لماذا وإلى أين ؟

الذكرى السابعة للربيع العربي…طموحات وردية وواقع أسود

فجأة، خرجت الشعوب عن بكرة أبيها من المحيط إلى الخليج، ترفع شعار “الشعب يريد”، واختلفت الأهداف بين التغيير الجدري والإصلاح، وتبعا لذلك، هرب بن علي وخلع مبارك وصالح وقتل القذافي، وأباد الأسد شعبا بكامله، كما ارتعدت عروش آخرين، لكن لم تتخيل هذه الشعوب- التي روضت على فتح فمها فقط عند طبيب الأسنان- أن الخروج عن هذه القاعدة يعني خراب بلدانها، وكأنه لا مجال للجمع بين الأمن والحرية.

وبمناسبة اقتراب الذكرى السابعة لما يسمى بالربيع العربي، تأخذ جريدة “آشكاين” قراءها، في رحلة بحث وتتبع لمصير الثورات، حيث التقت وتواصلت مع عدد من النشطاء من تونس ومصر واليمن وسوريا، سعيا إلى تسليط الضوء واستقاء المواقف من لحظة تاريخية غيرت وجه المنطقة، واتجهت بها إلى المجهول بدل الخروج من ظلمة نفق يسمى الاستبداد والفساد.

البداية كانت من فندق عمان الشام بالأردن، حيث التقى موفد “آشكاين” مع محمد جنهاني ممثل الشباب في المكتب السياسي لحزب التكتل الديمقراطي للحريات التونسي، الذي وصف الربيع العربي بـ”الخريف”، مستدركا حديثه بأن “مسار الثورة يتطلب وقتا أكثر، وأنها تحقق نتائج إيجابية بصفة تدريجية بعد تأسيس الجمهورية الثانية بدستور تقدمي، يضمن كافة الحقوق و الحريات العامة و أيضا الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية، و بناء نظام سياسي يمنع التفرد بالسلطة، إضافة إلى  إنشاء خمس هيئات دستورية أهمها هيئة الانتخابات التي  تتمتع باستقلالية كاملة، مع تكريس المحكمة الدستورية و هيئة حقوق الإنسان”.

في السياق ذاته، يعترف جنهاني أن “تونس تعاني من عدة صعوبات في تكريس هذه المبادئ، باعتبارها دولة ناشئة في الديمقراطية”.

ومن جهة أخرى، يعتبر القيادي في حزب التكتل أن “صعود باجي القايد السبسي، شكل هزيمة للأحزاب الاجتماعية أكثر من انتصار الثورة المضادة، لكونه استغل عدم قدرة الأحزاب السياسية في تونس على بناء قوة انتخابية، بينما تمكن حزب نداء تونس على صنع البديل، لكن هذا لا يعني أن كل من كان في حزب النداء هو من النظام السابق، بحيث هناك قيادات ثورية ويسارية موجودة داخل هذا الحزب، كما أكد المتحدث، أن حزب نداء تونس أصبح غير قادر بعد الانقسام على مواجهة أصوات الثورة والحق.

كما أشار جنهاني في سياق حديثه عن التدخل الأجنبي في الثورة، إلى أن تونس لم تكن منيعة من الأدوار الإماراتية والقطرية في الانتخابات، مبرزا أن كل طرف كان يقدم تمويلا لحزب معين، في إشارة منه إلى حزب نداء تونس الذي كانت تدعمه دولة الإمارات، وحركة النهضة التي كانت مسنودة من طرف دولة قطر، واستدرك المتحدث قائلا “أن تحالف هذين الحزبين أدى إلى تدهور العلاقات مع الإمارات التي كانت تريد إعادة سيناريو مصر”.

ثورة البوعزيزي تنتصر تشريعيا لا واقعيا.

وتتفق عزة نويرة، الأستاذة الجامعية بالمدرسة الدولية لإدارة الأعمال بمدينة سوسة، مع جنهاني، فيما يخص توجه تونس نحو تكريس الحقوق والحريات بالجيل الاول والجيل الثاني، لكنها تؤكد أنها حقوق لا تتجاوز المستوى التشريعي، وتحتاج إلى مسار طويل لتفعيلها”.

كما تشير المسؤولة عن العلاقات الخارجية في منظمة الشباب الاشتراكي الديمقراطي، إلى أن الوضع بتونس بعد إسقاط نظام زين العابدين ” أفضل على مستوى الحريات والعمل الحزبي والمدني، لكن بالمقابل، نعيش أزمة اقتصادية واجتماعية، فقد كنا على إدراك من الاول انها ستحتاج مدة زمنية طويلة نظرا للفساد الذي تغلغل خلال النظام السابق في أجهزة الدولة”، تضيف عزة.

ونفت المتحدثة، وجود أي تدخل أجنبي في الثورة، معتبرة أن تونس تأثرت “بالوضع الجيو-سياسي في المنطقة، فعمقنا الجغرافي مع ليبيا يعتبر مشكلا اقتصاديا لتونس، وسياستنا تُجاه بعض القضايا يتطلب الحذر كقضية الصحراء المغربية، وكيفية التعامل مع الحكومات والفصائل السياسية في ليبيا”. وأردفت عزة في نفس السياق، أن التدخل الأجنبي تجسد في “الاغتيالات السياسية التي مازالت للأسف صندوقا أسودا لا نعلم منفذيه إلى الآن”.

الإخوان والسيسي إجهاضا الثورة

اتجهت “آشكاين” نحو بلاد الفراعنة، لعلها تشكل صورة أكثر وضوحا عن مصير “الربيع العربي”، خاصة أن اسقاط مبارك ومعه حكم العسكر، شكل لحظة مفصلية في رفع زخم طموحات شعوب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فتمكنا من الحديث مع محمود ابراهيم أبو العيس قيادي بالحزب المصري الديمقراطي، الذي قال إنه “عندما انتفض الشعب المصري على حكم مبارك الاستبدادي في يناير 2011 كانت تراوده آنذاك أحلام التغيير وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتحسين الاوضاع الاقتصادية والحصول على الكثير من المكاسب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، لكن جاءت نتائجها مخيبة لآمال المواطن المصري”.

تابع أبوالعيس الذي يشتغل في المحاماة، أن ثورة 25 يناير”لم تحقق شيئا حتى الآن بسبب أطماع القوى التي كانت موجودة آنذاك، في الوصول للسلطة على أنقاض القوى الاخرى، ولم يتبق للكيانات السياسية المؤمنة بأهداف ثورة يناير إلا العمل بجهد أكبر، والانتشار في الشارع لتحقيق اهداف الثورة عن طريق صناديق الاقتراع، واستئصال الفساد المستشري في أركان الدولة وسط أجواء من تقييد الحريات ومحاولات قمع أي عمل سياسي موجود”.

واعتبر المصدر ذاته، صعود عبد الفتاح السيسي لسدة الحكم، ساهمت فيه جماعة الإخوان المسلمين بحيث استخدمت شباب الثورة المؤمنين بمبادئها للوصول للحكم، ثم تحالفت مع بقايا النظام القديم للإزاحة شباب الثورة والتيار المدني، ثم جاء دور بقايا النظام القديم في استخدام التيار المدني لإزاحتها عن السلطة”.

كما أكد أبوالعيس، أن الوضع في مصر “أصعب بكثير قبل 7سنوات” بسبب الأزمات الاقتصادية الحادة، وتقييد الحريات وعودة النظام القديم ليسيطر على مفاصل الدولة، نتج عنه تحديات ضخمة للتيار المدني المؤمن بمبادئ الثورة للوصول إلى الشارع مرة أخرى، وممارسة نشاطاته ونشر أفكاره “، وأردف أن الشعب المصري ينتظر “أي بارقة أمل يتمسك بها قبل السقوط في نفق مظلم قد يؤدى إلى الهاوية”.

لا يختلف محمد سيف الله أبولنجة، الباحث في الاقتصاد السياسي والسياسات العامة، في تقييم الثورة المصرية عن أبوالعيس، فهو يجزم أن ثورة 25 يناير لم تحقق أهدافها بعد 7 سنوات من اندلاعها، موضحا أن”التحول الديمقراطي في مصر تعثر نتيجة لاختزال العملية الديمقراطية في الانتخابات، والثورية في التظاهرات”. الأمر الذي أنتج وضعا أسوء من فترة حسني مبارك، التي كان بها فساد مع نمو اقتصادي غير عادل، ورواج تجارى غير مستدام”، بحيث هناك انكماش اقتصادي مع هدر وغلاء في المعيشة، ودرجات أعلى من القمع وهامش أقل من الحريات اللهم إذا استثنينا مكتسبا شكلي واحد هو دستور2014″، بحسب وصف أبولنجة.

ويعتبر المتحدث – أحد الشباب الثورة- أن عبد الفتاح السيسي الذي وصل إلى قصر الاتحادية في قاهرة المعز، هو مجرد ممثل عن الأجهزة السيادية من أمن وطني، ومخابرات عامة وحربية التي لم تغب عن المشهد قط ولا لحظة”، مبرزا أن ذلك ساهم فيه كذلك “غياب تنظيم يمثل التيار المدني في الحكم”.

ويعتقد أبولنجة، أن التدخل الأجنبي أفاد الثورة من حيث “الانفتاح على العالم والحشد والتأييد”، وبالمقابل ” أضرها من حيث استغلال الاستخبارات العالمية والتلاعب بالوضع”، مضيفا أن ” جماعه الإخوان تم قمعها واستهداف كوادرها بشكل عنيف” في سياق توازنات التحالفات الدولية التي لا تهتم بالديمقراطية بقدر ما توازن بين مصالحها الاستراتيجية في ظل حكم الاخوان مقابل حكم الأجهزة السيادية”.

بلاد سبأ مهددة ببأس التفكك

انتقلت “آشكاين” إلى الوجهة الأكثر اشتعالا في جزيرة العرب، إلى اليمن الذي لم يعد سعيدا، وربطنا الاتصال بأحد النشطاء السياسيين، أبو أنس لحمان، من مدينة يافع، الذي بدء حديثه بالإشارة إلى السياق الذي حدد مسار الثورة على عبد الله صالح سنة 2011، حيث أكد أن “الأوضاع التي مرت بها البلاد كانت تنذر بقيام الثورة منذما بعد عام 1990، إذ ظلت قوتان تقليدية في الشمال، هي المتحكمة باحتواء ردات فعل الشارع عن طريق القبيلة، كعهد صداقة مرحلي بين تلك القوى، حتى توافرت ظروف فضها في 2011م.

وأردف الشاعر اليمني، كاشفا أن “الحقيقة هي أننا عشنا وضعا ثوريا، ومقدمات ثورة ولم نشهد ثورة”، وتابع موضحا، “صحيح خرج الشباب بنوايا صادقة حاملين أهدافا ثورة نقية طاهرة، كانت قوى حزب الإصلاح هي المحرك لها من الباطن، ليتم بعد ذلك “وبوضوح” ركوبها وتدنيسها واحتوائها من خلال انضمام رموز كانوا رأس الفساد، وقاعدته إلى الثورة بهدف الاحتواء. ثم دخلت القوة الحوثية بنفس الثوب الشريف والنظيف، وبنفس نفسية حزب الإصلاح ونواياه التي وضعت الوطن والمواطن على هامش مصالح الفئة والأحزاب، لتتحول نقاوة الثورة الى صراع في بطن الثورة، تمخض لنا عن انقلاب اخواني في صورته الأولى، وانقلاب حوثي في صورته الحالية”.

يذهب لحمان إلى ابعد من ذلك، فهو يقر أنه لا يمكننا الحديث عن تلك المرحلة “كثورة” بل كامتداد لحالة الصراع بين تلك القوى التقليدية، راجعا ذلك إلى أنه ” عندما تدخل التحالف العربي، كان هناك انقلاب وحروب تشن على الوطن والمواطن. بينما “الثورة احتوتها قوى الإصلاح والحوثي، منذ لحظاتها الأولى”، فجاءت المبادرة الخليجية “كتوافق بين نفس القوى المؤتمر والإصلاح والحوثي، ولا وجود لأي قوى ثورية وطنية في تلك المبادرة، بعد أن احتواها حزب الإصلاح وموز الأحمر، وقوى أنصار الله، ليدخلوا باسم الثورة في تلك المبادرة”.

شدت “آشكاين” الرحال من يافع إلى عدن، بواسطة تقنيات التواصل الحديثة، وبعد إقناع عبد العزيز المنصوري، القيادي في المقاومة الجنوبية، بالحديث والذي بدى متأسفا على ما آلت له الأوضاع في بلاده، حيث أكد أن ” الثورة الشبابية اليمنية قتلت نفسها عندما سمحت للأحزاب والقيادات التي كانت جزء من (النظام السابق الى اخر لحظة)بالركوب عليه، وتوجيهها وتحولت الثورة الى اداة للصراع الحزبي، وصراع المصالح لنفس النظام السابق وبذلك اعلنت وفاتها بفقدان السيطرة على دفة القيادة”.

ومع مرور السنوات وازدياد الأمور  تعقيداً، أصبح جلياً أن رياح التغيير الشعبية والثورة، أصبحت اقل تأثيرا مما كان متوقعا، في ظل وجود امبراطوريات المال والاعلام، والتحكم بالعقل البشري عن بعد التي ترسمها مصالح الدول، حيث أصبحت هذه الأخيرة  القادرة على رسم السيناريوهات وتطبيقها على الواقع، اما إرادة الشعوب فيبدو أنها هامشية، والأيام أثبتت أنه من السهولة توجيه العقل البشري وزرع التشتت والتشرذم، وتوجيهها نحو الصراع والتدمير الذاتي؛ خصوصاً الشعوب العربية والإسلامية” يقول العميد الطيار في سلاحالجو اليمني.

وفي لحظة، تغيرت لغة المنصوري من التأسف إلى التفاؤل، لكن مفعمة بنزعة الانفصال، فهو يرى أن هناك”بارقة امل بالنسبة للثورة الجنوبية التي تختلف في مضمونها عن بقية ثورات الربيع العربي”، مشيرا إلى ان الجزء الاساسي في استعادة الاستقرار والامن لليمن، يكمن في اعطاء الجنوبيين حقهم في استعادة دولتهم، واعطاء الشعب في الشمال الحرية، ومساعدتهم في اختيار من يقودهم،مع مساهمة الدول الكبرى في منع عودة الادوات القديمة، التي كانت سبب كل هذه الكوارث ودعم القيادات الشابة غير الملطخة والبعيدة عن التكوينات القبلية والمذهبية والمتسلحة بالوعي”.

سوريا.. مقبرة الربيع

وعملت “آشكاين”، في رحلتها الاستقصائية عن مصير ثورات الربيع العربي، إلى الوصول إلى النشطاء السوريين، بقصد تقديم صورة متكاملة لقرائها، وبعد البحث على شبكات التواصل الاجتماعي، التقينا بـ”عبديل الأسد”، أحد السورين الداعمين للنظام السوري، الذي هجرته الحرب إلى بيروت اللبنانية، والذي رفض بشكل قطعي توصيف ما وقع في بلاد زنوبيا ملكة تدمر، حيث قال” الثورة؟ أي ثورة، لم تكن أبدا ثورة، لم تكن موجودة”، وأضاف بانفعال “سوريا التي أعرفها دمرت بالكامل”.

وتابع، الأسد واصفا واقع الحال في بلاده، قائلا: “تركت سوريا 6 سنوات بسبب الصراع، وقد دمرت، قتل عشرات الآلاف، وشرد الملايين والمعالم التاريخية دُمرت إلى الأبد”، كما أشار إلى أن الاقتصاد السوري في حالة يرثى لها، موضحا أنه “منذ عام 2010، تقلّص الناتج المحلي الإجمالي في البلاد إلى النصف”.

حاولنا الوصول إلى نشطاء سوريين يمثلون وجهة نظر المعارضة السورية، لكن عدد منهم خاصة الموجودين بمخيم الزعتري على الحدود الأردنية السورية، رفضوا الإدلاء بأي تصريح، فعملنا على التواصل مع الشاعر أنس الدغيم المتواجد في الداخل السوري بمدينة إدلب، فبعد أن وافق على محاورته عن مصير الثورة السورية، تفاجئنا بأنه لم يعد يرد على رسائل “آشكاين”.

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد