لماذا وإلى أين ؟

التسامح كأيديولوجيا

إدريس هاني*
ماذا يعني خطاب التسامح في بيئة تنتج هذيان العنف؟ وحيث الحصيلة التربوية تناسب حجم الحروب المهيمنة على المشهد؟

وحيث لا شيئ يتجه خارج مفهوم الأصولية الذي يعيد إنتاج نفسه باستمرار في عنادومروق.ما معنى الإصرار على محاولة تجاوز الواقع للبحث عن مدركات للتسامح من داخل النّصوص والتعاليم التي هي مكمّلة أو مساعدة لما عليه اتجاهات الواقع؟

هناك الكثير من المفاهيم تلعب دور الأقفال في العقل العربي الذي يبدو في حالة حيرةعارمة. سنجيب باختصار على ثلاث مفاهيم أو بالأحرى إشكاليات تخصّ مصير التسامح في العالم:
أوّلا: كيف أصبح التسامح أيديولوجيا؟
ثانيا: هل التسامح معاقرة ضدّ الأصولية؟
ثالثا: هل التسامح هو استراحة مقاتل؟
يفرض السؤال الأول ثلاث إجابات: الأولى عن مفهوم التسامح والثانية عن مفهوم الأيديولوجيا والثالث عن ملازمتهما التسامح منذ ميلاده الأوّل في خطاب الأنوار يعني القبول بالآخر على اختلافه.

عند فولتير نفهم أنّ التسامح تفرضه حقيقة واقع الإنسان بوصفه خطّاء. أي أن لا ترتّب أثرا على حكمك تجاه الآخر بينما قد تكون أنت مبتلى بهذا الفعل في يوم ما. كان مفهوم الخطأ مقتصرا على الهرطقة والخطايا التي كانت تعاقب عليها الكنيسة، غير أنّ التسامح اليوم يتعلق بالخلاف الذي تتسع له أنطولوجيا كائن متغيّر، أي الآخر بوصفه إمكانية أخرى للأنا أو الكائن بوصفه مقذوف به هنا على نحو ما ذهب إليه هيدغر، أي ما يمكن أن نفهم منه أنه يوجد بعد الأشياء والشروط والعلامات. وليس أمام الإنسان حينئذ سوى
أن يفكّر في المآلات.

كان فولتير غير متسامح، بل أكثر همجية في انتقاد روسو لا سيما في موضوع الكائن الطبيعي، بينما سخر فولتير من الدين في كانديد كمحاولة لدحض حكاية العوالم الممكنة عند لايبنيتز.

العودة إلى أصولية الأنوار في فهم التسامح يضعنا أمام البدايات. اليوم تبدو فكرة التسامح قد فقدت بريقها وباتت قوة تداولية فارغة، لأنّ ميلاد مفهوم المواطنة وإبستيمولجيا الاعتقاد أطاح بمفهوم التسامح، لأنّ التسامح ينطوي على حكم مسبق وعلى تموضع فوقي، فالمتسامح معه هو ضحية حتمية لمركّب ستوكهولم برسم التسامح. وهنا ننتقل إلى مفهوم الأيديولوجيا بوصفها هنا تحمل معنى
الخطاب الزائف الذي يحجب حالة تعقيد الواقع، أي الخطاب الذي لا ينتج حقائق بل قصارى ما يفعل أن ينتج خطابا ينتحل وظيفة المعرفة ويزاحمها في مهامها وليس وسيطا للتعبير عن المعرفة. هنا الأيديولوجيا هي باختصار احتلال الوسيط لدور الأصل. يصبح المتلقّي عرضة لمغالطات الأيديولوجيا وهذا طبيعي لأنها فقدت صلتها بالمعرفة.

وفي الحديث عن ملازمتهما أي التسامح كأيديولوجيا نقف على منتهى أزمة مفهوم هو اليوم الأكثر استعمالا في الخطاب لكنه الأقل تطبيقا لسببين: الأول لأنّ التسامح الفاقد لقيمته المفهومية لا يمكنه أن
ينتج سلاما حقيقيا بل يمكن أن يخلق حالة من التنويم المغناطيسي المؤقّت، والثاني لأنّ المفهوم لم يعد يحمل مضمونا قابلا للتطبيق. وهنا يبدو المخرج في الإجابة الثانية حول ربط مصير التسامح بدحر الأصولية التي هي الأخرى تعاني حيرة مفهومية.

القضاء على الأصوليات ليس هو الحلّ بقدر ما يكمن الحلّ في إعادة تهذيب العلاقة مع الأصل. نحن هنا نسلك وفق علاقة غير مجدية مع أصولنا. فكرة العود الأبدي بمفهوم نيتشه لا تعني التكرار. القاتل للأصوليات أنها لا تنظر إلى أصولها كحالة متطورة وتوليدية بالمعنى الذي يفهم من مقولة هيدغر بأن أصولنا هي أمامنا.

يفهم الأصولي اليوم أنّ أصوله وجملة الشروح التي تحيط بهذه الأصول لا يمكن إلاّ أن تكون وراءنا. وهنا مكمن الأصوليات القاتلة حينما تصبح هي المحدد الأسمى للهوية والعقل والمعنى…ليست المشكلة في وجود أصول، فالأصل أو الآرشي بالمعنى اليوناني هو حتمية كائن يسلك نحو المستقبل على نحو حركة لولبية تجعل التاريخ يعيد تركيب نفسه بصورة متقدّمة.

وهنا ارتبطت أزمة الخطاب التاريخي بالمعنى الأيديولوجي للأصل، بينما تكمن أزمة العقل الأصولي في الفكر التّاريخي بتعبير عبد الله العروي. وفي الجواب الثالث تكمن إشكالية أخرى تتجلّى في اعتقادنا بأنّ فكرة التسامح بالمعنى السابق نفسه هي مجرد استراحة مقاتل، أي حين ينهزم الإرهاب تطفوا على السطح
محاولات جديدة لتحيين القول في التسامح لتأمين نوع من الهروب المخاتل كما يظهر في كثير من أشكال المراجعات السطحية القائمة على ردود الفعل وإرادة الهروب. وهنا يبدو تسطيح مفهوم التسامح خطرا على مستقبل المفهوم، لأنه يصبح مفهوما عاريا من أي حصانة تحول دونه والاستغلال الأيديولوجي والوظيفي لتحقيق الإفلات من العقاب.

ومن هنا فإننا في معاينة المسارات التي يسلك على وفقها الفعل التداولي للمفهوم نلاحظ أن أكثر استعماله اليوم من قبل المراجعاتيين الذين تحوّل المفهوم معهم إلى تمرين للفرجة والإثارة التي تؤمّنها مفارقة صورة قاتل أو محرض على القتل ينطق بلغة التسامح.

نكون هنا أمام أيديولوجيا تنتجها مفارقة الصورة التي تؤمن نوعا من الاستهلاك التبسيطي للمفهوم ولكنها في الوقت نفسه لا تفعل أكثر من أن تضعنا أمام ضرب من أيديولوجيا التسامح في زمن يواجه فيه الإرهاب والأصوليات المشرعنة له ضربات موجعة.

إنه مكر الأيديولوجيا الذي يفجّر المفاهيم من الداخل ويمارس من داخلها أنواعا من المغالطات التي تجعلنا دائما في مواجهة أشكال من العنف المؤجّل أو الإرهاب المقنّع أو لعبة تدوير المصطلح..

*كاتب مغربي، متخصص في فلسفة الأديان

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها حصرا.

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد