لماذا وإلى أين ؟

محطة إنزكان … مرآة تعكس واقع قطاع النقل الطرقي بالمغرب

آشكاين من إنزكان/ محمد دنيا

عبر نافذة حافلة مُهترئة، يطل عمر بابتسامة وجهه المنكمش الذي يلخص عقود العمل في منعرجات الطرق المغربية، إبتسامة لم تخفِ ملامح وجهه القاسية التي تبرز مدى قساوة واقع ممتهني قطاع النقل الطرقي بالمغرب، وأمام حافلة عمر شباب في أواخر عقدهم الثاني، بين أيديهم أوراق ملونة؛ لسانهم لا يتوقف عن ترديد أسماء المدن المغربية، فيما وجوههم العابسة تحكي سنوات من الخصام والعراك بين إخوانهم في واقع مهنة لا تحمل حتى الإسم، فبقيت معروفة بمهنة “قُطاع التذاكر”، مهنة غير مقننة و غير مهيكلة داخل محطة لا تحمل من المحطة إلا الإسم، هذا واقع إجتماعي مر لسكان محطة إنزكان الطرقية.

واقع مؤلم يؤرق المهنيين بإنزكان

“عمر”، الذي كان يطل من النافذة، سرعان ما نزل من حافلته؛ ليبدأ في سرد مكونات صورة قاتمة لواقع اجتماعي واقتصادي وقانوني للمهنة التي لايتقن سواها، “اصلا حنا هنا شوافر غير بالسمية، لا وراق لا قانون لا والو، الخدمة فالنوار هيا هادي”، كلمات خرجت بسرعة من فم “عمر”؛ كسرعة ثلاثين سنة مرت من عمره في التجوال على خريطة المملكة المغربية، لم تخلف وراءها إلا ذكريات كثيرة؛ وأسرة صغيرة مازالت تقبع في دور الكراء، تنتظر “عمر” لتأدية فواتير الماء والكهرباء والكراء، بينما “عمر” غير مؤطر بأي قانون؛ يعمل بدون عقدة رسمية مع رب عمله (صاحب المأدونية)، بدون تغطية صحية ولا ضمان اجتماعي ولا تحديد لساعات العمل.

بينما يسترسل عمر في سرد معاناته بحرقة وغيرة في واقع مؤلم لا يرحم، قاطعه شخص أسمر اللون بلحية بيضاء استوقفته حدة وقوة كلمات السائق عمر، المتلهف للتعبير عن مشاعره ومشاكله والتنفيس عن كربات سكنت أعماقه منذ سنوات، “ياك لاباس السي عمر مالك ثاني”، ليجيب هذا الأخير بلكنة بيضاوية؛ “راك عارف حريرتنا مع هاد المهنة، ما حنا خدامين ما حنا شمور”.

ضبابية تلف مستقبل النقابيين

بعد انصراف عمر، استمر الحوار في نفس الموضوع، مع “السي عبد الله”؛ وهو عضو النقابة الديمقراطية للشغل، والذي يعمل بدوره كسائق؛ مستوى تعليمي متواضع وسنوات من العمل في الميدان، مكنته من منصب التحدث باسم المهنيين في القطاع بإنزكان، بعد التحية والسلام؛ بدأ “السي عبد الله” هو الآخر في سرد معاناة المهنيين، ووجهه المتجهم يحمل بين تجاعيده ألما حادا، جراء المهنة التي وصفها بـ”الإنسان الذي أصبح الطاعون ضاربا جذوره في الأعماق، والسرطان ينخر عظامه في غياب شبه كامل لأي طبيب مداوي أو محاولة إشفاء”، معاناة إجتماعية يسردها “السي عبد الله” بمرارة تصدم القلب وتحبط النفس.

أكد بصفته نقابيا أن “مختلف الهيئات النقابية والجمعوية الأكثر تمثيلية للسائقين، خاضت عدة إضرابات وقدمت ملتمسات ورسائل ورفعت شكاوى؛ من أجل تحسين الحالة الإجتماعية والقانونية لهذه الفئة، وتحقيق مطالبها المشروعة بصفة عامة، لكنها بقيت كلها كالصيحة الخافتة في الوادي السحيق”، حسب المتحدث.

“السي عبد الله” الذي كان يتحدث بلهفة؛ أبرز كذلك أن كل شركات النقل الطرقي بالمغرب “تستعبد” سائقيها إلا الأربع الشركات المعروفة، مضيفا أن محطة إنزكان كغيرها من المحطات الطرقية، تضم فئات اجتماعية مهضومة حقوقها، مشيرا بأصابعه إلى قطاع التذاكر، “حتى هادو مساكن حريرتهم حريرة”، قبل أن ينادي على حسن؛ وهو شاب في الثلاثينيات من عمره يعمل ك”كورتي” بالمفهوم العامي.

فئة اجتماعية تعيش على الهامش

سنوات من العمل كـ”قاطع للتذاكر” بمحطة إنزكان، جعلت من “حسن” شابا حيويا ذو جرأة كبيرة، غير أن هذه الأخيرة لم تفلح في إخراجه من شباك ضيق لقطع التذاكر بمحطة إنزكان، الذي بقي داخله منذ 2008 قادما إليه من عروس الشمال، “فهاد البنيقة بقيت من أول نهار ليا هنا؛ حتال اليوم”، يقول “حسن” لتبيان وضعه في مهنة بقيت على الهامش، فبقيت معها فئة مجتمعية تقاوم لضمان لقمة العيش اليومية، لا قانون ولا مثاق يحمي “حسن” من أرباب الشركات وبعض المواطنين؛ وكذا فئة من زملائه سوى نفسه و”شطارته” حسب تعبيره، سنوات من العمل ك”كورتي” لم تمكن حسن حتى تكوين أسرة، رغم رغبته الجامحة في ذلك، إلا أن واقع الحال لا يضمن لـ”حسن” إلا قوته اليومي، مع علبة سجائر تساعده على البقاء هادئا في محيط يدفع الشباب لفقدان الأمل في الحياة على حد تعبير هذا الشاب.

آهات معاناة فشلت السياسات المتعاقبة على حلحلتها

ليس السائق “عمر” وزميله النقابي “السي عبد الله” لوحدهما من يعيش في ضبابية مستقبل مخيف، وليس هم فقط من ذبلت زهرة شبابهم في مهنة لا تزال السياسات الحكومية عاجزة على تقنينها، بكيفية حماية حقوق جميع الأطراف المشاركة في قطاع النقل الطرقي بالمغرب، بل هناك آلاف من السائقين الحاصلين على البطاقة المهنية، لم تجدِ هذه الأخيرة نفعا في إخراجهم من الحالة الاجتماعية البئيسة التي يعيشها أغلبهم.

كما يبقى “حسن” نموذجا لمئات من الشباب المغربي، الذين هجروا عائلاتهم للبحث عن مورد رزق قار، لكن وجدوا أنفسهم في مهنة هامشية، لا يكون الربح فيها إلا للقوي داخل محطة يجب إعادة النظر فيها وفي طريقة عملها وتسييرها.

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد