لماذا وإلى أين ؟

الواد والمسألة الاجتماعية بالمغرب

ياسين حكان
عدت للتو من إقليم تارودانت، بعد قضاء جزء من عطلتي الصيفية هناك، راودتني أفكار كثيرة حول ما يعيشه هذا الإقليم من تهميش ولا مبالاة غير عادية ربما من طرف أهله أو من طرف المسؤولين كذلك، فهو أكبر إقليم في المغرب من حيث عدد السكان وشساعة المساحة وعدد الجماعات المكونة له (الجماعة هي تنظيم إداري يعمل على تسيير مجال ترابي معين وعدد محدد من السكان في إطار ما يسمى التنظيمات البيروقراطية، فالجماعة إذن تنظيم محلي، ثم يأتي بعده التنظيم الإقليمي كإقليم تارودانت مثلا، ثم التنظيم الجهوي كالجهة، والدولة ككيان أعلى)، وأغلب هذه الجماعات قروية وهي قرابة 89 جماعة، والمفاجأة هي الفيديو الذي تم تداوله من طرف الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي كالفايسبوك والواتساب، يوثق لحادث مأساوي؛ فيضانات فاجعة ملعب “تزيرت” إمي نتيارت دائرة إغرم بإقليم تارودانت، الذي أودى بحياة 7 أشخاص، وهم يمارسون هواياتهم المفضلة؛ لعب كرة القدم في ملعب تم تشييده في واد.

في لحظات بسيطة، انهمرت أمطار قوية وعواصف رعدية أودت بحياة هؤلاء الشباب، وكما هو متداول في الأسطورة، تارودانت تعني الأم التي صرخت وهي تشاهد أبناءها يموتون في النهر، تجرفهم السيول الحادة، بالأمازيغية: “تاروا دان”، أي “الأبناء ذهبوا”.

اليوم، تكررت نفس الأسطورة في صيغة جديدة، وفي صورة مؤلمة، فعندم تلحظ شبابا صاروا ضحية وضع اجتماعي لا يرحم وسياسات تنموية فاشلة، ضحية الفقر والإهمال والمعاناة، هي صورة تراجيدية تسائل المسؤولين في المغرب حول المسألة الاجتماعية لبعض الأسر والشباب في العالم القروي، ألا يحق لهؤلاء الشباب أن يمتلكوا ملاعب القرب مجهزة بأحدث الوسائل اللوجيستيكية تغنيهم عن اللعب في الواد؟ أليس الشباب هم المستقبل، إذن لماذا كل هذا التلاعب والاستهتار بالطاقات الشابة؟ فكل فاجعة وكل حادثة تقع تسائلنا عن المسألة الاجتماعية للأسر والشباب في المناطق النائية بالمغرب، أليس لهؤلاء الشباب الحق في عيش كريم يضمن استقرارهم ويحفظ حقوقهم كحقهم في اللعب؟ وفي ممارسة الرياضة، كأحد أهم النشاطات التي تساعد الشباب على تفريغ طاقاتهم ومكبوتاتهم، ومعلوم أن في المناطق القروية والنائية يجتمع الشباب في مثل هذه المناسبات -بعد عيد الأضحى مثلا- لتنظيم دوريات كرة القدم لتطوير مهاراتهم الرياضية وإمتاع عائلاتهم وأصدقائهم، رغم الصعوبات التي تعترض طريقهم، كضعف التمويل وعدم وجود مساندين كالشركات والجمعيات لمثل هذه التظاهرات الرياضية المحلية، أليس من حق هؤلاء امتلاك ملاعب وفضاءات للعب والترفيه؟

أسئلة كثيرة تراودني، لماذا كل هذا الاستخفاف بطاقات الشباب؟ وجدير بالذكر أن الأمم التي استطاعت تحقيق النجاح الكبير والإنجاز الملموس والتقدم الواضح، هي الأمم التي اهتمت بشبابها، فالشباب عماد كل أمة وأساس كل حضارة، وهو الطاقة الجبارة التي بإمكانها تحقيق المستحيل، مثل هذه الوقائع وغيرها، تذكرنا في كل مرة، أن المواطن في واد، والمسؤولين في واد آخر، لماذا لا يكونون في واد واحد ووحيد؟ ونتحد من أجل تحسين أوضاع شبابنا، ونوفر لهم ما يكفي من الوسائل اللازمة لتحسين وضعيتهم الاجتماعية حتى يكون هؤلاء الشباب قادرين على تحقيق ذواتهم، فالمطلع على هرم ماسلو للإحتياجات الإنسانية، سيكتشف أن في أعلى الهرم: مسألة تحقيق الذات، وفي أدنى الهرم: إشباع الحاجات الفيزيولوجية والضرورية، إذن كيف يمكن لهؤلاء الشباب أن يبدعوا ما لم يشبعوا حاجاتهم الأساسية؟ سؤال جوهري، لابد من الإجابة عنه.

إن أهم ما يمكن القيام به من أجل المسألة الاجتماعية هو أن نهتم بالشباب ونجعله في مركزية اشتغالنا في البرامج المتعلقة بتنمية الإنسان، لأن رهان أي تنمية ناجحة هو بناء الإنسان، إذن فالأهم في أي نموذج تنموي هو مدى استثمار قدرات ومواهب الشباب وتعزيزها في ضوء العدالة المجالية، التي تتوخى تجهيز المناطق النائية وتأهيلها في إطار الجهوية المتقدمة التي تسعى إلى تقريب الخدمات للمواطن وتحقيق تنمية محلية، وهذا ما أشار إليه الملك محمد السادس -نصره الله- في خطابه الأخير، يدعو فيه إلى ضرورة التعجيل ببناء نموذج تنموي جديد مغربي مغربي، سيكون الأمر ممكنا إن راهنا على الشباب واسثتمرنا في إمكانياتهم في سبيل تحقيق تنمية حقيقية ومنحهم المكانة التي يستحقونها من خلال تحسين وضعيتهم الاجتماعية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد