لماذا وإلى أين ؟

لماذا بقي العنف باسم الدين حكرا على المسلمين ؟

أحمد عصيد*

السؤال في العنوان أعلاه من الأسئلة التي أصبح يطرحها المواطن البسيط اليوم، حيث صار الجميع يرى رأي العين بأن الحروب الدينية والطائفية تكاد تصبح مقتصرة على المسلمين وخاصة في بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط. فلا اليهود ولا المسيحيون ولا الهندوس ولا البوذيون ولا البهائيون ولا غيرهم كثير، ظلوا يقتتلون فيما بينهم بسبب العقيدة، أو ينادون بـ”القتال” و”المقاتلة”، معتبرين ذلك واجبا مقدسا وموظفين نصوصا دينية لتبريره، رغم أن أتباع الديانات الأخرى عرفوا كلهم في تاريخهم حروبا بسبب الدين في فترات سابقة، لكنهم توقفوا عن ذلك منذ زمن غير يسير، ليظل القتل والتخريب الدائم باستعمال الدين حكرا على المسلمين، ليس في بلدانهم فقط، بل نقلوا ذلك إلى بلدان الغير التي أصبحت مسرحا لأحداث إرهابية خطيرة جعلت الإسلام في وعي الرأي العام العالمي مرتبطا بالعنف والاعتداء والجرائم الدموية.

فسواء تعلق الأمر بالعراق أو سوريا أو مصر أو تونس أو مالي واليمن وليبيا وكينيا وباكستان والصومال ونيجيريا وإفريقيا الوسطى وأنكولا، أو بفرنسا وبلجيكا وإسبانيا والدانمارك وإنجلترا وتركيا وأمريكا إلخ.. فالمسلمون في السياق الراهن هم أبطال الإرهاب والصراع الطائفي بلا منازع.

والحقيقة أن الجواب على السؤال المطروح يقتضي تناول عناصر كثيرة متشابكة، يتداخل فيها السياسي بالاقتصادي والثقافي والديني، لكنها كلها في النهاية عناصر أفضت إلى ترسيخ عنصر واحد أصبح بمثابة الثابت الذي ألقى بالدين الإسلامي في أتون الفتن التي لا تنطفئ إحداها حتى تشتعل أخرى، ألا وهو عامل استعمال الدين الإسلامي وتوظيفه في السعي نحو الحكم والسيطرة، واعتباره دولة وغلبة، ومحاولة فرضه بوصفه نظاما عاما سلطويا وليس مجرد اعتقاد شخصي.

فمعلوم أنّ من المبادئ الرئيسية التي ترسّخت في عصرنا وانبنت عليها أنظمة ودول ناجحة ومزدهرة، ضرورة إبعاد الدين عن الصراعات السياسية، وعن شؤون تدبير الحكم وتسيير المؤسسات الحديثة وخوض غمار الحملات الانتخابية، التي تتصارع فيها البرامج السياسية وليس المعتقدات والأديان أو الألوان أو الألسن واللغات أو الأنساب العائلية أو الأعراق والأصول القبلية، التي قد يختلف فيها الناس اختلافا كبيرا، ذلك أن ما يجمعهم تحت سقف الوطن الواحد هو الانتماء إلى الأرض والجنسية الوطنية الجامعة، رغم أنهم يختلفون في الأمور المذكورة.

وسبب إرساء هذا المبدأ أن إقحام هذه الاختلافات قد يجرّ إلى اعتمادها في تزكية الذات والتحريض ضدّ الخصوم السياسيين، مما يقود رأسا إلى الفتنة والاقتتال كما حدث في كل بلدان العالم من قبل، وما زال يحدث حتى الآن في العديد من البلدان الإسلامية، كما أن السبب الآخر هو أن إقحام العناصر المشار إليها في ميدان الصراع السياسي يؤدي إلى تقسيم الناس على أساس العقيدة والطائفة أو القبيلة أو العرق واللون عوض تمييز بعضهم عن بعض بالألوان السياسية والمشاريع المجتمعية والتنظيمات المختلفة، حيث لا يبقى التنافس الشريف هو المنطلق بل الحزازات والنعرات والعواطف الهوجاء التي لا يمكن معها تدبير الاختلافات سلميا.

من جانب آخر فإن الحكم بالدين واعتبار السياسة قرارا إلهيا يجعل المرجعية الدينية معرضة لكل أنواع النقد والتقويم والهجوم من طرف الفئات التي طالها الظلم من جراء إقحام العقائد الثابتة والنصوص الدينية التي ترتبط بسياقات سابقة في شؤون الحكم والدولة والتدبير المؤسساتي الدنيوي، التي هي مجال تجاذب وصراع ونقاش دائم، وتشكيك من طرف المعارضة السياسية، التي واجبها النقد من أجل التصحيح والرقي بالوضعية الإنسانية. وهو ما لا يمكن القيام به في حالة استعمال الدين في السياسة، حيث يصبح النقد والتشكيك في القوانين الثابتة المستلهمة من الدين مدعاة للتكفير والتحريض والمحاكمات الدينية ـ السياسية، والتصفيات الجسدية.

ورُب قائل يقول كيف يمكن أن ينجم الظلم عن اعتماد الدين في السياسة، هل الله يظلم الناس ؟ فنقول إن هذا السؤال مبني على بديهية غير صحيحة وهي أن الناس جميعا على شاكلة واحدة ودين واحد ومذهب واحد وفهم واحد، بينما الحقيقة هي اختلافهم في ذلك كله، من جانب آخر فحتى لو اتبعنا منطق المؤمنين نفسه، فيبدو أنّ الظلم مصدره أن الله الذي يعرف وحده الدلالات الحقيقية لكلامه ونصوصه لا يمكن أن ينزل بنفسه ليحكم بين الناس فينصفهم، بل يتولى ذلك نيابة عنه بعض البشر الذين يزكون أنفسهم بأنهم وحدهم العارفون بما قصده الله ورمى إليه، بينما الحقيقة أنهم غير مفصولين عن مصالحهم وأهوائهم وسياقات عملهم وانتماءاتهم التي تجعلهم يفهمون الدين بهذا الفهم أو ذاك، واعتماد نصوص يعتبرون أنّ فهمهم لدلالاتها هو الفهم الصحيح و”القطعي”  و”الثابت”، ولأن هناك دائما من يخالفهم في فهمهم لتلك النصوص فإن الصراع يؤدي حتما إلى اتهام بعضهم البعض بالكفر والخروج عن الدين، فيسعى بعضهم إلى تصفية البعض الآخر كما حدث منذ بداية الإسلام، وهي أمور تخرج كلها عن مجال السياسة الرشيدة والتدبير العقلاني للاختلاف المتعارف عليه في الحياة السياسية الديمقراطية.

وحتى عندما يعتقد الناس أن بعض “العارفين” أفضل وأكثر مصداقية من بعض، ويجعلون منهم مرجعيات فقهية تُستقى منها الأحكام، فإنهم سرعان ما يختلفون بسبب التحولات التي تطرأ على حياتهم وظروف عيشهم، فيسعى الذين يتولون تدبير الدولة بالدين إلى الإبقاء على تفسيراتهم السابقة حماية لمصالحهم ولسلطتهم على المجتمع، التي تشكلت عبر الحقب والأزمنة ومنحتهم إمكانية ممارسة الوصاية على حياة الناس ومصائرهم، ويسعى غيرهم إلى محاربتهم من أجل التغيير ورفع الظلم، فتقع الفتنة وتدوم لزمن غير يسير. وهذا ما يفسر استمرار الاقتتال باسم الدين من بداية الإسلام إلى اليوم، أي من مرحلة “الفتنة الكبرى” إلى العصر الذي نحن فيه.

ولعل الأحداث المتعاقبة والعبر المتواصلة تشكل دروسا بليغة من التاريخ، لكن العقل الإسلامي لا يبدو أنه قد ألمّ بها وأحاط بحكمتها، فتراه يحرض على مزيد من الفتنة (كما فعل “اتحاد علماء المسلمين” بالدعوة إلى “الجهاد” في سوريا ) بل إنه يعمل بهمة نادرة على إيقاظ الفتن النائمة بإقحام الدين في السياسة حتى في الدول المستقرة، ومعلوم أن هذا النوع من الاضطرابات الخطيرة لا يمكن أن تخمد بشكل نهائي إلا بإرجاع الأمور إلى نصابها، أن يكون الدين لله: أي موضع اعتقاد الأفراد، والوطن للجميع: أي موضع انتماء الكل الذين تحميهم الدولة، وأن يتم تدبير شؤون الحكم والدولة بالتوافق بين أعضاء المجتمع والتداول بين القوى السياسية، مع التطوير والتحسين والمراجعة الدائمة للقوانين عبر الحوار الوطني والنقاش العمومي للأمور العملية، بعد إرساء التعاقد المطلوب على ثوابت كبرى تضمن حقوق الجميع، وتحمي كل الأطراف بعضها من بعض، وتظل موضوع احترام جميع القائمين على تدبير الشأن العام، بناء على  دستور ديمقراطي يعتبر القانون الأسمى للبلاد.

أما فيما يخص دور الأطراف الأجنبية في إذكاء الحروب داخل العالم الإسلامي مثل ما تقوم به بعض الدول الغربية على وجه الخصوص، فهو عامل موضوعي لا جدال فيه، لكنه عامل خارجي يأتي بعد العوامل الداخلية التي يقتات منها، فليست أمريكا مثلا هي التي دفعت المسلمين إلى قتل عثمان في القرن الأول، ولا هي التي دفعت عائشة أم المؤمنين إلى مقاتلة علي بن أبي  طالب، ولا دفعت معاوية إلى منازعته أيضا، ولا جعلت الخوارج ينادون بمحاربة الكلّ، ولا صنعت الوهابية في القرن الثامن عشر وجعلت محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود يأمران بقتل مئات الآلاف من العرب المسلمين ذبحا باسم “إقامة السنة” و”محاربة البدع”، ولا هي التي أوجدت “الإخوان المسلمين” في مصر سنة 1928 ليحدثوا التشظي الذي فرق المجتمع المصري وأعاده إلى الوراء مئات السنين، إن حقيقة “المؤامرة الغربية” على المسلمين تلخصها العبارة التالية التي كتبها برنار لويس مستشار الرؤساء الأمريكيين ومهندس تقسيم الشرق الأوسط عندما قال بعد أن فصّل خريطة التقسيم: “ولسوف لن نعتمد في تنفيذ هذا المشروع على أساس قوتنا وذكائنا بقدر ما سوف نعتمد على غباء الطرف الآخر” وغباء الطرف الآخر كما فسره برنار لويس نفسه هو تشبث العرب بالتقاليد التي منها استعمال الدين في السياسية واعتماد النعرات الدينية والقبلية والعرقية التي لا علاقة لها بعصرنا، فالمؤامرة في الحقيقة تعود بالدرجة الأولى إلى معرفة الغربيين بنقط ضعف المسلمين، وإلى إصرار المسلمين على التشبث بأسباب تخلفهم وتقديم الهدايا لغيرهم.

ماذا لو قرر المسلمون في بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط ترتيب بيوتهم الداخلية على أساس العدل واقتسام الثروة والمساواة التامة وتدبير الاختلاف واحترام الحريات وقيم الديمقراطية ؟ من المؤكد أن المؤامرات ستجدهم شعوبا متراصة وموحدة ليس على أساس عقيدة أو عرق أو قبيلة أو لون لأن هذا مستحيل، بل على أساس الشعور بالطمأنينة والثقة في دولهم، وهذا هو الغائب الأكبر

*كاتب وباحث أكاديمي وناشط حقوقي

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها حصرا.

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد