لماذا وإلى أين ؟

كيف تحول سياسيون مغاربة إلى أغنياء؟

كانوا لا يملكون شيئا وبعد دخولهم عالم السياسة أصبحوا في مصاف الأغنياء، هم مجموعة من السياسيين البارزين، ومنهم قادة لأحزاب ذات حضور وازن في الساحة السياسية المغربية، فكيف تحولوا من الفقر إلى الغنى بعد ولوجهم عالم السياسة؟ وهل تذر ممارسة العمل السياسي دخلا ماديا يُمكِن صاحبه من مراكمة ثروة تقدر بالملايير؟

أسئلة وغيرها ستحاول ” آشكاين” الخوض فيها واستقصاء آراء باحثين وسياسيين وأيضا بعض من هم في خانة الاتهام بكونهم راكموا ثروتهم عن طريق استغلال موقعهم السياسي.

هل تشكل السياسة وسيلة للاغتناء؟

يقول هاري ترومان، وهو الرئيس الثالث والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية: “لا يمكن أن تغتني عن طريق السياسة إلا إذا كنت فاسدا”، فهل يشكل هذا القول قاعدة عامة؟

سؤال طرحته “آشكاين” على عبد اللطيف وهبي، القيادي بالحزب الثاني من حيث عدد المقاعد بمجلس النواب المغربي، ” الأصالة والمعاصرة”، فقال: ” إن السياسة كانت دائما عبر التاريخ وسيلة للاغتناء، لأنها تقود إلى السلطة وبالتالي تملُّك القرار والمعلومة وهذه أمور مهمة”، مضيفا ” وإذا كان السياسي متسخا فيمكنه من خلال موقعه أن يبتز أو يتلاعب في الملفات، وأغلب المشاكل التي تواجهها السلطة تقع عندما يتم توظيف السياسة للاغتناء، فابن خلدون يقول: تسقط الدول عندما يصبح السياسي فاسدا”، حسب وهبي.

وجوابا على نفس السؤال يقول المحلل السياسي وأستاذ القانون العام بكلية الحقوق بطنجة، محمد العمراني بوخبزة، في تصريح لـ”آشكاين”، “إن سُبل الاغتناء عدة، من بينها الدخول لعالم السياسة التي لها علاقة بمؤسسة السلطة، وفي بعض الحالات نجد العكس، حيث أن هناك أشخاصا يملكون الثروة وتنقصهم السلطة فيدخلون عالم السياسة لولوج مجال ممارسة السلطة”، مردفا ” وربط النجاح الاقتصادي للسياسي بالفساد ربما فيه نوع من التعسف، فقد يكون المرء ناجحا بحكم طبيعة النظام الاقتصادي الليبرالي وليس بالضرورة أنه فاسد”، معتبرا أن “ظاهرة الإغتناء من خلال دخول عالم السياسة أعطت إفرازات حسب طبيعة تدبير الشأن العام، لكون هذا الأمر ربما لم يكن مضبوطا بالشكل اللازم والكيفية اللازمة، على مستوى تخليق الحياة العامة والعمل السياسي، وهذه أمور لم تكن مطروحة بشكل كبير في السابق كما هي مطروحة الآن”.

أما رئيس “الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب”، محمد طارق السباعي، فيرى جوابا على ذات السؤال الذي وجهته له “آشكاين”، (يرى) أن “هناك بعض السياسيين الذين يتبوؤون مناصب عمومية عن طريق الانتخاب، لم يكن هدفهم إصلاح الأوضاع أو تدبير الشأن المحلي وإنما كانت غايتهم هي مراكمة الثروة بطرق احتيالية عن طريق استغلال النفوذ والمنصب السياسي للتَّربُح غير المشروع”، معتبرا أن”هذا النوع من السلوك يكاد يُعتبر عاما في العديد من الجماعات المحلية ومن طرف منتخبين ينتمون لمعظم الأحزاب بدون استثناء”، والدليل على ذلك بحسب ذات المتحدث “أن العديد من الشكايات والتقارير التي أنجزت في حق مجموعة من رؤساء الجماعات تؤكد أن هناك اتجاها عاما في ارتكاب مخالفات وجرائم مالية من أجل الاغتناء غير المشروع، مقابل ذلك هناك القليل من رؤساء الجماعات الذين يمارسون مهامهم من أجل خدمة الساكنة، وهذا النوع الأخير يعبرا نادرا وقليل الوجود”، بحسب السباعي.

أية علاقة للسياسة بمراكمة الثروة؟

بعد شبه الإجماع حول كون السياسة تشكل إحدى وسائل مراكمة الثروة والاغتناء من طرف بعض السياسيين، يُطرح السؤال حول أية علاقة تجمع السياسة ومراكمة الثروة؟ وكيف يمكن للسياسي أن يستفيد من موقعه لكي يراكم هذه الثروة؟

حول هذه التساؤلات يقول العمراني بوخبزة في ذات التصريح لـ”آشكاين”: “في الحياة السياسية المغربية دائما هناك تبادل للمصالح وشبكات العلاقات التي تأخذ أبعادا متعددة وهي مطروحة”، مشيرا إلى أن هذا الأمر “ربما مرتبط بكيفية إنتاج الثروة داخل المغرب والنموذج الاقتصادي المغربي الذي يوفر هامشا من اقتصاد الريع، وهذا الهامش يتم استغلاله من قبل السياسيين من أجل الاغتناء “، معتبرا أنه وجب النظر إلى هذا الموضوع “من خلال النمط الاقتصادي المعتمد في المغرب وكذلك من خلال التطور الذي هو معتمد في عملية الانتقال الديمقراطي”.

“يتم خلق الثروة عن طريق السياسة”، يؤكد وهبي، ويستدرك : “لكن حاليا هناك من توصله الأموال للسلطة”، أما عن سبل مراكمة هذه الثروة يقول المتحدث نفسه: ” فتكون عبر استغلال المنصب السياسي من أجل تحقيق نوع من النفوذ، وهذا الأخير يُمكِّن من الوصول إلى المعلومة، والتي تعتبر أثمن شيء حاليا”، بالإضافة إلى ” استغلال المنصب من أجل التلاعب في الملفات وممارسة الابتزاز لقضاء مآرب بعض المستثمرين”.

بدوره يقول السباعي، “دراسة هذا الموضوع تقتضي أن نبحث عن الأسباب التي تؤدي إلى التسيب والخروقات العديدة والمتنوعة التي أصبحت على كل لسان”، وأسبابها ترجع بالدراجة الأولى في نظره إلى “مبدأ الإفلات من العقاب والتركيبة السياسية للدولة وحماية كبار المفسدين وانتشار ظاهرة الفساد في جل القطاعات”.

سياسيون ولجوا عالم السياسة بخفي حنين فأصبحوا في لائحة الأثرياء

كثيرون هم الزعماء السياسيون الذين أشارت إليهم الأصابع بكونهم راكموا ثرواتهم وأملاكهم بعد ولوجهم العمل السياسي وتوليهم لبعض المسؤوليات، وفي الوقت الذي يصعب فيه التعريج على جميع هذه الحالات سنورد في هذا الموضوع بعض الأسماء التي تقلدت مسؤوليات سياسية ودَبرت أو تُدبر الشأن العام محليا أو وطنيا، وطُرٍحت تساؤلات من طرف الرأي العام ومنابر إعلامية حول حجم ثرواتهم ومصدرها.

حميد شباط

هو الأمين العام السابق لحزب “الإستقلال”، أعرق الأحزاب المغربية، ينحدر من أسرة فقيرة بقبيلة البرانس إقليم تازة، قدم إلى مدينة فاس سنة1970 من أجل متابعة تكوينه، في معهد التكنولوجيا التطبيقية، دشن حياته العملية في شركة الصناعات الميكانيكية والكهربائية بذات المدينة، كميكانيكي في الخراطة، بعد فترة قصيرة ولج العمل النقابي والسياسي وتدرج في المسؤوليات حيث دخل قبة البرلمان عام 1997، ثم عمدة لمدينة فاس لولايتين منذ 2003 حتى 2015، وصل سنة 2006 إلى رأس هرم قيادة الجناح النقابي لحزب “الاستقلال” ليرتقي إلى منصب الأمانة العامة لذات الحزب ككل سنة 2012.

خلال هذا المسار انتقل شباط من رجل فقير ابن أسرة فقيرة إلى أحد أغنياء المغرب بثروة ناهزت السبعة ملايير درهم باعترافه هو، فيما قدرتها منابر إعلامية بعشرات الملايير بين أصول عقارية وأرصدة بنكية، من دون أن يعرف لـ”الزعيم الشعبوي”، كما يحلو للبعض وصفه، ممارسته لأنشطة استثمارية قد تذر عليه كل هذه الثروة.

فبحسب ما أوردته جريدة “الأخبار”، في أحد أعدادها الصادرة في أواخر شهر يناير من السنة الماضية، “فثروة شباط العقارية، دون احتساب ما يوجد في الخزائن الحديدية وفي الحسابات البنكية والتي لا يعلمها إلى الله، تتكون من 40 عقارا كلها مسجلة بأسماء زوجته فاطمة طارق وأبنائه الخمسة، في تواريخ متفرقة ما بين 2008 و2016 بالمحافظات العقارية بكل من فاس وصفرو ومكناس وطنجة”، مضيفة “وتتكون ثروة شباط العقارية من 19 شقة و8 ضيعات فلاحية، و6 قطع أرضية في شكل تجزئات سكنية، و4 محلات تجارية، وفيلا ومنزلين مستقلين”.

وفي رده على ما نشر حول ثروته اعتبر شباط عبر تصريح له في شريط فيديو كان قد بث على موقع يوتوب، والموقع الإلكتروني لحزب “الاستقلال” (اعتبر) أن “ما نشر يندرج ضمن حملة تُشن ضده وضد حزب الاستقلال، وأن ما قيل حول الموضوع افتراء وكذب وأنه لا يملك درهما واحدا خارج الوطن، وأن كل ما يملكه منزل منذ سنة 1985 بتجزئة تم اقتناؤها للعمال والأطر بأثمنة رمزية وهكتارين في أراضي عرشية غير محفظة ومشتراة من ذوي الحقوق”، مضيفا أنه خلال 40 سنة من الوظيفة، ومنها 20 سنة بالبرلمان و 18 سنة بالعمل الجماعي والعمل التجاري، وأن ما يملكه هو 5 ملايير كمداخيل فيما قيمة الممتلكات العقارية تقدر بـ 2 مليار ونصف”.

“آشكاين” حاولت التواصل مع شباط من أجل أخذ تصريحه حول الموضوع، لكن هاتفه ظل يرن لعدة مرات وفي أيام مختلفة دون مجيب، كما تمت مراسلته عبر رسائل نصية قصيرة لكنه لم يرد عليها.

العربي المحرشي

هو خياط تقليدي، تُجمع جل المصادر على أنه دخل عالم السياسة بداية الألفية الثالثة من درجة الصفر، وهو لا يملك حتى منزلا يأويه، قبل أن يصبح من أبرز قياديي الحزب الأكثر إثارة للجدل بالمغرب، ومن الأسماء التي تصنف في مصاف أغنياء المغرب.
هو العربي المحرشي، عضو المكتب السياسي لحزب “الأصالة والمعاصرة”، وعضو لجنة الترشيحات، ورئيس هيئة منتخبي ذات الحزب، والمستشار البرلماني ورئيس المجلس الإقليمي لمدينة وزان، ابن عائلة فقيرة، ازداد سنة 1970 بدوار مزاورو، قيادة سيدي بوصبر جماعة سيدي أحمد الشريف عمالة وزان، زاول الخياطة التقليدية كأول مهنة له بمدينة وزان ثم مدينة شفشاون قبل أن ينتقل إلى مدينة سلا ويختفي بعد ذلك عن الأنظار لفترة أواخر التسعينات، قيل “إنه كان يقضي خلالها عقوبة حبسية لمدة سنتين، بتهمة النصب والاحتيال”، وهو الأمر الذي يؤكده المحرشي بنفسه في محضر للضابطة القضائية، حيث يقول: “إنه قُدم للعدالة في بداية سنة 1998 من أجل جريمة النصب وقضى بموجبها سنتين حبسا نافذا وغرامة مالية 5000 درهم”.

يصف مقربون من المحرشي فترة سجنه بـ”المرحلة الانتقالية في حياته”، مشيرين إلى أن ” حبسه جاء بعد سنتين من حملة التطهير والتي سجن خلالها عدد من كبار أباطرة الاتجار الدولي في المخدرات، وصادف (حبسه) تواجد بعضهم بالسجن وأبرزهم حميدو الديب”.

وتضيف المصادر نفسها أن المحرشي “دخل السياسة من بوابة حزب التقدم والاشتراكية، سنة 2003 وباسمه دخل الانتخابات الجماعية وتولى رئاسة جماعة سيدي أحمد الشريف قيادة المجاعرة التي كانت تابعة لإقليم سيدي قاسم سابقا، وبعد الطعن في انتخابه بداعي تزويره لشهادة مدرسية انتقل لحزب العهد وباسمه دخل مجلس المستشارين، قبل أن يرحل إلى حزب الاستقلال ومنه إلى حزب الأصالة والمعاصرة الذي لازال مستقرا به إلى حدود الآن”.

وعن أملاكه، تشير مصادر “آشكاين” إلى أنه ” يملك مقهى راقٍ بشارع 18 نونبر بحي أكدال بالرباط وفيلا بحي الرياض بذات المدينة، اقتناها بـ2 مليار سنتيم، وفيلا بدار السلام، بعين عودة، اقتناها بمليار ونصف سنتيم، وله ضيعة بشراكة مع مواطنين سعوديين بذات المنطقة، وفندق بالمنطقة السياحية ألميريا بإسبانيا، بشراكة مع شركاء آخرين، وله بالعرجات ضيعة لتربية الأبقار وفيلا فاخرة ، وبالكموني له حضيرة إنتاج وتربية الدجاج وضيعة لإنتاج الليمون، كما يملك أيضا منزلا فاخرا يطل على البحر بواد لاو وشقة بمدينة تطوان، قرب ولاية الأمن، ومنزل شبيه بالقصر بمسقط رأسه بدوار مزاورو قيادة سيدي بوصبر جماعة سيدي حمد الشريف، بالإضافة إلى أملاك أخرى غير معروفة”، مردفة (المصادر) أن “المحارشي إلى حدود خروجه من السجن سنة 2000 لم يكن يملك شيئا وأن المنزل الذي كان يقطن به بمدينة سلا كان يستأجره”.

يقول العربي المحرشي في تصريح لـ”آشكاين” حول علاقة ممارسة السياسة بمراكمة الثروة: “هذا موضوع يثار في الصالونات ومنابر إعلامية، لكنني أعتقد أن 80 في المائة مما يروج غير صحيح، والدليل على ذلك أنه كُتب الكثير عن المحارشي وبنشماس وبنعزوز وغيرهم..، لكن كل ذلك غير صحيح”، مضيفا أن “هناك أناسا يزاولون التجارة والعمل السياسي، وآخرون كانوا يمارسون وظيفة معينة قبل دخولهم للبرلمان، وهنا يُمكِن التساؤل: هل هؤلاء أصبحوا أثرياء علما أنه لا مدخول لهم سوى ما يتقاضونه من مسؤوليتهم السياسية أم أن لهم مصدرا آخر؟”

ويتابع المحرشي في ذات التصريح “هناك من يمارسون العمل السياسي، ولكن لهم أعمال أخرى، والتصريح بالممتلكات يدقق في كل صغيرة وكبيرة للسياسيين عند توليهم مهام معينة وبعد نهاية هذه المهام، ويمكن من خلال بيانات هذا المجلس أن يتضح ما إذا كان السياسي المعني قد راكم ثروته قبل توليه هذه المهام أم بعدها”.

“أنا رئيس المجلس الإقليمي، وبرلماني، ولست آمرا بالصرف، ولا أُسَيّر ولا أُوَقع ولا مسؤولية لي، فأين هو الامتياز الذي يمكنني أن أستفيد منه كسياسي لمراكمة الثروة؟” يتساءل المحرشي، فتقاطعه “آشكاين” بسؤال حول مدى إمكانية استفادة السياسي من منصبه ونفوذه للحصول على معلومات ومعطيات تساعد في الاستفادة الاقتصادية منها؟ ليجيب المحرشي بسؤال آخر: “وهل هناك قانون يعاقب على الاستفادة من المعلومة؟”

أما عن أملاكه وما قيل حولها يقول المحرشي لـ”آشكاين” : ” ليس لي أملاك في ألميرية ولا في غيرها، لدي بعض الأملاك المتواضعة في المغرب، منها ما هو قار ومنها ما أعيد البيع فيه وأشتري غيرها، أملك حضائر للإنتاج وتربية الدجاج وأمارس التجارة في المواشي والتجارة بشكل عام”، مشددا على أنه بنى “نفسه بعصامية وبكفاح وأنه مستعد للمحاسبة عن مصادر ثروته ولا مشكل له في ذلك”، معتبرا أن “المشكل يكمن في التحامل والحقد من طرف فئة لها أجندة لتصفية الحساب”.

وهل كل من تساءل عن مصدر ثروة سياسي يدبر الشأن العام فهو يحقد عليه؟ تسأل “آشكاين” فيجيب المحرشي، “التساؤل أنواع فهناك من يتساءل من أجل الاستفسار وهناك من يكون غرضه الاستهداف ونشر معطيات مغلوطة بدون حتى العودة للشخص المعني”.

عبد الوهاب بلفقيه

قيادي برز اسمه بقوة خلال السنوات الأخيرة داخل حزب “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”، وفي المشهد الإعلامي الوطني بعدما ارتبط بملفات معروضة على القضاء، رُفعت من طرف بعض الجمعيات الحقوقية كـ”الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب”، والتي تتهمه فيها بـ”نهب المال العام”.

تقول مصادر “آشكاين”إن بلفقيه “يراكم ثروة كبيرة وعقارات دون أن تظهر له شركة مسجلة في أداء الضرائب، لكون الثروة مرتبطة بحجم الضرائب التي يجب أن يكون قد أداها للدولة”، مضيفة “لديه فيلا في كلميم وأخرى في أكادير، تقارب 900 مليون سنتيم، ومجموعة من الأصول العقارية الأخرى”.

بلفقيه الذي يقال إنه “يملك ثروة كبيرة”، ولد بقرية آيت عبد الله التابعة لجماعة الأخصاص، وينحدر من قبيلة “لخصاص”، والده كان فقيها بدوار سيدي زكري بآيت أيوب، اشتغل نادلا في أحد المقاهي، بعدها انتقل إلى العمل في آلة للحصاد ثم اشتغل عاملا بسيطا في محطة بنزين مقابلة لمديرية الأمن بكلميم، قبل أن يدخل عالم السياسية من بوابة بلدية كلميم التي تولى رئاستها منذ سنة 2003 حتى سنة 2015.

رفعت ضده بلفقيه الكثير من الدعاوى القضائية، بعضها لا يزال أمام القضاء والبعض الآخر تم حفظ المسطرة فيها”، حسب تصريحات السباعي، وصدر في حقه حكمان قضائيان نهائيان من محكمة أكادير، الأول سنة 2003 والثاني سنة 2005، كما مُنع من دفتر الشيكات من بنك المغرب سابقا”، نسبة لمصادر مطلعة.

“آشكاين” اتصلت ببلفقيه من أجل أن تعرض عليه ما قيل حوله وأخذ رده عليها، لكنه بمجرد ما عرف بالموضوع استشاط غضبا وبدأ في توجيه سيل من التهم في كل حدب وصوب، معتبرا أن “إثارة هذا الموضوع هو حقد سياسي عليه”، وبأن كل ما يملك من أصول عقارية “مسجلة في المحافظة العقارية ومصرح بها، وأن خصوما سياسيين هم من يحرضون ضده للنبش في حياته وثروته”.
قيادات حزب العدالة والتنمية

” شوف كيف كانوا من قبل وكيف ولاو دابا وغادي يبالك الفرق”، إجابة اشترك فيها أكثر من مستجوب وجهت لهم “آشكاين” سؤالا حول ما إذا كانت قيادات الصف الأول لحزب “العدالة والتنمية” قد راكمت ثروة، باختلاف حجمها، عند تبوئهم لمناصب سياسية، والأمر لم يتوقف عند المواطن العادي، بل عند الرجل الثاني في هرم السلطة المغربية سابقا حسب دستور 2011، رئيس الحكومة السابق عبد الاله بنكيران، والأمين العام لذات الحزب، اعترف بكون أحوال وظروف إخوته في الحزب قد تغيرت كثيرا بعد دخول حزبهم للحكومة راكبين على ظهر حراك الشارع المغربي سنة 2011.

بنكيران صرح أمام أعضاء المجلس الوطني الاستثنائي لـ”البجيدي” الذي انعقد أواخر شهر نونبر من السنة الماضية، (صرح) قائلا: ” لن نضيع دنيانا، الحمد لله الإخوان بخير، ويكفي أن يتم مقارنة الوسائل التي كان يتنقل بها الإخوان سابقا وحاليا”، مشيرا إلى أنهم “كانوا يستعملون في السابق سيارات متواضعة ودراجات نارية وهوائية للتنقل وأفضل ما كانوا يملكونه سيارة مثل تلك التي تستعمل كسيارة أجرة، لكن اليوم يتنقلون بسيارات فاخرة”.

رأى بعض المتتبعين والعديد من نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي في كلام بنكيران إقرارا بكون أصحابه في الحزب قد استفادوا من مواقعهم السياسية من أجل مراكمة ثروة، ولمعرفة رأي أهل الدار اتصلت “آشكاين” بنائب الأمين العام لـ”البجيدي”، سليمان العمراني، لكن هذا الأخير اعتذر عن إعطاء أي تصريح في الموضوع.

ومن أبرز ما أثير حول ثروة قياديي حزب “العدالة والتنمية” بعد توليه المسؤولية السياسية وقيادة أول حكومة بعد 2011، ما نشرته إحدى المواقع الالكترونية المتخصصة في تصنيف أغنياء العالم، “طوب ريتشيست ” سنة 2016، حيث صُنف الأمين العام السابق لذات الحزب، ورئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران، وأخوه في الحزب وزير العدل والحريات سابقا، ووزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان حاليا، المصطفى الرميد، (صُنِّفا) ضمن أغنى عشرة ساسة مغاربة.

ونسبة لذات التصنيف الصادر عن “طوب ريتشيست “، “فقد احتل الرميد المرتبة الخامسة ضمن اللائحة، بثروة تقدر بـ 600 مليون دولار أمريكي، فيما احتل بنكيران المركز السادس بثروة تناهز 565 مليون دولار”، وهو الأمر الذي نفاه الرميد في تصريح لإحدى المواقع الإلكترونية، مبديا “استعداده منح هذه الثروة لمن يدله عليها”، فيما لم يخرج بنكيران عن صمته بخصوص الموضوع.

لكن بعد فترة وبحسب ما نشرته البوابة الرسمية للبيجيدي، أقدم موقع “طوب ريشست” على سحب إسمي الرميد وبنكيران من تصنيفه وتعويضهما بأنس الصفروي الرئيس المدير العام لمجموعة الضحى، ورجل الأعمال الراحل إبراهيم زنيبر، مشككا (موقع البجيدي) في صحة وجود هذا الموقع أصلا، فيما أكدت منابر إعلامية أن الأمر يتعلق بلائحتين، واحدة خاصة برجال الأعمال وفيها ورد اسم الصفريوي وزنيبر وأخرى خاصة بالسياسيين الأغنياء وهي التي ورد فيها إسم الرميد وبنكيران.

هل كل سياسي راكم ثروة هو بالضرورة هو فاسد؟

“لا ليس بالضرورة”، يقول الأستاذ الجامعي محمد العمراني بوخبزة، ويضيف “لأن الفساد مرتبط بأن يراكم هذا السياسي الثروة من مصادر غير مشروعة، كاستغلال النفود مثلا وهو من الأمور المرتبطة بالفساد، أو بالاستعانة بكل ما يعاقب عليه القانون ولا يجيزه”.

لكن هناك سياسيون قبل دخولهم عالم السياسة كانوا فقراء والآن هم أغنياء؟ تسأل “آشكاين” ذات المتحدث فيجيب: “نتحدث عن نمط اقتصادي ليبرالي وهذا النمط مرتبط بالمبادرة الحرة، ونجاح الفرد يجب ألايقاس من منطلق اغتنائه بشكل غير مشروع ولكن الذي يجب التأكيد عليه هو هل تم ذلك بطرق مشروعة أم لا؟”

في ذات السياق يقول القيادي بحزب “البام”، عبد اللطيف وهبي، “عندما يثير الإعلام قضايا حول ثراء مشبوه لبعض السياسيين يجب أن تتحرك المؤسسات القضائية والمجلس الأعلى للحسابات، وهذه المؤسسات يجب أن تكون لها مصداقية وقدرة على التحرك وبدون شكاية، لأن النيابة العامة تتحرك بشكاية أو بوشاية أو إذا بلغ لعلمها، ولا يهمها رتبة الشخص، ولا تتدخل في هذه الاعتبارات وعندما ترى أن القانون قد خُرق يجب عليها التدخل”، مضيفا أنه “يجب على المجلس الأعلى للحسابات أن يقوم بعملية حسابية لمدخول الشخص وثروته، ويحدد ما إذا كان هذا الاغتناء مشروعا أم مشبوها”.

محمد طارق السباعي، بدوره يقول جوابا عن السؤال نفسه: “أولا؛ القانون يلزم رؤساء الجماعات والبرلمانيين والوزراء بالتصريح بالممتلكات، لكن الدولة لا تُفعل هذا القانون ولا تقوم بتطبيقه بصرامة “، حسب السباعي دائما الذي يعتبر أن “ظاهرة الاغتناء غير المشروع أصبحت معروفة عند الجميع”، وثانيا، يردف المتحدث نفسه “فيمكن توجيه السؤال للمعني بالأمر لكي يعبر عن مصدر ثروته، وهذا المبدأ لا يطبق على ناهبي المال العام ويتم تعطيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ومن تم استشراء الفساد في البلاد”.
ما هي سبل التصدي لمراكمة الثروة عن طريق استغلال المنصب السياسي؟

يعتبر وهبي، أن التصدي لهذه الظاهرة يكون “عن طريق تمتين البناء الديمقراطي وتفعيل القوانين، وقيام المؤسسات بدورها، حتى إذا ما التجأ إليها المواطن في حالة تعرضه للابتزاز استطاعت حمايته”، مؤكدا على أن “الفساد لا يمكن إلغاؤه نهائيا ولكن يمكن التنقيص من حجمه”.

أما فيما يخص قانون “من أين لك هذا”، يرى وهبي أنه “حتى لو تم تفعيله فهو ليس حلا”، والحل حسب نفس المصدر، يكمن “في المنظومة بأكملها وبكل مؤسساتها، لأن الهدف حماية الناس وليس البحث في حياتهم الخاصة، ومن أين لك هذا إذا ما تم تفعيله ستصبح حياة الناس معرضة للمساءلة في أية لحظة من طرف أي شرطي في الشارع، كما يجب على المجلس الأعلى للحسابات أن يقوم بمهامه، وعندما تصله معلومة مفادها أن شخصا ما أُثري على عكس ما صرح به يجب عليه أن يتدخل تلقائيا بدون شكاية”.

“الآن هناك مؤشرات إيجابية، فمجرد أن يثير الإعلام هذه المواضيع فهو مؤشر إيجابي، حيث كان من الصعب التطرق لذلك سابقا”، يقول بوخبزة ويشير إلى أن هذه الظاهرة “لم تعد كما كانت في السابق وأصبحت محدودة على اعتبار أن الدولة أصبحت تفكر في ميكانيزمات مهمة لضبطها عن طريق التصريح بالممتلكات مثلا، كآلية جد مهمة تم اعتمادها وأصبحت مدسترة مع دستور 2011،” حيث أصبحت ممارسة المسؤولية، يضيف بوخبزة، “تقتضي بالضرورة التصريح بالممتلكات، بالإضافة إلى مسألة الرقابة، خاصة من خلال المحاكم المالية والمجلس الأعلى للحسابات ووسائل أخرى إن تم الاعتماد عليها يمكنها أن تحد من انتشار هذه الظاهرة”.

ويعتبر بوخبزة أن “الاتجاه نحو الاقتصاد المهيكل والانتقال الديمقراطي الذي يعتمد على المساءلة والمحاسبة والتصريح بالممتلكات، وميثاق حسن التدبير العمومي، أمور يجب التعامل معها من خلال تقوية النموذج الاقتصادي المغربي وتحصين عملية الانتقال الديمقراطي الذي يمكنها أن تحد من هذه الظاهرة أو العلاقة القائمة بين السياسة ومراكمة الثروة”، كما يجب “تفعيل النصوص القانونية بداية من الدستور الذي كرس مبدأ التصريح بالممتلكات وربط المسؤولية بالمحاسبة وعملية التخليق”، والأمرالآخر، يردف بوخبزة، هو “الرقابة، فهي ممكنة ومتاحة مادام أن الشخص يمارس السلطة وخاصة رقابة المحاكم الإدارية وكذلك يجب أن لا تظل ثقافة مجتمعية أن السياسة هي السبيل للاغتناء وبالمقابل الاشتغال على ثقافة المساءلة والمحاسبة وثقافة من أين لك هذا”.

وجدير بالذكر أن ظاهرة السياسيين الذين دخلوا عالم السياسة وهم فقراء فصاروا من الأغنياء ليست ظاهرة خاصة بالمغرب أو الدول التي تصنف نامية وإنما هي ظاهرة تعرفها حتى بعض البلدان التي تصنف متقدمة كفرنسا، لكن بحدة أقل لكون سلطة القضاء وآليات الرقابة في تلك البلدان لها صلاحيات واسعة واستقلالية تامة عن بقية السلط، وكذلك لكون شعوب تلك الدول متشبعة بثقافة تجعل من السياسي -الذي يستغل منصبه لمراكمة الثروة- شخصا منبوذا داخل المجتمع وقد يتعرض لعقاب هذه الشعوب من خلال صناديق الاقتراع.

والمغرب بدوره يعرف تطورات ومتغيرات متلاحقة تؤدي إلى فتح نقاشات في مواضيع كانت تعتبر من المحرمات ومن بينها علاقة السياسة بالثروة وضرورة الفصل بين الاثنتين، وكان هذا أهم شعارات حركة 20 فبراير، ويبدو أن هذا النقاش بدأ يعطي مفعوله، لكن المسار مازال طويلا ومفروشا بالأشواك ويتطلب إرادة شعبية وسياسية قوية وحازمة.

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد