لماذا وإلى أين ؟

من الذي يؤثر في القرار السياسي بالمغرب.. الشارع أم المؤسسات؟

“الملك محمد السادس يعفي عددا من الوزراء والمسؤولين الكبار”، عنوان بارز تصدر عناوين الصحف الوطنية والدولية ولقي تجاوبا منقطع النظير في وسط شريحة واسعة من المغاربة، الذين اعتبر بعضهم أن ما بات يُعرف بـ”الزلزال السياسي”، هو سابقة في تاريخ المغرب، بالنظر للعدد الكبير من المسؤولين الذين شملهم الإعفاء.

عامل آخر ساهم في استئثار قرارات الملك باهتمام المجتمع المغربي بمختلف فرقائه ونخبه، هو أن هذه الإعفاءات جاءت مباشرة بعد الاضطرابات التي شهدتها مناطق الريف واقليم الحسيمة على وجه الخصوص حيث خرجت ساكنته على مدى سنة تقريبا للاحتجاج في الشوارع، عقب الوفاة الدراماتيكية لبائع السمك محسن فكري، والذي لُقِب بـ”شهيد الحكرة”، قبل أن يندلع حراك آخر بمدينة جرادة بعد وفاة شقيقين داخل منجم لاستخراج الفحم الحجري.

الاحتجاجات تواصلت وتطورت لتتحول إلى مواجهة بين السلطات والمتظاهرين مما أفضى في آخر المطاف إلى اعتقال عدد منهم، لازالت فصول محاكمة بعضهم جارية لحدود كتابة هذه الأسطر، غير أن المهم هو كون القرارات السياسية “الجريئة” التي اتخذها الملك جاءت كنتيجة لغضب الشارع، وكذلك الشأن بالنسبة لعدد من القضايا التي شهدها المغرب منذ إقرار دستور 2011، كالعفو عن “البيدوفيل” الإسباني التي خلفت سخطا وتذمرا كبيرين في صفوف المغاربة، مرورا بقضية “فضيحة الكراطة” التي تورط فيها الوزير السابق محمد أوزين قبل إعفائه، ثم “فضيحة زبل الطاليان”، التي كانت بطلتها الوزيرة السابقة حكيمة الحيطي.

قضايا وقرارات أخرى، كان للشارع دور فيها، وهو الامر الذي يفتح مجالا للتساؤل حول ما إذا كان”الغضب الشعبي” هو المؤثر في القرارات السياسية المختلفة، أم أن مؤسسات الدولة هي الفاعل الحقيقي في هذا الشأن.

زيان يطالب بإقالة أخنوش

في هذا الشأن اكتفى محمد زيان زعيم “الحزب المغربي الحر”، بالتساؤل مع “آشكاين”، بالقول “هل طالب الشارع الريفي مثلا بإعفاء وزير الداخلية السابق محمد حصاد، ووزير الصحة الحسين الوردي؟”، قبل أن يستدرك، ” المواطنون خرجوا للاحتجاج أساسا، للمطالبة بإقالة ومحاسبة وزير الفلاحة والصيد البحري عزيز أخنوش، وكذا مولاي حفيظ العلمي وزير التجارة والصناعة، كما خرجوا للتظاهر أيضا ضد فساد القضاة وضد تعسف رجال الأمن، وفساد إدارة الموانئ والصيد البحري والغابات والتعليم والسكن والتطبيب”.

إعفاءات لم ترق لتطلعات المغاربة

نبيلة منيب، الأمين العامة لحزب “الاشتراكي الموحد”، ترى أن “الفاعل الأول في القرار السياسي بالمغرب هو المؤسسة الملكية، وأن الإعفاءات التي طالت عددا من الوزراء، غير كافية ولم ترقَ لتطلعات المغاربة، لكنها جاءت كنتيجة لضغط الشارع، الذي خرج للتعبير عن مطالبه، وهو أمر تمت ملامسته عبر تاريخ المغرب، سواء خلال الثمانينات أو التسعينات ووصولا إلى حراك الريف”.

وتؤكد المسؤولة الحزبية، على أن “النظام المغربي عوض أن يلجأ إلى تغييرات جذرية تلامس هموم المواطن المغربي، عبر القضاء على الريع والفساد في مؤسسات الدولة، فهو يلجأ إلى حل الإصلاح، ما يفرز في آخر المطاف تراكمات سلبية، تؤدي بعد ذلك إلى غضب الشارع”.

وحول مدى قوة مؤسسات الدولة، تؤكد منيب “على أنه مادام هنالك مسؤولون غير أكفاء وغير شرفاء يصلون إلى مناصب القرار فلا يمكن الحديث عن قوة مؤسسات، وبالتالي فإن المواطن المغربي سيفقد ثقته حتما في هذه الأخيرة”، مشددة على أن الشعب المغربي “يطالب على مدى عقود بالعدالة الاجتماعية وهذا لن يتأتى إلا بوجود نخب ومؤسسات قوية، وفصل السلطة وخاصة مؤسسة القضاء، التي هي الركيزة الاساسية للقول بوجود مجتمع ديمقراطي”.

للشارع دور كبير

وفي الوقت الراهن، شددت منيب في تصريحها لـ”آشكاين” على أنه للشارع المغربي دور كبير في القرار السياسي، ضاربة المثل في ذلك بـ”حركة 20 فبراير التي أفرز خروجُها للشارع إقرار دستور جديد رغم نواقصه إلا انه أفضل من سابقيه، وكذا حراك الريف الذي أدى مؤخرا إلى الإعفاءات التي طالت عددا من المسؤولين البارزين”.

واقترحت منيب في هذا الصدد، “إحداث شبكة تجمع بين مكونات المغرب الكبير والتي من شأنها أن تنهض أكثر بهموم المواطنين المغاربة، وكذا لتقوية دور المغرب على المستوى الإقليمي والقاري، إضافة إلى حل مجموعة من المشاكل الراهنة العالقة وأهمها قضية الصحراء”، لافتة إلى “أن المراهنة على الشارع فقط غير كاف بل إن الأمر يستلزم وجود تكامل بين هذا الأخير ومؤسسات قوية”.

الشارع ليس عاملا حاسما

وفي نفس الصدد، قال الأستاذ الجامعي، والناشط الحقوقي والسياسي خالد بكاري، “أعتقد أن المؤسسات تؤثر في القرار، ولكن كذلك فالشارع ليس حاسما في إنتاجه، طبعا فالذي ينتج القرار هو المؤسسة الملكية باعتبار السلط الدستورية والرمزية والفعلية التي تحوزها، لكن لا يمكن المجازفة بالقول إن قراراتها الملزمة غير متأثرة بميزان القوى، وبشبكة المصالح الاقتصادية للوبيات اقتصادية محلية وعابرة للأوطان، وكذلك فإن الشارع بما هو تعبير عن مطالب اجتماعية من طرف الفئات الأكثر تضررا يكون أحيانا عاملا ضمن عوامل أخرى في صنع القرار، بمعنى أنه ليس العامل الحاسم”.

فالشارع، يضيف بكاري، خلال حديثه مع جريدة “آشكاين”، الإلكترونية “يفتقد لتعبيره التنظيمي الذي يحول المطالب من الاحتجاج نحو التفاوض، وغياب هذه الوسائط يسمح للمؤسسة الملكية بهامش من المناورة، والتفاعل مع الشارع بحسب قوته أو ضعفه، وبحسب استراتيجيتها وتصورها للمرحلة، وبحسب موقع دفتر المطالب ضمن اجنداتها للتحكم أو لتجديد الشرعية.. والدليل هو الإعفاءات الأخيرة المرتبطة باختلالات مشروع الحسيمة منارة المتوسط، إذ لا يمكن عزل هذه القرارات عن حراك الريف، فالحراك بقوته وزخمه أجبر صانع القرار على الخروج من سياسة التجاهل، ولكن التف على الحراك ومطالبه، ووجه البوصلة صوب مشروع منارة المتوسط، وبالتالي حسم وفق معادلة: المشكل في المغرب غير مرتبط بالحكم بل بالحكامة”.

وفي المحصلة، يختم بكاري،”فالمغرب يفتقد لمؤسسات صانعة للقرار أو مؤثرة فيه، والشارع رغم أنه قد يؤثر نسبيا في خريطة اولويات الدولة إلا أنه يفتقد بدوره لتعبير تنظيمي ينقله من الاحتجاج صوب التفاوض”.

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد