لماذا وإلى أين ؟

أن تكون أتعس إنسان على الأرض

لحبيب أيت ا صالح

لعل الحياة تختبرنا بقسوة في أشد لحظاتنا يأسا، وبقدر ما يكون الامتحان قاسيا حينئذ، يجب أن تكون ردة فعلنا أقسى كي لا نستسلم وننهزم، فأن تشعر بأنك أتعس إنسان على هذه الأرض، وأن تشعر بالبؤس يتضارب داخلك، فستبدو لك الحياة آنذاك بدون جدوى، بل إنك لن تبالي بالحياة وقد تقرر أن تستودعها بكل ما ملكت من سلبية، فبعد أن يتسلل إليك الإحباط في أسمى تجلياته لن يكون أمامك حل سوى قتل هذا الإحباط، لكن ذلك ليس بالسهولة التي نعتقد، لأن الإحباط قاتل وقد يدفعنا إلى أن نقتل أنفسنا، خصوصا عندما لا نقدر على تحمل عنفوانه.

لعلني لا أتحدث من فراغ، بل إنني أنطلق من تجربتي في عالم الإحباط، ذلك أنني اختبرت أن أشعر بأنني أتعس شخص على هذه الأرض، ولقد امتلأت بالأسباب التي دفعتني إلى ذلك، ولم أكن أملك إلا أن أكون سلبيا إلى أبعد مدى، وكل السلبيات اجتمعن حولي لكي أقرر بخصوصها ما يمكن أن يدفعني إلى طلب النجدة، وما أسوأ أن تستجدي السلبيات في أشد اللحظات يأسا وبأسا، لقد فقدت أملي في المزيد من الإيجابية، والمزيد من التفاؤل، وقررت أن أستسلم لإحباطي، لأنني لم أملك خيارا آخر آنذاك، لكن في لحظة تعقل أصابتني، استشعرت أن مصير حياتي سيتحدد من خلال اجتيازي لهذه المرحلة.

عند الانهيار يتحدد المصير المنتظر، هكذا فكرت وأنا في أسوإ لحظاتي، ربما تلك القوة المخبأة داخلي استفاقت من غيبوبتها لتؤجل موعدي مع المصير، وربما هذه القوة هي التي دفعتني للتماطل بينما أنا أختبر الإحباط، وبقدر ما تريتث، ربحث من الوقت ما يكفي، لكي أعيد النظر في كياني وكينونتي، وفي وجودي وحياتي، فلما استشعرت أنني ملزم بالمزيد من الاستمرار، من أجل الكشف عما يخالجني، قررت أن أستجمع قواي، وأن أتعامل مع هذا الموقف بكل ما أوتيت من تجاهل، والحق أنني تمكنت من ذلك رغم البقايا التي تحوم حولي.

قد تجتمع علينا الأسباب ونمتلأ بها، وتدفعنا إلى حافة الانهيار، وقد ننهار، وقد نستسلم لحالنا تلك، لكن الحق أن ذلك ليس حلا أبدا، فمهما امتلأنا بأسباب الانهيار، يجب أن نمتلأ بأسباب المقاومة، وذلك من أجل أنفسنا، وقد نفقد زاوية الرؤية الإيجابية آنذاك، لكننا ملزمون بالتعامل مع الوضع بتعقل أكثر، ومهما كانت درجة انهيارنا يجب أن نرغب في المزيد من الحياة، وأن نسعى نحو أكبر قدر منها، ولا نملك حيال ذلك إلا أن نقاوم عبث الإحباط، وأن نقوي من عزيمتنا وإرادتنا في أشد لحظاتنا انهيارا.

بعد أن اجتزت اختبار الإحباط، والذي أجبرتني الظروف على الخوض في تفاصيله، قررت أن أحكي ما حصل وما لم يحصل وما كان سيحصل، وما سوف يحصل. فقد حصل أني على حافة الانهيار، وكنت حينئذ مقبلا على مصير مجهول لم أفكر فيه من قبل، وما لم يحصل هو أنني لم أكن أمتلك ما يكفي من المقاومة لكي أتحمل ذلك العنفوان، وقد كان سيحصل أسوأ مما حصل لولا أنني تمالكت نفسي في بؤسي وبأسي وتعاستي، وما سوف يحصل مرتبط بمدى تجاوزي لمحنتي هاته، وبما أن تيار المحن لم يتمكن مني، وقررت أن أتغلب عليه، فما ينتظرني، بقدر ما سيكون سيئا، بقدر ما سيجدني في كامل قواي وكامل مقاومتي.

هكذا اختبرتني الحياة بين البؤس والمعاناة وأكملتها بالمرض، فوجدت نفسي حبيس شعور لا أحسد عليه، بقدر ما يجب أن أرثى له، فحصل وقوف مفاجيء على ممرات تفكيري، واسودت الحياة في وجهي، فلم أكن أنظر إلا للموت، والموت لم يكن يشغل بالي، ولم يكن يخيفني، بل سأقبل عليه بكل جرأة وشجاعة، ذلك أن الموت قد كان في نظري آنذاك حلا يسعفني في حالتي النفسية تلك، فتمنيته ضيفا علي، كما فكرت في أن أذهب إليه بكل جوارحي، لكن الحياة استوقفتني لتجرني إليها، وتطلب مني الصفح، وأجبرتني على إعادة ترتيب أفكاري وترتيب حكايتي التي كادت أن تضيع في زحام الموت، فقررت أن أباشر نجدتي بنفسي، وبالفعل أنقدت نفسي بنفسي من أشد لحظاتي تعاسة.

عندما تختبرنا الحياة بالموت، فتلك مسألة معقدة، وقد لا نجد إلى النجاة في هذا الاختبار سبيلا، لأن هذا الاختبار من بين أسوإ الاختبارات التي يمكن أن نتعرض لها، واختبار الإحباط والتعاسة والبؤس يندرج في هذا الصدد، ولست أدري إن كان من تعرضوا لهذا الاختبار تمكنوا من اجتيازه بكل قواهم المنهارة، أم أنهم استسلموا له، وباتوا في خبر كان. وتختلف درجة هذا الاختبار من شخص لآخر، حسب الظروف والمواقف، وبقدر ما يكون ذلك عميقا ومعقدا، يكون من الصعب النجاة منه، وبقدر ما يكون بسيطا، كهذا الموقف التي تعرضت له، فقد يجتازه المرء، إذا امتلك نوعا من إرادة الحياة، لكن على العموم يجب النظر في مثل هذه الأمور بكل عقلانية، رغم غيابها في تلك اللحظات، وأن نحاول أن نستجمع قوانا في أشد لحظاتنا انهيارا.

عندما نجتاز المحن، نستكشف أننا كنا مخطئين بتفكيرنا السلبي ذاك، وأنه لم يكن يليق بنا أن نتوجه بتفكيرنا إلى ما لا يمكن أن يكون حلا، ونتأكد بعد ذلك، أن ما كنا بصدده، لم يكن أكثر من اختبار الحياة، وكأي اختبار يستلزم أن نمارسه بكل تعقل، يجب أن نتعامل مع اختبارات الحياة بهذا التعقل، وأن نرغم أنفسنا في أشد لحظاتنا يأسا بالمقاومة، أن نقاوم يعني أن نتمسك بنصيبنا من الحياة، وأن نطلب المزيد منها، رغم أنها لن تساوي أمامنا شيئا في تلك اللحظات، أن نقاوم عبث الحياة يعني أن نتريث حتى لا نخطيء الصواب، أن نقاوم يعني أن نتمالك أنفسنا عندما يتمكن الإحباط منا، وأن نقاوم يعني أن نقاوم من أجل مصيرنا ووجودنا، وأن نتجنب كل ما من شأنه أن يدفعنا إلى ترك نصيبنا من الحياة.

*حاصل على شهادة في تقنيات الكتابة الصحفية

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها حصرا.

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد