لماذا وإلى أين ؟

وثيقة 11 يناير.. الشجرة التي تخفي الغابة

دأب المغاربة كل سنة على تخليد ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال والتي تصادف 11 يناير، حيث تم إقرار هذا اليوم كعطلة وطنية.
ورغم كون هذا الموضوع قد كتب فيه العديد من المؤرخين والباحثين إلا أن مجموعة من أبناء الجيل الحالي يجهلون القيمة التاريخية لهذه المناسبة كما أن عدة جوانب من هذاالموضوع لازالت غير معروفة.

11 يناير.. الحدث والواقعة

يقول المؤرخ مصطفى بوعزيز: “إن يوم 11 يناير كان يوما استثنائي بالنسبة لمن وضعوا الوثيقة أما بالنسبة لبقية المغاربة فقد كان يوما عاديا”، مشيرا إلى أن ” المؤرخين المحترفين دائما ينظرون للحدث ووقعه في السياق التاريخي، وكيف دخل هذا الحدث للذاكرة وكيف تحول فيها، وهي مراحل أساسية لفهم الموضوع”.

ويضيف بوعزيز في حديث لـ”آشكاين” أن “وثيقة 11 يناير ليست حدثا وإنما واقعة صغيرة، أما الحدث فقد أتى فيمابعد، لأنه عند تقديم وثيقة معينة يمكن أن لا ينتج عنها حدث معين”، مؤكدا أن هذه الوثيقة “لم تكن الوحيدة بل هناك خمس وثائق أخرى قدمت من غير وثيقة 11 يناير التي قدمها حزب الاستقلال، ومنها وثيقة 13 يناير التي قدمها حزب الشورى، وهذه الاخيرة دخلت مرحلة النسيان ولم تعد موجودة لأن حزب الاستقلال كان أغلبية والأغلبية تطحن الأقلية”، حسب تعبير بوعزيز الذي يضيف، أنه “قبل هاتين الوثيقتين قٌدمت للسلطات الممثلة لدول الاستعمار في المغرب وثيقة 14 فبراير 1943 من طرف الحركة الوطنية في الشمال لحزب الوحدة المغربية وحزب الإصلاح وهي الأعمق وضمت ثمان صفحات، ومنها أخذت بقية الوثائق لكنها لم تعد موجودة، وقبلها هناك وثيقة 1936 التي كان قد قدمها الحزب الشيوعي المغربي ولكنها نُسيت، بالإضافة إلى وثيقة أخرى جهوية”.

ويبرز بوعزيز أنه كانت هناك اتصالات بين كل هذه الأطراف من أجل إصدار وثيقة موحدة لكن حزب الاستقلال ارتأى أن يضع وثيقة منفردة مما دفع بحزب الشورىإلى وضع وثيقة خاصة به بعد ذلك”، مؤكدا أن “الرواية القائلة بكون السلطان محمد الخامس طلب من أعضاء بحزب الشورى إلى التوقيع على وثيقة حزب الاستقلال حتى لا تظهر وكأنها غير متفق عليها من طرف أعضاء الحركة الوطنية، هي رواية استقلالية وردت عند عبد الكريم غلاب في كتابه تاريخ الحركة الوطنية، وتعرضت للنقد، الأمر الذي دفعه إلى تصحيحها في النسخة الثانية من ذات الكتاب”.

ويعتبر متحدث “آشكاين” أن “هذه الوثائق شكلت وقائع لكن الحدث هو 29 يناير”، موضحا أنه “بعد تقديم هذه الوثائق اعتقل عدد من الوطنيين وعلى رأسهم قادة حزب الاستقلال من طرف الإقامة العامة بالمغرب التابعة لفرنسا الحرة في وقت كانت فيه الأخيرة، موزعة بين فرنسا المستسلمة التابعة لألمانيا وبين فرنسا الحرة برئاسة دوغول والتي كان مقرها بالجزائر، وهذه الأخيرة هي التي قمعت التظاهرات القوية التي خرجت يوم 29 يناير بسلا والرباط وفاس بل وفي قلب القصر الملكي، بعد هذه الاعتقالات واجهتها(الاحتجاجات) بالرصاص الحي مما أدى لسقوط عدد من الضحايا، وهو الأمر الذي أعطى للمطالبة بالاستقلال بعدا شعبيا ومن سقطوا خلال هذه التظاهرة يمكن تسميتهم بالموقعين بالدم”، حسب تعبير المتحدث.

الموقعون على وثيقة 11 يناير.. 58 أم 66؟

يوضح بوعزيز “أن الوثيقة المتداولة حاليا والتي يظهر بها 66 موقعا، منهم 65 رجلا وامرأة واحدة، ليست هي التي وضعت في أول الأمر لدى الإقامة العامة وبقية المصالح الأجنبية”، معتمدا في قوله على كون “الوثيقة الرسمية الموجودة في الأرشيف الفرنسي والملكي والتي اعتمد عليها الملك الحسن الثاني في كتابه التحدي، تقول إن عدد الموقعين 58، وأن في هذه الأسماء لا يوجد بينها اسم مليكة الفاسي ولا اسم زوجها محمد الفاسي”، معتبرا (بوعزيز) أن “الأسماء التي أضيفت للوثيقة الرسمية تمت إضافتها سنة 1973”.
وعن سبب هذا التضارب بين الأسماء يجيب بوعزيز: “مليكة وزوجها كانا في قلب الحدث ولكنهما غير موقعين وإضافتهما فيما بعد كان إحقاقا للحق، عكس شقيقها الذي هو من الموقعين لكنه لم يساهم في هذه الوثيقة وكان خارج المغرب حينها، كما أن هناك من وقعوا على الوثيقة وغادروا المغرب قبل وضعها لدى الاقامة العامة والمصالح الأجنبية بالمغرب”.

ولماذا هذا الأمر؟ وهل كان هناك خطر اعتقال كل الوطنيين والقضاء على الحركة الوطنية؟ تسأل “آشكاين” فيجيب بوعزيز، ” نعم، لأن تقديم وثيقة من هذا النوع في ظرف الحرب العالمية الثانية شكل خطرا، وردة فعل دوغول كانت غير متوقعة وكان من الممكن أن يتم الاعتقال الشامل لكل الوطنيين وأن تكون هناك إعدامات بتهمة خدمة النازية”.
ويشير بوعزيز إلى أنه “كان من الطبيعي أن يستحضر قادة الحركة الوطنية هذا الخطر وأن يتعاملوا بحذر، أو ما يسمى تقدير المغامرة في المبادرة، ومن هنا وضعوا حساباتهم وفضلوا الاعلان عن عدد من الأسماء والتحفظ على بعضها”، مؤكدا أن “مليكة الفاسي وزوجها كانا من الموجودين في محيط السلطان محمد الخامس، وهما من كانا ينسقان بينه وبين الحركة الوطنية التي كانت ترفض إقحام السلطان وإحراجه مع الإقامة العامة، لذا تم تغييب كل المقربين منه عن الصورة، ولهذا تم التحفظ على وضع اسم مليكة وزوجها على الوثيقة الرسمية التي قدمت للإقامة العامة”.

من ذكرى حزبية إلى عطلة رسمية

وعن سبب تخليد ذكرى تقديم وثيقة 11 يناير دون غيرها من الثائق، يوضح المؤرخ نفسه أن هذا الاحتفال “كان يقيمه حزب الاستقلال فقط إلى حدود الثمانينات ليتم إقرارها مناسبة وطنية وعطلة رسمية، وذلك في إطار خطة شاملة من الدولة لتملك التراث الوطني لكي لا يستفيد منه طرف معين لمصلحته السياسية”.
“أكثر من 15 سنة وأنا أطالب الدولة بتغيير يوم تخليد هذه الذكرى من 11 يناير إلى 29 يناير”، يقول المتحدث نفسه ويردف ” أولا تكريما لمن سقطوا في هذه التظاهرات وثانيا لأن جميع الأطياف ممن قدموا الوثائق كانوا مشاركين في هذه التظاهرة وكذلك انصافا للحق”.

الرواية الرسمية

يقول مدير أرشيف المغرب، جامع بيضا، “لا شك أن عريضة الاستقلال التي قدمت بتاريخ 11 يناير 1944 قد نالت حظا وافرا من الدراسات، سواء داخل الجامعة أو خارجها”، معتبرا أن “مؤلفي المذكرات من رجال الحركة الوطنية أسهبوا في الحديث عن حيثياتها وظروفها والأحداث التي أعقبتها وجعلوا منها أول بادرة جريئة تأتي للمطالبة بالاستقلال بعد عقد من المطالب الاصلاحية التي بدأت سنة 1934 بدفتر مطالب الشعب المغربي”.

ويوضح بيضا في التصريح الذي خص به موقع “آشكاين”، أنه “منذ أن تقرر الاحتفال رسميا بهذه الذكرى، وجعل 11 يناير يوم عطلة وطني فإن الصحافة تخصص للحدث ملفات كل سنة وتساهم في ترسيخ الذكرى في أذهان الجيل الصاعد”، مشيرا إلى أنه “مع هذا القرار يجب الانتباه في شأن هذه المسألة إلى بعض نقط الظل”، مؤكدا أن ” عريضة الاستقلال هذه لم تكن أول مذكرة وطنية تطالب بالاستقلال إذ سبقتها إلى ذلك عريضة الجبهة القومية للوطنية المغربية، التي تأسست في الشمال من تياري كل من المكي الناصري وعبد الخالق الطريس، فقد قدمت هذه العريضة في 14 فبراير 1943 ، مطالبة باستقلال المغرب ووحدته وإلغاء معاهدة الحماية، وقدمت هذه الوثيقة للسلطان، وللمفوضيات الدول الكبرى بطنجة، وللقنصليتين الألمانية والإيطالية بتطوان”.

ويضيف ذات المتحدث “أن جريدة الوطن الشيوعية الصادرة سرا بالفرنسية، قد طالبت باستقلال المغرب في عدديها الوحيدين اللذين صدرا سنة 1942، وإن لم يستمر الحزب المشرف عليها ثابتا على هذا الموقف في السنوات الموالية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية”، مؤكدا أنه “من جهة أخرى فالروايات متضاربة حول المساعي التي قام بها أصحاب وثيقة 11 يناير 1944 للحصول على توقيعات القومين، أتباع الوزاني الذي كان حين ذاك في معتقله بإيتزر”، ومهما يكن من أمر، يردف بيضا “فإن القوميين تقدموا بدورهم بوثيقة يطالبون فيها بالاستقلال يوم 13 يناير، وهي الوثيقة التي تكاد تكون منسية في الإيسطوغرافية المغربية وفي وسائل الإعلام”.

وعن عدد الموقعين على عريضة 11 يناير 1944 ، يوضح متحدث “آشكاين” أن “وثائق الإقامة العامة لسنة 1944 والتي يمكن الاطلاع عليها في أرصدة وزارة الخارجية الفرنسية تجمع على أن عدد الموقعين كان هو ثمانية وخمسون”، وأن “الشيء ذاته يؤكده منشور لمكتب حزب الاستقلال بباريس سنة 1946 أي سنة بعد الحدث، بل ويورد لائحة الموقعين الثمانية والخمسون”، أما الكتاب الجامع المخصص لتاريخ المغرب والمنشور سنة 1967، يقول بيضا ” فيورد العدد تسعة وخمسون، فهل يتعلق الأمر بخطأ مطبعي فيكون المقصود هو الثمانية والخمسون ؟”، يتساءل ذات المتحدث ويشير إلى أن المؤرخ الفرنسي “شارل أنري جولين”يشير بدوره إلى ثمانية وخمسون موقعا”، مشددا على أن ” نفس الرقم يورده الحسن الثاني في كتاب التحدي”، وأنه على” المنوال ذاته سارت موسوعة مذكرات المغرب التي تحدثت عن 58 موقعا”.

ويبرز مدير أرشيف المغرب أنه “على الرغم من هذا الإجماع فالنصب التذكارية التي أقيمت في بعض المدن والخطب الملقاة في أجواء الاحتفالات والذكريات، كلها تذكر أن عدد الموقعين هو 66، وأحد هؤلاء الموقعين وهو الوطني أبو بكر القادري، الذي يمد القارئ في كتابه: مذكراتي في الحركة الوطنية (الجزء الثاني 1997) بالتفاصيل التالية عن الموقعين: من أعضاء الحزب الوطني: خمسون ، ومن قدماء تلامذة مولاي إدريس9، و3من مدرسة أزرو ومن الشخصيات الحرة 3، ويضيف اسما أخيرا وهو اسم الدكتور محمد الفاطمي الفاسي، محددا بأن اسمه لم يظهر واضحا في الوثيقة ويكون المجموع هو ستة وستون”.

وختم بيضا حديثه بالقول “لكن يبقى السؤال قائما: هل هذا هو القول الفصل؟ هل نقول لأبنائنا إن الموقعين كانوا 58 فأصبحوا 66 بعد ذلك دون أن نتمكن من أن نفسر لهم متى حصل ذلك؟ لماذا؟ وكيف؟”.

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد