لماذا وإلى أين ؟

“الكونكوبيناج”… قصص وحقائق غير مسبوقة لـ”أشباه أزواج” مغاربة

هو زواج بدون عقد شرعي، وعيشة أقرب ما يمكن إلى العلاقة الزوجية، اختار طرفاها العيش تحت سقف واحد، وسرير واحد، ومشاركة حلو الحياة ومرها، إلى أجل مسمى أو غير مسمى، كما أن الفراق يتم بأقل “الخسائر”، إذ يتجنب الطرفان طول المساطر القانونية في المحاكم، وبذلك فقد خرجا عن العادة والمألوف وتحدّيا الأعراف والتقاليد، بل إنهما “تحديا” القانون أيضا بقصد أو بغير قصد، فأدارا ظهريهما للقيل والقال.

“الكونكوبيناج” أو التَّساكُن، من أكثر أنماط الحياة سرية في المغرب، فرغم شيوعه في البلدان الغربية، إلا أنه لا يزال مسكوتا عنه ها هنا، نظرا لحساسية الموضوع، بفعل عدم تقبل المجتمع لممارسة “غير شرعية” خارج إطار الزواج الموثق بقوة القانون والدين والأعراف، مما يجعل مسألة الدخول في علاقة التزام مع شريك الحياة بهذا النمط “الغريب” على المحك.

فنظرا لكون الظاهرة تلفها سرية كبيرة في أغلب الأحيان، ونظرا لعدم اهتمام هيئات حقوقية أو رسمية بالموضوع، فليست هناك أرقام واقعية لعدد “أشباه الأزواج” الذين اختاروا التساكن كنمط عيش.. لكن من خلال استقصاء ميداني أجرته جريدة “آشكاين” الإلكترونية، تبين أن التساكن يعرف نموا ملحوظا في أهم وأكبر المدن المغربية، أبرزها؛ الرباط، الدار البيضاء، طنجة، مراكش وأكادير…

وثيقة ماشي هي اللي غادي تتحكم فحياتي

“أنا تايقة فيه وهو تايق فيا، وكانبغيو بعضياتنا ومقتنعين بهادشي، وباغا نكمل معاه حياتي، ووثيقة يمكن تتحرق ويمكن تتقطع، ماشي هي اللي غادي تتحكم فحياتي”، بهذه العبارة بررت سعاد (25 سنة) لجوءها إلى التساكن كحل للعيش مع حبيبها أمين، منذ أن كانا يتابعان دراستهما في المرحلة الجامعية، إلى غاية دخولهما سوق الشغل قبل سنتين.

“ما أعجبني كثيرا، هو أننا شكّلنا ثنائيا مثاليا داخل البيت وخارجه وبين الأصدقاء، نكنس معا، نطبخ معا، نسافر معا، أجرتي الشهرية هي أجرته والعكس صحيح”، تقول سعاد ثم تضيف، “أخبرنا صاحبة المنزل الذي نكتريه أننا متزوجان، ورغم أنها شككت في الأمر إلا أنها لم تمانع في منحنا مفاتيح الشقة مقابل دفع واجبات الكراء خلال بداية كل شهر، لأن ذلك هو الأهم بالنسبة إليها”.

كانت سعاد تتحدث بعفوية وثقة كبيرة في النفس وبدون خجل أو خوف، وكأنها مستعدة للبوح بكل الأسرار بخصوص الموضوع.. “لماذا مثلا لا تضعين خاتما في أصبعك، قد يُظهر للعامة أنك متزوجة ويُخفض الضغط عليك؟” تسأل “آشكاين”، فتجيب سعاد:” أي ضغط؟ هذا مجرد هراء، لا يهمني ما يقوله الناس بقدر ما تهمني حياتي وكيفية تسييرها، لا أجد أي معنى لهذا النفاق الإجتماعي، خاصة بعد أن تغيرت قناعاتنا الفكرية”.

التأقلم مع الصدمة … والرضوخ للواقع

أمضى أمين وسعاد، حياة لا يُعكر صفوها سوى بعض المشاكل البسيطة والتي يعتبرانها بمثابة “التوابل” التي تُضفي حلاوة على الأيام المتشابهة، إلى أن تم تعيينهما في مدينتين مختلفتين، تبعدان عن بعضهما بمئات الكيلومترات، “بقدر ما كنا بحاجة لعمل قار في القطاع العام، بقدر ما كنا مصدومين من هول الفاجعة، كل الأفكار كانت تدور في رأسي آنذاك، إلا أن أهمها هي كيف لي أن أعيش بعيدة عن أمين، وكيف لنا ألا نستمر في ما بدأناه؟”، تقول سعاد، ثم تستدرك، “حبنا أقوى من أن تتم زعزعته وتحطيمه بهذا القرار الذي وإن كان غير مقصود إلا أنه لن يفرق روحا عن توأمها”.

المثير في الأمر، أنه رغم بُعد المسافة وقساوة الظروف الإجتماعية المحيطة بهما، وإكراهات العمل، إلا أن هذين الزوجين واصلا “تمردهما” عن المألوف، فتقول سعاد بهذا الخصوص، “أنا أشتغل في نواحي مدينة تازة بينما أمين يقطن ويعمل في العرائش، إلا أننا نقضي نهاية الأسبوع سويا، في منزله أو في منزلي، تنطلق الرحلة مساء الجمعة والعودة تكون مساء الأحد أو صباح الاثنين، كما أننا نستغل جميع العطل سواء السنوية أو خلال المناسبات، بل إننا نبالغ كثيرا في التضرع بالشواهد الطبية لنبقى بجانب بعضنا لأطول وقت ممكن، غير أن هذا الواقع لا يجب أن يستمر نظرا لما نستنزفه من مصاريف في التنقل، لذلك ارتأينا توثيق عقد الزواج حتى أتمكن من الإلتحاق بالزوج كحل نهائي لهذا المشكل، هو أمر مناقض تماما لأفكارنا التقدمية والحداثية، إلا أنه يبقى الحل الوحيد أمامنا، مرغمة أختك لا بطلة، في انتظار أن نحقق حلمنا المتمثل في العيش خارج المغرب للانسجام مع قناعاتنا”.

مثليتان تحت سقف واحد

هدى (25 سنة) طالبة جامعية وناشطة نسوية، وماجدة (26سنة) مستخدمة في شركة مختصة في توزيع مستحضرات التجميل، فتاتان اعترفتا لـ”آشكاين” بمثليتهما، التي كانت أهم دوافعه للجوء إلى التساكن، كحل يبقيهما جنبا إلى جنب، فتشرح ماجدة ذلك بالقول:” تعرفت على هدى قبل سنتين في إحدى التظاهرات الفكرية وأُعجبت بجرأتها ودفاعها المستميت عن المرأة وكذا بمبادئها التقدمية فتقربنا من بعضنا كثيرا واكتشفنا ميولنا الجنسي المتشابه، ومن هنا انطلقت علاقتنا لكن كل واحدة تقطن مع صديقاتها، فكانت نقطة التحول أن نقرر الإقامة في شقة واحدة في أحد أحياء مدينة الرباط”.

كونهما فتاتان، هو طبعا أمر لا يبعث على الريبة وسط المجتمع، خاصة أمام الجيران وصاحب الشقة الذي لم يتردد ولم يبحث في أمورهما الشخصية، يوم قررتا بدء الحياة الجديدة..”الله يعمرها دار هاد البنات، ماعمرني سمعت عليهوم شيحاجة خايبة، تايجيو من الخدمة أو لقراية للدار وماعندهومش مع كثرة الرّْجْل”، هكذا علق عبد الله (62سنة) في تقييمه للسنتين اللتين قضتهما هدى وماجدة داخل الشقة التي يمتلكها، ويردف في حديث ودي مع “آشكاين”، “كايهموني جوج حوايج، مايدخلوش معاهوم الدراري، والخلاص ديالي يوصلني فراس الشهر”.

أكيد أن عبد الله، لا يعرف شيئا عن ميولات هدى وماجدة الجنسية، وإن علِم بذلك فلن يًصدق ولن يكترث للموضوع بقدر ما سيستشيط غضبا إذا علِم أنهما تستقبلان شبابا في الشقة، لأنه –وكما عاينت “آشكاين”- إنسان “ملتزم” دينيا بلحية سوداء وحمراء تُغطي معظم وجهه، أمام محله التجاري.

علاقة مسؤولية، لكن…

ماسكة بيد هدى، ناظرة إليها بإعجاب، وبعد تنهيدة عميقة تقول ماجدة:” هو شعور غريب أكثر من مجرد حب، فأنا أحس بأنني مسؤولة على هدى، إذ تكلفت منذ انخراطنا في هذه العلاقة، بكل مصاريف دراستها الجامعية وما يرافق ذلك من تكوين وبحوث وكتب، بحكم أنني أتقاضى أجرا محترما.. بل إنني أدللها وغالبا ما أمنعها من القيام بالأشغال المنزلية حين تكون غاطسة في بحوثها ودراستها”.

وكأغلب المثليات والمثليين المغاربة، بقيت علاقة الفتاتين حبيسة السرية بين أفراد عائلتيهما، وكل ما يعرفونه هو أنهما تكتريان شقة في الرباط بعد أن جمعتهما ظروف العمل هناك، ورغم أن هدى وماجدة تتبادلان الزيارات بين الحين والآخر لبيتيْ العائلتين، حيث تنامان في غرفة واحدة، إلا أن الأهل لم يلمحوا شيئا قد يثير الشكوك حول هذه العلاقة.

لكن، تصادف لقاء “آشكاين” بالفتاتين مع حصول هدى على منحة وتأشيرة للدراسة بعد ستة أشهر بإحدى دول أوروبا الشرقية، كان ذلك بمثابة زلزال هز أركان العلاقة على المدى القريب، لكنه بمثابة الفرَج لأن حبيبتها وعدتها باللحاق بها مهما كلفها الثمن، على أن تُفكرا في زواج مثلي خارج الوطن، وهو زواج لن تصير له قيمة أو وجود إذا ما عادتا إلى المغرب يوما ما.

فتاة غير متدينة مع شاب يعمل في منصب حساس

طرقت “آشكاين” باب شقة جيهان (26 سنة)، ففتحت بخفة وهي تستقبل الزائر بحرارة فتدعوه للجلوس، منزل منظم أثاث نظيف كل شيء في مكانه، مطبخ مجهز، وروائح زكية تنبعث من كل الأرجاء، يشعر المرء أنه فعلا داخل بيت أم مغربية تعتني بأدق التفاصيل.. “فرغت للتو من تنظيف الملابس”، تقول جيهان، قبل أن تسألها “آشكاين”، “لكن هل تقومين بذلك لوحدك؟”، فردت “طبعا لا، فحبيبي يساعدني في أعمال البيت كلما سنحت الفرصة، لكم بحكم عمله في جهاز أمني حساس يتأخر عن المجيء للبيت وبذلك أكون ملزمة بالطبخ لأهيئ له عشاءه أو وجبة الغذاء وأحيانا نستقدم كل شيء من المطاعم أو محلات الوجبات الخفيفة”.

اعتادت جيهان حياة “التساكن” فقد أكدت أنه سبق لها أن خاضتها في مناسبتين مع شخصين سابقين، داخل شقة تعود ملكيتها للعائلة وسط العاصمة الرباط، وبعد حصولها على فرصة عمل بمدينة تمارة، قررت إيجار الشقة، بمبلغ 6000 درهم وبالمقابل استأجرت شقة بالقرب من مقر عملها بمبلغ 2500 درهم، تقتسم مع محسن أداء هذه المصاريف كل شهر.

“لا أفكر في الزواج، ولا أؤمن بمؤسسة الزواج.. أفكاري تقدمية وقناعاتي الفكرية منافية تماما لما هو متواجد في أرض الواقع”، تقول جيهان، ثم تعترف، “أنا غير متدينة منذ سنوات وهذا ما دفعني إلى الإنسلاخ شيئا فشيئا عن العائلة التي تقطن أيضا بنفس المدينة، ودفعني أيضا إلى العيش مع شريك الحياة عبر التساكن”.

أنام مع حبيبي بحضور أمي

“أنا ماممسوقاش لشنو غايقولو الناس، عائلتي عارفين كولشي، أبي غير مكترث بتاتا بما يحصل في العائلة، وأمي تعلم كل شيء، بل إنها تزورني بين الحين والآخر، وأنا كذلك أفعل”، تقول جيهان، قبل أن تستوقفها “آشكاين”، “هل سبق لأمك أن قابلت حبيبك الذي يقطن معك؟”، وبكل ثقة تجيب المتحدثة، “طبعا، فأحيانا تقرر أمي المبيت عندنا، ويتزامن ذلك مع تواجد محسن، فنهيئ العشاء ونجتمع على طاولة واحدة ونشاهد التلفاز ونتبادل أطراف الحديث كعائلة، وعندما يحين وقت النوم أدخل غرفتي رفقته، بينما تنام أمي في الصالة، لقد اعتادت على ذلك ولا تمانع أبدا”.

جيهان تؤكد على أنها ليست متخوفة من أن يتم اعتقالها رفقة حبيبها من طرف الشرطة، نظرا لأن ما يقومان به مخالف للقانون، وتعلل ذلك بكون حراس العمارة يخبرونها بأدق التفاصيل، بل إن أمر الإعتقال شيء مستبعد جدا، لأن محسن يعمل في منصب أمني، وبالتالي فذلك سيساعدهما للخروج من المشكل كالشعرة من العجين، إذا حدث الأسوأ، وفقا لتعبيرها.

“ليس هناك هدف لهذه العلاقة، بل يمكنني تسميتها تمضية للوقت لا غير، فأنا سأغادر المغرب بعد شهور من أجل العمل في دولة خليجية، وقد يكون ذلك بمثابة آخر المشوار في علاقتي مع محسن، كل واحد الله يعاونو”، ثم تتابع، “على أي فأفكارنا غير متشابهة، وكما أسلفت الذكر فأنا لست متدينة، الأمر الذي كان يشكل عائقا أمامنا في بادئ الأمر؛ إذ نمضي أوقاتا طويلة في التجادل الذي يصل إلى درجة الخصام، وفي آخر المطاف قررنا ترك هذه النقاشات جانبا واحترام أفكار بعضنا البعض، لذلك فهو يقيم شعائره الدينية بحرية أمامي دون أن أتدخل في شؤونه، لكن عموما فالعلاقة ستنتهي بعد أشهر..”

الوسطاء ومعركة المال وإرضاء الزبناء

المعطي (56 سنة) صاحب وكالة عقارية بالرباط، يؤكد في حديث مع “آشكاين”، على أن أغلب الباحثين عن شقة من أجل “التساكن” يقدمون أنفسهم للسمسار على أنهم أزواج بموجب عقد شرعي وبما أن الهم الأساسي لهذا الأخير هو المال فهو يتساهل معهم بل إنه يحاول تمويه صاحب البيت حتى يسمح لهم بالسكن وبالتالي إتمام الصفقة، ثم يضيف ،” أن بعض هؤلاء يكشفون للسمسار على أنهم ليسوا أزواجا وبأنهم يبحثون عن شقة بمواصفات معينة فيقودهم إلى صاحبها الذي نادرا ما يكون متساهلا معهم ويوافق على كراء الشقة دون تردد مع وضع بعض الشروط، من بينها تجنب دخول الغرباء والتصريح بهوية أو بطاقة تعريف كل زائر جديد للشقة أو العمارة التي تتواجد بها هذه الأخيرة”.

ومضى المتحدث قائلا:”إن أغلب “الأزواج (المتساكنين)” يفضلون الأحياء الراقية، حيث تتواجد شقق عادة ما يكون أصحابها أناسا متفتحين وليست لهم تحفظات على هذا النمط من العيش، كما أن بعضهم يفضلون كراء شققهم لمفضلي الكونكوبيناج، فيما يرفضون الأزواج الحقيقيين الذين عادة ما يستقرون لمدة طويلة، كما يرفضون كراءها للطلبة أو للذين يعيشون بمفردهم”.

ويشير المعطي، إلى أن ظاهرة “التساكن” تبقى منحسرة في مدن الدار البيضاء ومراكش والرباط وبنسبة أقل في أكادير وطنجة، كما أنه لا توجد إحصائيات دقيقة لعدد الأزواج الذي يعيشون بهذه الطريقة”، موضحا أنه “في غالب الأحيان نرى أن السرية تلف هذا الموضوع ونادرا ما يتقبل أصحاب الشقق أشخاصا غير متزوجين بشكل رسمي، لما قد يترتب عن ذلك من مشاكل قانون إذا ما تم التقدم بشكاية ضد هؤلاء، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى تورط “الزوجين” إضافة إلى المكتري”.

ومع التطور التكنولوجي، فإن فئة واسعة من “الأزواج (المتساكنين)” يلجؤون إلى المواقع المختصة في عرض شقق الكراء والتي يلجأ أصحابها إلى وضع كافة الشروط في وجه الزبناء، وهو أمر إيجابي إلى حد ما إذ يُجنبهم مصاريف السمسار التي قد تصل إلى 50 في المائة من سعر كراء الشقة، وبالتالي فالزبون يجد نفسه أمام صاحب الشقة فقط من أجل التفاوض حول الصفقة.

حالات أمام القضاء

المحامي عن هيئة مراكش، الطاهر أبو زيد، أكد في اتصال مع “آشكاين”، على أن هناك العديد من القضايا المرتبطة بموضوع “الكونكوبيناج” أمام المحاكم، حيث يتم اعتقال المعنيين بالأمر بعد اقتحام الشقة التي يقطنانها، بتنسيق مع النيابة العامة المختصة، مشيرا إلى أن ذلك لا يتم إلا إذا تقدم أحد الأشخاص بشكاية للجهات الأمنية، ودون ذلك فلن يقع الإعتقال. فمؤخرا يقول أبو وزيد، “تفاجأ طالب وطالبة يقطنان معا، ويدرسان سويا في إحدى المداس العليا بمدينة مراكش باقتحام شقتهما واقتيادهما إلى مقر الشرطة لتتم إدانتهما بالحبس بتهمة الفساد”.

أبو زيد الذي يشغل أيضا مهمة رئاسة فرع المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، يوضح أن “العلاقات الرضائية بين شخصين راشدين لا يجب أن تُجرم، وعندما نتحدث عن الرشد فنحن نعني بين رجل وامرأة، أو بين رجلين أو بين امرأتين، شريطة ألا تكون هذه العلاقة فعلا فاضحا في الشارع العام، أو عبارة عن اغتصاب أو أن يتعلق الأمر بقاصر وبالغ”.

وبخصوص مدى مشروعية اقتحام المنازل التي يقطنها أشخاص اختاروا العيش بهذه الطريقة، يقول أبو زيد، “يجب على المشرع أن يحقق تقدما في هذا الخصوص مادام أن الشخصين يفضلان عدم توثيق عقد الزواج وهذه حريتهما، ففي مسودة القانون الجنائي التي تم وضعها في عهد الحكومة السابقة، كان هناك أمر إيجابي، حيث تمت الإشارة إلى أن التجريم يقع على العلاقات الجنسية التي تندرج في إطار الدعارة، بينما تم رفع هذا التجريم على العلاقات الرضائية، لكن ولحدود الساعة لم يتم تمرير هذا القانون”.

الكونكوبيناج في مواجهة القانون

في نفس السياق، يجد “الأزواج” الذين يعيشون تحت سقف واحد دون عقد شرعي، مهددين في أية لحظة بفعل المواد القانونية المُجرِّمة لهذا الفعل، فرغم “ضبابيتها” إلا أنها تضع هذه العلاقات على المحك، خاصة ما يتعلق بالفصل 490 من القانون الجنائي الذي ينص على أن “كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة زوجية تعتبر جريمة فساد، ويعاقب عليها بالحبس من شهر إلى سنة”، ومن خلال هذا النص يتبين أن تحقق الفعل الجرمي يكون باكتمال أركان الجريمة سواء المادية أو المعنوية، كما أن العقوبة تستلزم إثبات الجريمة.

فالركن المادي يتمثل أساسا في “مواقعة الرجل للمرأة بإدخال عضوه التناسلي في عضوها، دون أن تجمع بينهما علاقة زواج، ودون أن يتحقق الإشباع أثناء العملية الجنسية.

أما الركن المعنوي فيتجلى في إدراك المتهمين، للفعل الذي قاما به، وتوفر القصد لدى الطرفين في القيام بالمعاشرة الجنسية، مع علمهما بعدم وجود علاقة زوجية تربطهما.

كما يتحقق إثبات وقوع جريمة الفساد، عبر محضر رسمي يحرره أحد ضباط الشرطة القضائية يسرد فيه الوقائع التي عاينها، أي ضرورة وجود حالة تلبس، أو عبر اعتراف المتهم عن طريق مكاتيب أو أوراق صادرة عنه، أو بسيد الأدلة وهو الإعتراف القضائي للمتهم بحيث يُقر على نفسه بارتكاب الجريمة.

كما أن أصحاب البيوت والشقق والعمارات التي يقطنها “أزواج الكونكوبيناج” يجدون أنفسهم في موقف محرج، بفعل الفصول التي تلف أعناقهم وتهددهم بالسجن، وأهمها الفصل 498 من القانون الجنائي الذي ينص على ما يلي:” يعاقب بالحبس من سنة الى خمس سنوات و بغرامة من خمسة آلاف إلى مليون درهم ما لم يكن فعله جريمة أشد، كل من ارتكب عمدا أحد الأفعال الآتية:

1. أعان أو ساعد أو حمى ممارسة البغاء أو جلب الأشخاص للبغاء و ذلك بأية وسيلة كانت.
2. أخد بأي شكل كان نصيبا مما يحصل عليه الغير عن طريق البغاء أو الدعارة أو أخد معونات من شخص اعتاد على تعاطي البغاء أو الدعارة و هو يعلم بذلك.
3. عاش مع شخص اعتاد على تعاطي البغاء و هو يعلم بذلك.
4. استخدم أو استدرج أو سلم أو حمى شخصا بقصد ممارسة البغاء أو الدعارة برضاه أو مارس عليه ضغوطا من أجل ممارسة البغاء أو الدعارة أو الاستمرار في ذلك.
5. مارس الوساطة ,بأية صفة كانت,بين من يتعاطى البغاء أو الدعارة و بين من يستغل بغاء الغير أو دعارته أو يِدي مقابلا لذلك.
6. ساعد من يستغل بغاء أو دعارة الغير على إعطاء تبرير وهمي لموارده المالية.
7. عجز عن تبرير مصادر مالية ملائمة لمستوى معيشته في الوقت الذي يعيش فيه مع شخص اعتاد على تعاطي البغاء أو الدعارة أو له علاقات مشبوهة مع شخص أو عدة أشخاص يتعاطون البغاء أو الدعارة.
8. عرقل أعمال الوقاية أو المراقبة أو المساعدة أو إعادة التربية التي تقوم بها القطاعات أو الهيئات أو المنظمات المؤهلة لذلك اتجاه أشخاص يمارسون البغاء أو الدعارة أو معرضين لتلك الممارسة.

التساكن في المغرب إلى أين؟

في فرنسا، وبعد انتفاضة 1968 استطاعة الفئة المطالبة بإقرار “الكونكوبيناج” كنمط عيش جديد، أن تحصل على تعاطف المجتمع الفرنسي آنذاك، قبل أن تتمكن من انتزاع حقها بشكل رسمي سنة 1981 وذلك بعد تزايد عدد هؤلاء المتساكنين وكذا نتيجة إنجابهم لعدد كبير من الأبناء رغم عدم وجود عقد شرعي، فبدؤوا يستفيدون من الإرث ومن الضمان الاجتماعي مع الإبقاء على صفة كونهما عازبين أمام القانون، وبالمقابل تم فرض ضرائب عليهم بنفس مقدار الضرائب المفروضة على الأزواج الرسميين.
ويكفي للشخصين الراغبين في الدخول في هذا النوع من المعاشرة التقدم بتصريح لدى البلدية لبدء الحياة الجديدة، وفي حالة الرفض تتم الاستعانة بشاهدين يثبتان صحة هذه المعاشرة، فيما لا يحتاج الانفصال لأية إجراءات إدارية أو قانونية، وإذا كانا الزوجان قد أنجبا أطفالا فيعود إرث المتوفي إلى الأبناء دون أن يستفيد الطرف الباقي على قيد الحياة من هذا الإرث.

وإذا كان المجتمع الفرنسي قد حقق انتفاضة وقفزة كبرى في هذا الموضوع، فيبقى المغرب بعيدا كلا البعد عن مثل هذه “المكاسب” التي لم تصدح بها الجمعيات الحقوقية والهيئات المدنية المعروفة بدفاعها عن الحريات الفردية، اللهم إذا استثنينا قضية الحرية الجنسية فقط، والتي لا تدخل بشكل كامل ضمن موضوعنا، في وقت لازالت قضية التساكن (الكونكوبيناج) يلفها الصمت، بل إن المواطنين المغاربة الذين يلجؤون إليها لم يخرجوا إلى العلن للكشف عن مطالبهم، وفضلوا الاستمرار في هذه الحياة التي تكون سرية في غالبية الأحيان.

العلاقات الرضائية والتساكن

في سياق الحديث عن الجانب الحقوقي، لا بد من الانتباه إلى الفرق بين العلاقات الجنسية الرضائية والتساكن، فالحالة الأولى تقتصر فقط على العملية الجنسية بين ذكر وأنثى لا تربط بينهما رابطة زواج شرعي، أما الثانية فهي نمط حياة أشبه ما يكون بالحياة الزوجية العادية بواجباتها وحقوقها، أما الجنس فيبقى مجرد جزء صغير من هذه المنظومة المختلفة باختلاف ظروف عيش المتساكنين، وقد ينعدم في بعض الأحيان باتفاق بين طرفي هذا العلاقة، على أن يتم الحفاظ على أسس هذه الأخيرة وأهدافها.

ومن هذا المنطلق، أصبح لزاما على الحركة الحقوقية إعارة اهتمام بالغ لهذا الجانب عبر إضافة موضوع التساكن إلى قائمة مطالبها لما له من إيجابيات – في نظر الملتجئين إليه- لأنه قد يكون بمثابة حل لكثرة قضايا الفساد والمتابعات القضائية في حق فردين فضلا هذا النمط مقابل رفضهما للزواج الذي يفرض التقيد بتعاليم وقوانين وأعراف معينة، وأيضا ما يترتب عنه من مصاريف مادية تكون باهضة في بعض الأحيان سواء قبله وإذا تطور الأمر إلى طلاق بين الجانبين.

ورغم صعوبة الأمر إلا أنه بات من الضروري على كل الفعاليات الترافع من أجل هذه الفئة، وتقديم مطالبها للجهات المعنية من أجل النظر فيها ولم لا تقنين هذا التساكن والإقتداء بالتجارب الغربية في هذا المجال، حيث يكفي التصريح بالتساكن لدى السلطات المعنية (في فرنسا) لتنطلق حياة الطرفين بشكل عادي مع فرض ضرائب ورسوم بنفس ما هو مفروض على الأزواج العاديين.

وفي آخر المطاف، فإن تقييم الأشخاص لا يجب أن ينبني على قناعاتهم الفكرية أو حرياتهم الشخصية أو تصرفاتهم في الحياة العادية وإنما على طاقاتهم وقدراتهم وما يمكنهم تقديمه للمجتمع ما داموا لم يمسوا بالأمن العام للبلاد أو بأفراد آخرين أو بممتلكاتهم. لذلك ففي سياق الحديث عن موضوع المتساكنين نجد أن عددا من هؤلاء يملكون كفاءات في مختلف المجالات يجب استغلالها في ما هو أفيد للمجتمع عوض الاستمرار في سن قوانين تدخل في خانة التضييق على الحريات.

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد