لماذا وإلى أين ؟

ما مآل الحركات الاحتجاجية في المغرب؟


Warning: A non-numeric value encountered in /home/clients/adfe8833b4daf1f4a81214469c2b051d/web/wp-content/themes/publisher/includes/func-review-rating.php on line 212

Warning: A non-numeric value encountered in /home/clients/adfe8833b4daf1f4a81214469c2b051d/web/wp-content/themes/publisher/includes/func-review-rating.php on line 213

على مدى عقود من الزمن، شهد المغرب بين الفينة والأخرى، العديد من “الثورات والانتفاضات”، التي خلقت رجات على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالبلاد، مما استوجب تدخل السلطة لإخمادها، عبر نهج العديد من المقاربات، كالاستجابة لبعض مطالب المحتجين أو التحاور معهم أو عن طريق سلك حل آخر وهو التدخلات الأمنية واعتقال النشطاء البارزين لإطفاء الزخم الشعبي الذي قد يستمر لمدة أطول.

هذا مشهد تكرر في العديد من المناسبات، ولعل آخرها، ما تابعه العالم إبان قيام حركة 20 فبراير، ومرورا بانبثاق العديد من الحركات الاجتماعية الفئوية الأخرى، كحركات المعطلين، والأساتذة المتدربين، والأساتذة المطالبين بالترقيات، والطلبة الأطباء، واحتجاجات العطش، وانتفاضة ساكنة شمال المغرب ضد ارتفاع فواتير الماء والكهرباء.. وانتهاء بحراك الريف، الذي لازالت فصوله وتبعاته متواصلة إلى حدود كتابة هذه الأسطر.

لكن الملاحظ دائما أن كل هذه الحركات الاجتماعية، إن صح التعميم، تشهد زخما كبيرا في بداياتها لكن سرعان ما يخفت شعاعها وينتهي وهجها، بحيث أنها تفقد أهم عنصر ألا وهو الاستمرارية، و النفس الطويل، مما يفتح الباب على مصراعيه للتساؤل حول مآل هذه الإحتجاجات بالمغرب، وكذا الأسباب الكامنة وراء تضاؤل “الانتفاضات الشعبية” مع مرور الوقت، كما أن هذا الواقع يستوجب أيضا التساؤل حول ما إذا كانت هذه الإحتجاجات قد أعطت ثمارها، عبر انتزاع مطالبها وبالتالي نجاح التجربة، أم أن هذه الأخيرة قد فشلت في ما خرجت من أجله.

رجة سياسية، لكن…

ففي حديثها عن حركة 20 فبراير، التي رأت النور سنة 2011، تزامنا مع ما بات يعرف بـ”الربيع العربي”، قالت أمينة بوغالبي، الناشطة السابقة في الحركة، “إن هذه الأخيرة، استطاعت إحداث الكثير من التغييرات في المشهد السياسي المغربي، فقد انتزعت مكتسبات مهمة طال انتظارها، وأهم هذه المكتسبات هي ترسيخ ثقافة الاحتجاج لدى الفئات الشعبية التي تعاني من التهميش والإقصاء الاجتماعي والاقتصادي، زد على ذلك أن دستور 2011، الذي يعتبر متقدما على الدساتير السابقة، يدخل ضمن مكتسبات الحركة حيث جاء بفصول تنص على إنشاء مؤسسات تعنى بحقوق الإنسان ونص لأول مرة على المناصفة بين النساء والرجال وجاء بمؤسسة رئيس الحكومة ونزع صفة القدسية عن شخص الملك كما أنه دستر اللغة الامازيغية”.

فمن الناحية النظرية، تضيف بوغالبي في حديث مع “آشكاين”، يمكن اعتبار هذه الأمور بمثابة “رجة سياسية لكن الواقع شيء آخر، فلحد اليوم ليس هناك تفعيل لأغلب النصوص المذكورة أعلاه، أما على المستوى الاجتماعي لا يمكن الحديث عن رجة، فالطبقة المتوسطة والفقيرة ما تزالان تعانيان من ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة والرفع التدريجي للدعم على بعض المواد الأساسية”.

وعزت المتحدثة، خفوت زخم حركة 20 فبراير مثلا إلى “صعود الإسلاميين إلى “الحكم”، فحزب العدالة والتنمية قطف الثمار ووصل إلى الحكومة لأول مرة الشيء الذي أدى إلى تفضيل المواطنات والمواطنين إعطاء فرصة للحزب الإسلامي”، كما ربطت بوغالبي خفوت الحركة “بالسياق الإقليمي خاصة التطورات التي عرفتها ليبيا وسوريا واليمن بعد 2011…”

هل يكمن سبب تراجع زخم 20 فبراير في انخراط بعض قادتها في أحزاب سياسية أو مؤسسات تابعة للدولة؟ تسأل “آشكاين”، فتجيب أمينة بوغالبي، “لقد استمر الكثير منهم في الدفاع عن مطالب 20 فبراير من داخل أحزابهم وأيضا من خلال تأسيس مبادرات شبابية في شكل منضمات حقوقية وإطارات فنية”، مشددة على أنه “لا يمكن الجزم بأن جل الحركات كان مصيرها الفشل؛ لكن يمكن القول إن الأوضاع السياسية بالمغرب في أية لحظة تفرز حركات احتجاجية تناضل من أجل التغيير، فبعد 20 فبراير جاء حراك الريف” لكن تستدرك الناشطة في ذات التصريح، “هذه الحركات لم تستطع إلى حد اليوم إحداث التغيير المنشود وهذا أمر متوقع فلا يمكن تحميلها ما لا طاقة لها به، خصوصا وأن المخزن لديه أساليبه في التعامل مع هذه الحركات من خلال حملات القمع والاعتقال”.

نهاية النضال، بانتهاء المطالب الفئوية الضيقة

من جهته يرى عبد الوهاب السحيمي، عضو اللجنة الوطنية لتنسيقية “إسقاط خطة التقاعد وإلغاء معاشات الوزراء والبرلمانيين”، “أن سبب الخفوت السريع لهذه الحركات بعد معارك نضالية قوية و ضجة تخلقها في المجتمع، يرجع بالأساس إلى طبيعة مكونات هذه الحركات و التصور الذي يحمله أعضاؤها لتدبير هذه المعارك”.

وهنا يوضح السحيمي في تصريح لـ”آشكاين”، أن “التنسيقيات التي تحتج من أجل مطالب اجتماعية كحالة تنسيقية إسقاط خطة التقاعد، تضم فئات متناقضة في إيديولوجياتها و توجهاتها السياسية و النقابية، فتجدها تضم الإسلامي الجذري و الإسلامي المعتدل الذي يقود الحكومة و الماركسي اللينيني و اليساري المشارك في الحكومات و اليميني و الليبرالي… و ما يجمع كل هذه المكونات في هذه الحركة الاجتماعية (التنسيقية) هو المطلب و تحقيق الهدف بتسوية الملف”.

ومضى متحدث “آشكاين” قائلا:”إنه بمجرد ما يتم تسوية الملف سواء بتسوية شاملة عادلة أو بتسوية جزئية أو حتى بالتفاف على المطلب، حتى يعود المناضلون و المناضلات إلى حال سبيلهم و يعودون لمركزياتهم النقابية و لأحزابهم السياسية وحتى غير المنتمين يعودون من حيث أتوا، فيبدأ النضال في تراجع و يسجل خفوتا في عدد حضور المشاركين في المحطات النضالية إلى أن تضمحل هذه الحركات الاحتجاجية”.

وأشار السحيمي إلى أن “التنسيقيات الاجتماعية أصلا تؤسس على أنقاض الفشل النقابي في تدبير ملف من الملفات الاجتماعية و لا تؤسس وفق تصور و مشروع نقابي نضالي معين لمواجهة السياسات اللاشعبية للحكومات المتعاقبة، فكل من ينخرط في التنسيقيات فهو ينخرط بقناعة تحقيق مطلب فئوي ضيق و بعد ذلك ينصرف إلى حال سبيله”، فمثلا يردف الناشط النقابي، “نرى أن تنسيقية إسقاط خطة التقاعد و التي ناضلت من أجل وقف مخطط ضرب مكتسبات التقاعد، كان هدف كل من ينخرط في نضالاتها هو إسقاط مخطط ضرب مكتسبات التقاعد فقط أو على الأقل التخفيف من إجراءاته القاسية على الموظفين و الموظفات و لم يكن همهم هو بناء تنظيم نقابي نضالي له رؤية و أفق نضالي بعيد المدى للوقوف في وجه مخططات تهديمية لمكتسبات الوظيفة العمومية و ليس مكتسبات التقاعد فقط”.

حتمية الانتفاضات الشعبية

من جانبها، تقول الناشطة الحقوقية والنقابية البارزة خديجة الرياضي، “إن المغرب شهد العديد من الحركات الإحتجاجية الشعبية، التي كانت مطالبها اجتماعية بالأساس، خاصة في الثمانينات، لكن خلال حراك 20 فبراير، خرجت مختلف شرائح المجتمع المغربي لأول مرة تنادي بمطالب سياسية، كتغيير الدستور ومناهضة الاستبداد والفساد، إضافة إلى مطالب حقوقية واجتماعية أخرى، وكيفما كانت هذه الحركة فإن زخمها انطفأ في الشوارع قبل أن تتحول إلى حركات متعددة، لكنها بكل تأكيد حقق العديد من الأشياء، كتغيير نظرة المواطن المغربي للسياسة ولحقوقه ولقدرته على النضال من أجل استرجاعها”.

ولفتت الرياضي، الحاصلة على جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، “إلى أن شعارات حركة 20 فبراير لا تزالت تُرفع في مختلف الأشكال الاحتجاجية التي نشهدها إلى يومنا هذا في مختلف الحركات الاجتماعية بعدة مدن مغربية، كما ان هذه الحركة غيرت الوضع السياسي بالبلاد، إذ أن لأول مرة نسجل لقاء بين اليساريين والإسلاميين في ساحة الاحتجاج تحت شعار واحد، الأمر الذي يُحسب لحركة 20 فبراير”، لكن، تستدرك الرياضي في تصريحها لـ”آشكاين”، نرى أن “النظام السياسي في المغرب همه الوحيد هو ألا تحقق أية حركة احتجاجية مبتغاها، لأن ذلك يعني أن المواطن يستعيد ثقته في نفسه وفي قدرته على النضال والتنظيم، وبالتالي، فإنه حتى إذا كانت المطالب بسيطة جدا، كما هو الشأن الآن بالنسبة لزاكورة والحسيمة وعدة مناطق أخرى، إلا أن النظام لا يريد أن يدفع الثمن السياسي لهذه الإحتجاجات”.

وشددت الرياضي، التي سبق لها أن شغلت مهمة رئاسة “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”، على أن “هذه الحركات الاحتجاجية تجد نفسها في مواجهة القوى الإمبريالية كفرنسا مثلا، التي تدعم النظام المغربي، والتي لا ترى أنه في صالحها تنامي هذه الاحتجاجات”.

في ذات السياق، يتساءل “آشكاين”؛ هل يتحمل المواطن المغربي جزء من المسؤولية في فتور هذه الاحتجاجات، أو بمعنى آخر، هل يرضى المغاربة بالقليل في ظل غياب الكثير؟ فتجيب الرياضي، “إنه عبر التاريخ، وحتى في أقدم شكل احتجاجي يخوضه الأجراء ألا وهو الإضراب، فإن المحتجين لا يمكن أن يحققوا مطالبهم بنسبة مائة في المائة، وبالتالي فما يُحققه الغاضبون يكون بالأساس راجعا إلى موازين القوى وإلى شروط الدعم وكذا للشروط الوطنية والجهوية”.

وتوقعت الرياضي أن يتم تسجيل انتفاضات شعبية أخرى بالمغرب خلال المستقبل القريب، معتبرة ذلك “حتمية لا مناص منها، فمثلا حركة 20 فبراير، هي موجة أعقبتها موجة الغضب الشعبي ضد العفو عن البيدوفيل الإسباني كالفان، فرغم صغرها وقِصر مدتها إلا انه لأول مرة يخرج المغاربة للإحتجاج ضد قرار ملكي وهذا شيء لا يمكن أن نستهين به، وبعد ذلك جاءت موجة طلبة الطب، ثم الأساتذة المتدربون، وصولا إلى موجة حراك الريف”، مشيرة إلى أن “التناقضات ماضية في التعمق يوما بعد يوم ولا يمكن للمواطنين أن يبقوا مكتوفي الأيدي؛ ومن المؤكد أنه يوما ما سيقتنع النظام بأنه مطالب بإنقاذ البلاد من الوضع الذي تعيشه أو أنه سيستمر في تعنته وبالتالي سيتحمل مسؤوليته في ما حدث”.

هل يمكن؟

وانطلاقا مما سبق، فلا يمكن القول إلا أن الجهات الرسمية بالمغرب، تعاملت تقريبا بنفس الطريقة مع جميع الحركات الإحتجاجية التي شهدتها البلاد، مع بعض الاختلافات المرتبطة أساسا بالتطورات الوطنية والإقليمية والدولية، وبالتالي فإن هذه المقاربات التي تم سلكها أعطت نفس النتائج، وفتحت المجال أمام انتفاضات أخرى تختلف حدتها ومدتها الزمنية وسياقاتها التاريخية، مما يستوجب التساؤل في هذا السياق، حول ما إذا يمكن للنظام الحاكم في البلاد أن يغير من إستراتيجيته تجاه هذه الإحتجاجات، وذلك عبر الاستجابة الكاملة لمطالب المواطنين وكسب ثقتهم عن طريق القضاء على الفساد والاستبداد وقمع الحريات وهضم الحقوق وإشاعة المساواة والعدالة الاجتماعية من أجل مغرب ديمقراطي، حداثي وتقدمي

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد