتطويره سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وتحسين سلوك الأفراد تجاه ذواتهم وأسرهم ومجتمعهم ووطنهم وأمتهم وعالمهم الإنساني، وتغيير تصرفاتهم وممارساتهم وتطبيقاتهم العملية التي قد تؤثر سلبا على التنمية، مثل: تلويث البيئة، وتخريب الآثار، والتبذير الاستهلاكي المتعلق بالمأكل والمشرب والطاقة، والإنفاق المالي المبالغ فيه…وفي الوقت نفسه، قد تدفع الثقافة الأفراد إلى طلب العلم للحد من الأمية، والقضاء على كل تجلياتها، سواء أكانت أمية أبجدية، أم أمية إعلامية، أم أمية لغوية، أم أمية وظيفية، أم غيرها من الأميات السائدة في عالمنا اليوم. كما أن الثقافة سبيل للقضاء على الفقر والجوع والبطالة والجهل والخرافة والشعوذة والهدر المدرسي. وهي كذلك وسيلة للرفع من المستوى الاجتماعي والاقتصادي للأسرة، وتحسين الدخل الفردي، والحصول على فرص الشغل المناسبة، وبناء الأسرة بناء مستقرا سعيدا.

    هذا، وتتضمن الثقافة – اليوم- مجموعة من الخصائص والسمات المميزة لمجتمع أو لمجموعة إثنية ما، سواء أكان ذلك على المستوى المادي أم على المستوى الروحاني أم على المستوى المعنوي. ويعني هذا أن الثقافة هي التي تميز مجتمعا عن مجتمع آخر. والآتي، أنها تشمل الفنون والآداب وحقوق الإنسان وأنظمة القيم والتقاليد والمعتقدات.

    ولاغرو أن نجد المؤسسات الرسمية الدولية أو الوطنية أو الجهوية أو المحلية تنطلق من المقاربة الثقافية في التخطيط للتنمية الشاملة المستدامة على جميع الأصعدة والمستويات؛ نظرا للعلاقة الجدلية الموجودة بين الثقافة والتنمية. بيد أن هناك كثيرا من دول العالم الثالث، بما فيها الدول العربية، ترى بأن المكون الثقافي هو عبء ثقيل على التنمية من النواحي المادية والمالية والسياسية والأمنية، ولا تراهن عليه، بشكل كبير، في تحقيق تقدمها الاقتصادي. لذا، تهمش هذا المكون تهميشا ملحوظا، ولا تبالي به إطلاقا. في المقابل، نجد دولا متقدمة ونامية تعطي الأولوية للثقافة في مجال التنمية الشاملة، بل نتحدث – اليوم- عن سياحة ثقافية، وسياسة ثقافية، واقتصاد ثقافي، ومجتمع ثقافي، وكائن بشري ثقافي.

     آليات المقاربة الثقافية لتحقيق التنمية البشرية المستدامة:

    لا يمكن تحقيق التنمية الثقافية الحقيقية في المجتمع إلا بوجود مجموعة من الآليات المؤسساتية والبنيات المادية والمعنوية التي يمكن حصرها فيما يلي:
     المجتمـــع المـــدني: يعتبر المجتمع المدني من الركائز الأساسية لتحقيق التقدم والازدهار، وتفعيل التنمية البشرية الحقيقية. ويسمى هذا المجتمع بهذا الاسم؛ لأنه يتخذ طابعا اجتماعيا مدنيا وسلميا، كما أنه مستقل عن الدولة والحكومة، وعن كل المؤسسات الرسمية والعسكرية، على الرغم من كونه يتكامل مع المؤسسات الحاكمة تنسيقا واستشارة واقتراحا.
    هذا، ويجسد المجتمع المدني مظهرا من مظاهر الديمقراطية الحديثة التي ترتكز على الحرية، والكرامة، والعدالة، والمساواة، والأخوة، والإيمان بحقوق الإنسان.وبالتالي، لا يمكن للمجتمع المدني أن يشتغل إلا في مجتمع ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان، ويعمل على تثبيتها وتكريسها في جميع المجالات والأصعدة والمستويات. كما أن المجتمع المدني “من حيث المبدأ، نسيج متشابك من العلاقات التي تقوم بين أفراده من جهة، وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى. وهي علاقات تقوم على تبادل المصالح والمنافع والتعاقد والتراضي والتفاهم والاختلاف والحقوق والواجبات والمسؤوليات. ثم، إن هذا النسيج من العلاقات يستدعي، لكي يكون ذا جدوى، أن يتجسد في مؤسسات طوعية اجتماعية واقتصادية وثقافية وحقوقية متعددة”.

    ويعرف المفكر الإيطالي أنطونيو گرامشي المجتمع المدني بأنه” مجموعة من البنى الفوقية مثل: النقابات والأحزاب والمدارس والجمعيات والصحافة والآداب والكنيسة” . ويقابل المجتمع المدني، لدى گرامشي، ما يسمى بالمجتمع الرسمي أو ما يسمى بسلطة الدولة، ويعرفه المفكر الألماني هابرماس بقوله:” المجتمع المدني نسيج من الجمعيات والهيئات الاجتماعية التي تناقش الحلول الممكنة لبعض المشاكل المرتبطة بالمصلحة العامة.”

    أما الدكتور سعد الدين إبراهيم، فيعرفه بأنه” مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح أفرادها، ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام، والتآخي والتسامح والإدارة السليمة للتنوع والخلاف.”

    ومن هنا، فالمجتمع المدني عبارة عن هيئات مدنية حرة ومستقلة، تقوم بأعمال تطوعية اختيارية لصالح الإنسان، بتنسيق مع الدولة، أو في استقلال عنها، من أجل تحقيق التنمية الشاملة.
    وما يهمنا في هذا المجتمع المدني هو ما يقوم به الأفراد، سيما المثقفين منهم، من أدوار ثقافية جبارة وهائلة ومهمة وقيمة، في مختلف الميادين والمجالات والفنون والمعارف والآداب، لتوعية المواطنين ذهنيا ووجدانيا وحركيا، ونشر الثقافة بينهم للقضاء على الأمية والتخلف والجهل والفقر والجوع والبطالة. بمعنى أن الثقافة تؤهل الناس لكي يزاولوا أعمالا إيجابية منتجة وهادفة وبناءة، تكون في خدمة الوطن والأمة والإنسانية جمعاء.

     الجمعيــات الثقافيـــة: لا أحد ينكر أهمية الجمعيات المدنية بمختلف أنواعها (جمعيات ثقافية، وجمعيات رياضية، وجمعيات اجتماعية، وجمعيات سياسية، وجمعيات بيئية، وجمعيات سياحية، وجمعيات نسوية، وجمعيات تربوية وتعليمية…)؛ لما لها من دور ثقافي هام في خدمة التنمية البشرية المستدامة، فهي التي تقوم بتأطير الأفراد تأطيرا مهاريا أو سلوكيا أو عمليا، وتوعيتهم توعية دينية وأخلاقية وسياسية ووطنية وقومية، وتغيير سلوكهم تغييرا إيجابيا، وتكوينهم تكوينا تخصصيا نوعيا، أو تكوينا شاملا وموسوعيا. بل تقوم هذه الجمعيات بدور تثقيفي وتنموي وتوعوي لافت للنظر في إطار مبادرات فردية أو جماعية. كما تساهم هذه الجمعيات في تحقيق الأمن والاستقرار والطمأنينة في البلاد؛ لما تقوم به من مهام علاجية نفسية واجتماعية وإرشادية، بغية توجيه الأطفال والشباب والبالغين نحو المواطنة الصالحة. وقد تكون هذه الجمعيات الثقافية مدعمة أو غير مدعمة، لكن هدفها الوحيد هو توعية المواطن، وتكوينه تكوينا مهاريا مفيدا، وتأطيره سياسيا واجتماعيا وثقافيا وعقديا، وتوجيهه وجهة حسنة.

     البنيـــات التحتيــــة: لا يمكن الحديث عن نهضة ثقافية في بلد ما إلا بتوفير بنيات ثقافية مناسبة ومتعددة ومتنوعة، كأن نشيد مركبات ثقافية ورياضية وفنية وعلمية. علاوة على إيجاد معاهد ومختبرات ومحترفات وورشات ومتاحف ومكتبات وخزانات، فضلا عن بناء قاعات المسرح والسينما، وتشجيع الناس على الإقبال عليها بأعداد كثيرة؛ لأن الثقافة أداة للتوعية والتنوير والتثقيف، ووسيلة لمحاربة الأمية والجهل والتخلف. وتعد الثقافة كذلك، بفنونها وآدابها وعلومها، مسلكا حقيقيا للإفادة والإقناع والإمتاع والتسلية والتثقيف. ولايمكن للتنمية الثقافية أن تحقق نتائجها المثمرة إلا بتشييد المركبات الثقافية الواسعة والرحبة، وإنشاء المعاهد التابعة لها للتعليم والتكوين والتأطير. علاوة على ذلك، لابد من توفير المسارح والمتاحف وقاعات السينما، وقاعات للتدريب والتكوين والتأطير. وينبغي أن تخضع تلك المركبات الثقافية، في هندستها المعمارية، للخصوصية الحضارية هوية وتأصيلا وتأسيسا. بمعنى أن تتلاءم تلك المركبات مع طبيعة المجتمع وحضارته وثقافته وهويته وخصوصياته المحلية والروحية والمعنوية، مع الانفتاح على الحداثة أو ما بعد الحداثة، بشرط الاحتفاظ على الموروث اللامادي الأصيل والفرجات الدرامية والإثنوسينولوجية الخاصة بذلك المجتمع.

     الدعــم المادي والمعنوي: لايمكن للفعل الثقافي أن يعطي ثماره المرجوة إلا بالدعم الحقيقي، وتوفير الإمكانات المادية والمالية. بمعنى أن الثقافة لا يمكن أن تبنى أو يخطط لها آنيا أو مرحليا أو مستقبليا، بغية تحقيق التنمية البشرية المستدامة، في غياب التجهيزات المادية والتقنية والرقمية، أو في ظل غياب الإمكانات المالية. لأن الفعل الثقافي لايمكن أن يتحقق بدون تمويل حقيقي فعال. فلابد من تقديم منح وجوائز وهبات وشهادات تشجيعية أو تقديرية للجمعيات، و الفرق، والنوادي، والأفراد، والمثقفين، و المبدعين، و الفنانين، تشجيعا لهم على العطاء والبذل والإبداع، والاستمرار في عملهم الراقي والسامي.

    ولابد للدولة أو المؤسسات الخاصة أن تدعم، بكل إمكاناتها المتوفرة، ما يقوم على البحث والابتكار والاستكشاف؛ لأن الإبداع هو أساس النهضة الثقافية الحقيقية، ونواة التميز والتفرد عربيا وعالميا. وبتعبير آخر، ينبغي على الدولة أن تشجع، بكل ما أوتيت من إمكانات وطاقات، مختلف الأنشطة الثقافية ماديا وماليا ومعنويا، من أجل أن ينتج هذا الفعل الثقافي، بواسطة الطاقات الإبداعية المتميزة والعبقرية والذكية، نظريات وممارسات متفردة أو جماعية، أو يقدم لنا إنتاجات إبداعية نموذجية وحداثية، لها قصب السبق محليا أو جهويا أو وطنيا أو قوميا أو عالميا.

     المقاربـــة التشاركيــــة: لا يمكن تحقيق التنمية الثقافية إلا بالأخذ بسياسة المقاربة التشاركية. بمعنى أنه من الضروري الانفتاح على الشركاء والفاعلين الداخليين أو الخارجيين، بغية تحصيل الدعم المادي والمالي والمعنوي. ولابد أن تخضع هذه الشراكات لمعطيات تشريعية وقانونية، وألا تتعارض مع أهداف الثقافة من جهة، وأهداف التنمية البشرية المستدامة من جهة أخرى. ومن هنا، نجد دول الجنوب، سيما الدول العربية منها، تبرم شراكات ثقافية مع دول الشمال على أساس التواصل والتعارف و التبادل الثقافي، أو على أساس التحاور والتعايش والتقارب والتسامح.

    ومن باب العلم، فالشراكة داخلية وخارجية، فيمكن للدولة أو المؤسسات ومرافق الدولة أن تدخل في شراكات داخلية مع الجمعيات أو المجتمع المدني لتحقيق التنمية الثقافية الشاملة. كما يمكن للمجتمع المدني أن يدخل في شراكات خارجية، بعد استشارة الدولة، إن أمكن ذلك، لتحقيق التنمية المجتمعية الشاملة والمستمرة، وتمكينها في المجتمع على جميع الأصعدة والمستويات، وفي مختلف الميادين والمجالات وفنون المعرفة.

     تمثل المقاربة الإبداعيــــة: تنبني التنمية الثقافية، في الحقيقة، على الإبداع والابتكار والإنتاج، في جميع المجالات والحقول العلمية والمعرفية والأدبية والفنية. وتستلزم المقاربة الإبداعية أن يكون الإنسان المواطن مبدعا، والمجتمع مبدعا، و تساهم المؤسسات الاجتماعية الصغرى منها أو الكبيرة في تحقيق هذه الفلسفة الإبداعية ؛ باعتبارها واجبا أخلاقيا وإنسانيا ومجتمعيا وقوميا، يلتزم بها الإنسان في حياته اليومية من أجل تحقيق التقدم والتنمية والازدهار. كما تستوجب الفلسفة الإبداعية الاعتماد على النفس أو الذات لبناء التنمية الشاملة أو المستدامة. لأن من “المقومات الأساسية لبناء إستراتيجية جديدة للتنمية مسألة الاعتماد على النفس.وهذا المفهوم تجده شبه مفقود نسبيا في المعنى والتطبيق، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في بيان أصول هذا المفهوم على أساس من التأني والشمولية لكي يضم في حيثياته جوانب الحياة، سواء أكان ذلك على المستوى الفردي أم الإقليمي أم القومي.”
    ويعني هذا أن التنمية الحقيقية أو التنمية الشاملة القائمة على العلم والتكنولوجيا، لا يمكن تحقيقها عن طريق نقل التكنولوجيا أو استيرادها جاهزة من الدول المتقدمة، فلابد من الاعتماد على النفس، وتمثل فلسفة الإبداع والتجديد والابتكار. ولا يتأتى ذلك إلا بالمقاربة الثقافية التي تعمل على توعية المجتمع في شتى نواحي الحياة، وتسعى إلى ترقية مستوى الفكر لدى الشعب، وتربية الذوق الفني، وترقية الإحساس الجمالي في التعامل مع الأشياء والمنتوجات الثقافية والفنية والأدبية والتقنية. بمعنى أن الثقافة هي التي تؤدي، بالمواطن الصالح المنتج، إلى الاهتمام بالعلم والتكنولوجيا. وفي هذا الصدد، يقول الباحث المغربي المهدي المنجرة:”إن مشكلة التقدم التكنولوجي للجهات التي مازالت تشكو من نقص في التنمية لا يمكن حلها جذريا باستيراد التقنيات الأجنبية أو إدخال العلوم التطبيقية الجاهزة- على عجل- بشكل من الأشكال.فلا يمكن للتقدم أن يتحقق بصورة جذرية إلا بالإبداع والدعم، حسب سياق ينمو داخليا في قلب الحقيقة الإنسانية للمجتمعات المعنية من الوجهتين الثقافية والاجتماعية للعلم.
    إن الأمر الأساس الذي يجب التركيز عليه هو أن العلم والتقنية الجديدة كلاهما من المكونات العضوية في الثقافة. وهما لا يصبحان مرتبطين اجتماعيا ومنتجين اقتصاديا إلا إذا تم دمجهما في البيئة الثقافية التي يعملان فيها، وبذلك يصيران ظاهرة ديناميكية تستحث التجديد والإبداع.
    ونفهم من هذا أن أكبر كذبة هي ما يسمى بنقل العلوم والتكنولوجيا، ليس هناك شيء يمكن تسميته بنقل التكنولوجيا، فمجرد استيراد المنتج التكنولوجي، فضلا عن استيراد الفنيين للسهر على تشغيله وصيانته، ليس بحال استيرادا للتكنولوجيا.فما يتم نقله تحت غشاء هذا المصطلح نقل التكنولوجيا هو مجرد مواد عفا عليها الزمن وبأثمنة لا مبرر لها، أما التمكن من التكنولوجيا فهو نتيجة عمل وبحث وإبداع ذاتي، وذلك مسار يستحيل بيعه أو شراؤه، ولا سبيل إلى الوصول إليه إلا باكتساب المعرفة وتنشيط الابتكار.

    إن العلم أو التقنية لا يمكن نقلهما، لأنهما نتاج نسق ثقافي؛ فالقيم الثقافية هي التي تحدد الفكر العلمي والإبداع والابتكار.فالعلم والتكنولوجيا ليسا المحركين الأولين للتغيير الاجتماعي، بل القيم الثقافية هي المحرك الأساس، وهي التي تجعل التغيير ميسورا من خلال تمكين الأفراد من استيعاب العلم والتكنولوجيا.وهذا ما أسميه بانصهار العلم والثقافة.”
    وعليه، لا يمكن الحديث، إطلاقا، عن مقاربة تنموية ثقافية في غياب الإبداع والابتكار والإنتاج والتحديث.

     إرســاء النظــام الديمقـراطي: لا يمكن، بأي حال من الأحوال، تحقيق التنمية الشاملة بصفة عامة، والتنمية الثقافية بصفة خاصة، إلا بتطبيق النظام الديمقراطي العادل الذي ينبني على الحرية، والحق، والعدالة، والإنصاف، والمساواة، وفصل السلط، وتطبيق الشورى، والإيمان بالتناوب السياسي، وتمجيد الكفاءة، وضمان حقوق الإنسان، والعمل بسياسة الحقوق والواجبات، والأخذ بفلسفة الإبداع والابتكار. فالعامل الأساس في نجاح الإبداع والثقافة والتكنولوجيا هو” توفير الإرادة السياسية، وتوفير جو الحرية لأصحاب المواهب العلمية والفنية، وهذا يتطلب بطبيعة الحال احترام الإنسان. ووجود العنصر البشري المتوفر على القدرات الفنية والعلمية العالية شرط ضروري في نجاح العملية الإبداعية، وهذا الشرط متوفر في عالمنا العربي والإسلامي، خاصة إذا علمنا أن كبار المتخصصين في المراكز العلمية والتكنولوجية في العالم الغربي هم عرب مسلمون، ولكن غياب الحقوق والحريات العامة، وغياب احترام الإنسان، كل ذاك حرم العالم المتخلف من الاستفادة من طاقاته الذاتية، وأصبح يعيش حالة نزيف مستمر لأدمغته وذوي القدرات فيه.”

    هذا، ولايمكن أن تتحقق ديمقراطية الثقافة إلا إذا تحققت الديمقراطية الحقيقية في المجتمع. ولا ينبغي أن تكون ديمقراطية الدولة شكلية وسطحية تمس ماهو هامشي وثانوي، وتترك ما هو أساسي وجوهري. أي: إن الديمقراطية الحقيقية هي ديمقراطية عملية، يشارك فيها الرئيس والمرؤوس، ويحتكمان معا إلى لغة الحوار والاختلاف وخطاب الانتخابات النزيهة الشفافة، دون تزوير ولا تزييف ولا تسويف ولا تجويع.

    وعلى الرغم من أهمية الثقافة في تغيير المجتمع وتحديثه وعصرنته، ومساهمتها في تحقيق الديمقراطية، فهي غائبة نسبيا في برامج الأحزاب السياسية لدول العالم الثالث أو بلدان الوطن العربي. لذا، لابد أن تحضر الثقافة أو التنمية الثقافية في البرامج السياسية؛ لأن الثقافة هي أس الحوار والاختلاف والإقناع، بل تسعفنا في ترسيخ ثقافة النقد الذاتي، وتقبل الآخر، والتشبث بقيم الإنسانية بجميع معانيها. ومهما اختلفت رؤانا للأمور، فإن الغاية تظل واحدة، وهي بناء مجتمع حديث مساير للركب الحضاري والتطور التكنولوجي والعلمي.

    0
    0
    عبدالمالك اسماعيلي
    07/09/2019
    17:59
    التعليق :

    تلخيص لواقع مرير أرهقته شعوبه باستعمالها لأزرار التكنولوجيا بعبثية مفرطة، بعثرت أوراق الواقع النظيف الهني المنشود ..
    تحياتي للدكتور حجي..

    0
    0
    عبد الباسط أحمد بلقاضي
    08/09/2019
    20:45
    التعليق :

    انا أقترح دراسة التنمية الاجتماعية والاقتصادية في عهد الأندلس، ربما نقتبس منها طريق أو مفهوم علي سير هذه النهج الديمقراطي…..

    0
    0

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد