لماذا وإلى أين ؟

ألن تسقط القوانين التي تنبش في الأجهزة التناسلية للمواطنين ؟

المحفوظ الطالب

إن القاعدة القانونية -وكما يعرف كل مَن يتوفر على قليل مِن المعرفة في المجال القانوني- هي بالإضافة إلى أنها عامة ومُجرّدة ومُلزمة.. هي قاعدة اجتماعية، بمعنى أنها تُفرز في مجتمع معين، وفقاً لظروف معينة، وتتماشى معها، وتتغيَّر بتغيُّرها.

ولهذا، فالقواعد القانونية يجب أن تُراجع وتُقوّم وتُجدد باستمرار، حتى لا تُصبح مُتخلفة عن ظروف زمنها، وبل تُلغى إن استوجبت الظروف ذلك، تماما كما أُلغيت الكثير من القواعد التي كانت تحتقر كرامة المرأة في مدونة الأحوال الشخصية، وعوِّضت بقواعد أخرى مع مدونة الأسرة، وإن مازال بعضها يحتاج للإلغاء، كـ”التعويض عن المتعة”…

لن نتحدث هنا عن مدونة الأسرة ونصوصها التي لا تتماشى مع ظروف العصر، ومازالت تحتقر المرأة وتضعُها موْضع “المفعول به”، في خرق سافر للشرعة الدولية وللدُّستور؛ حيث الرجل والمرأة متساويان.

لن نتحدث عنها، رغم أنها تحتاج للمراجعة واسقاط بعض قواعدها، لأننا هنا، سنكتفي فقط بالفصلان 454 و 490 الواردان بـ”مجموعة القانون الجنائي”، باعتبارهما نصّان يُراقبان الأجهزة التناسلية للمواطنين، ويُتيحان النبش فيها بلا استحياء ولا حِشمة !

جاء في الفصل 454 مايلي : “تُعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم، كل امرأة أجهضت نفسها عمدا أو حاولت ذلك أو قبلت أن يُجهضها غيرها أو رضيت باستعمال ما رشدت إليه أو ما أعطي لها لهذا الغرض”.

وهذا النص، وكل النصوص الجنائية المتعلقة بالإجهاض، ليست غريبة ومُتخلِّفة عن الواقع الاجتماعي فحسب، في بلد يعرف حوالي 800 حالة إجهاض سرية يومياً حسب الأرقام التي تتداولها الجمعيات المهتمة بالظاهرة، بل إنها “جريمة” في حق المواطنات؛ أولاً من حيث دفعهن إلى المخاطرة بحياتهن، وثانياً من حيث منعهن عن التصرف في أجسادهن (على الأقل بالنسبة للغير المتزوجات)، وثالثاً من حيث شرعنة استباحة حُرمة أجسادهن عن طريق النبش في “أحشائهن” و “فروجهن” رغماً عنهن، إن كُنّ في مَوْضِع البحث أو التحقيق القضائي.

قبل أيام اعتُقلت “هاجر الريسوني” الصحفية بجريدة “أخبار اليوم”، والتُّهمة حسب الحركة الحقوقية هي “مواقفها وعملها الصحفي”، أما حسب النيابة العامة التي أمرت باعتقالتها من أمام باب لعيادة طبية، فهي الإجهاض، عفواً، بل هي “حرية التصرف في جسدها”.

المشكلة أن التّهمة دفعت بالسلطة القضائية إلى نقل المتَّهمة البريئة إلى المستشفى الجامعي ابن سينا، وأُجريت لها فحوصات في أكثر المناطق خُصوصيةً في الجسد، قيل بدون رضاها، وهذا خرق سافر للفصل الـ24 من الدستور الذي ينص في فقرته الأولى على: “لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة”. أين هذا الحق هنا؟

بل يمكن اعتبار هذا الفحص، بالإضافة إلى أنه اعتداء على الحياة الخاصة وأنه سلوك حاط بالكرامة، شكلاً من أشكال التعذيب، لإنسانة لا حول ولا قوة لها.

وهذا، يعني مخالفة للمادة الـ7 من العهد الدولي الخاص للحقوق المدنية والسياسية، الذي صادق عليه المغرب سنة 1979، والتي تقول: “لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة، وعلى وجه الخصوص، لا يجوز إجراء أية تجربة طبية أو عملية على أحد دون رضاه الحر”.

إذن، ألن يسقط هذا النص؟ ألن يتكتل المواطنون من أجل ذلك، وبالتالي احترام خصوصياتهم مسقبلاً، واعفاء أجهزتهم من التحقيقات القضائية؟

نفس الأمر بالنسبة للفصل 490، الذي يقول: “كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة الزوجية تكون جريمة الفساد ويعاقب عليها بالحبس من شهر إلى سنة”.

فهو أيضا يُراقب المناطق الأكثر خصوصية لدى المواطنون، وقد يُشرعن غدا أو بعد غد، القبض على شخصين راشدين ووضعهما رهن إشارة “النبش” لإثبات جريمة “حريتهما الشخصية”.

إذن، وقبل وقوع هذا، لا بد من الوقوف على هاته النصوص، وكل التي تعتدي على الحرّيات الشخصية للمواطنين، والمطالبة بإلغائها، لأنها تتعارض ومع الشرعة الدولية والدستور، ولأن الواقع تجاوزها، ثم إنها لا تتطلب إلا حياد الدولة وابتعادها عن خصوصيات المواطنين.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد