2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
دخول فوزي لقجع إلى العمل السياسي الحزبي ليس حدثا عاديا يمكن اختزاله في انتقال مسؤول من موقع تقني أو حكومي إلى حزب سياسي. فالمسألة تتجاوز المسار الشخصي للرجل، لتعيد إلى الواجهة سؤالا مطروحا منذ سنوات في المغرب: كيف يمكن إعادة الكفاءة والإنجاز والفعالية إلى قلب العمل السياسي؟
فالمشهد الحزبي المغربي لا يعاني من نقص في الأحزاب ولا في الخطابات ولا في البرامج الانتخابية. ما يحتاجه أكثر هو شخصيات قادرة على تعزيز ثقة المواطنين في جدوى السياسة نفسها، وإثبات أن المسؤولية العمومية يمكن أن تقترن بالنتائج، وأن السياسة ليست فقط فن الخطابة وإدارة التوازنات، بل أيضا القدرة على الإنجاز.
ومن هذه الزاوية تحديدا تبرز القيمة المضافة التي يمكن أن يمثلها فوزي لقجع داخل المشهد السياسي المغربي.
رجل النتائج يدخل عالم السياسة
بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف حول تجربته، استطاع لقجع خلال السنوات الماضية أن يبني لنفسه صورة مختلفة نسبيا عن الصورة التقليدية للفاعل السياسي.
فقد ارتبط اسمه لدى شريحة واسعة من المغاربة بالنتائج، وتحمل مسؤوليات كبيرة، وراكم تجربة في الإدارة والمالية والرياضة، واكتسب خبرة في إدارة الملفات المعقدة والتفاوض داخل المؤسسات الوطنية والقارية والدولية.
والأهم أنه يمثل نموذجا لمسؤول لم يبن حضوره أساسا على كثرة التصريحات، بقدر ما بناه على النتائج المحققة على أرض الواقع.
وهذه الثقافة هي من بين ما تحتاج إليه السياسة المغربية اليوم: الانتقال من شرعية الكلام إلى شرعية الإنجاز.
فالجيل الجديد من المغاربة أصبح أكثر صعوبة في الإقناع. لم يعد كافيا إخباره بما سيتم إنجازه مستقبلا، بل أصبح يسأل عما تحقق فعليا، وكيف ستنفذ الوعود، وفي أي آجال، وبأية نتائج.
وهنا يمتلك لقجع رأسمالا سياسيا محتملا لا يتوفر بالضرورة لكثير من السياسيين التقليديين.
السياسة ليست حكرا على السياسيين
من بين الإشكالات التي ينبغي تجاوزها في النظر إلى العمل الحزبي الاعتقاد بأن السياسة يجب أن تبقى مجالا مغلقا على من قضوا حياتهم داخل الأحزاب.
فتجديد النخب يقتضي تشجيع دخول الكفاءات القادمة من الإدارة والجامعة والمقاولة والمجتمع المدني ومختلف مؤسسات الدولة إلى العمل السياسي.
الديمقراطية القوية لا تبنى بأحزاب ضعيفة، والأحزاب القوية تحتاج إلى القدرة على استقطاب أفضل الكفاءات وفتح المجال أمام أجيال وتجارب جديدة.
لذلك، فإن دخول شخصية من وزن فوزي لقجع إلى العمل الحزبي لا ينبغي النظر إليه فقط من زاوية الحسابات الانتخابية، بل باعتباره فرصة لإعادة الاعتبار إلى العمل السياسي نفسه.
غير أن ذلك يطرح سؤالا أساسيا : إذا كان لقجع يمثل هذه القيمة المضافة المحتملة، فهل يكفي أن يكون مجرد اسم بارز داخل حزب الأصالة والمعاصرة؟
«البام» يحتاج إلى لقجع قائدا وليس مجرد مرشح
يوجد حزب الأصالة والمعاصرة أمام فرصة لإطلاق مرحلة جديدة من مساره السياسي.
فبعد سنوات من التحولات التنظيمية وتغيير القيادات والتجارب المختلفة، يحتاج الحزب إلى الانتقال إلى مرحلة عنوانها الأساسي الوضوح: وضوح القيادة، ووضوح المشروع، ووضوح المسؤولية.
لقد راكم «البام» خلال السنوات الماضية مجموعة مهمة من الكفاءات والوزراء والمنتخبين، واستطاع أن يحتل موقعا مركزيا داخل المعادلة السياسية المغربية. غير أن تعزيز هذا الموقع يحتاج إلى قيادة تستطيع تجسيد مشروعه أمام الرأي العام ومنحه وجها سياسيا واضحا.
وهنا يمكن أن يشكل فوزي لقجع أحد الخيارات القوية لقيادة المرحلة المقبلة.
فالقيادة الجماعية قد تكون مفيدة في تدبير التوازنات الداخلية، لكنها تصبح أكثر تعقيدا عندما يدخل الحزب معركة انتخابية وطنية يحتاج فيها الناخب إلى معرفة من يقود، ومن يقرر، ومن يتحمل مسؤولية النتائج.
السياسة تحتاج إلى المؤسسات، لكنها تحتاج أيضا إلى القيادة.
ومن هنا تبرز إمكانية انتقال فوزي لقجع من مجرد فاعل بارز داخل حزب الأصالة والمعاصرة إلى قيادة الحزب نفسه باعتبارها فرضية سياسية جدية تستحق النقاش.
لماذا لقجع؟
ليس فقط لأنه ارتبط بقيادة كرة القدم المغربية، ولا لأن المنتخب الوطني حقق نتائج رياضية بارزة، ولا بسبب الشعبية الكبيرة التي تحظى بها كرة القدم لدى المغاربة.
هذه كلها عناصر يمكن أن تساعد في بناء الحضور السياسي، لكنها ليست المبرر الأساسي.
القيمة الرئيسية تكمن في التجربة التي راكمها لقجع في تدبير المال العام، ومعرفته بدواليب الإدارة والدولة، وخبرته في التفاوض الدولي، وإشرافه على مشاريع وملفات معقدة، فضلا عن اشتغاله بمنطق الأهداف والآجال والنتائج.
ونقل هذه الثقافة إلى حزب سياسي كبير يمكن أن يفتح المجال أمام تجربة مختلفة في الحياة الحزبية المغربية.
فالأحزاب الحديثة تحتاج إلى أهداف واضحة، وكفاءات في المواقع المناسبة، وتقييم دوري للأداء، ومحاسبة على النتائج، وتجديد للنخب عندما تعجز عن تحقيق الأهداف.
من «البام» الانتخابي إلى «البام» المشروع
التحدي الأكبر أمام حزب الأصالة والمعاصرة لا ينبغي أن يقتصر على الفوز بعدد أكبر من المقاعد.
التحدي الحقيقي هو التحول إلى حزب يحمل مشروعا واضحا للمغرب خلال السنوات المقبلة.
ماذا يريد في الاقتصاد؟ وما تصوراته لإصلاح التعليم والصحة؟ وكيف سيواجه تحدي التشغيل؟ وماذا سيقدم للطبقة الوسطى؟ وكيف سيقلص الفوارق الاجتماعية والمجالية؟ وما رؤيته لإصلاح الإدارة؟ وكيف يمكن تحويل الاستثمارات الضخمة التي يعرفها المغرب إلى فرص شغل وثروة يشعر المواطن بأثرها المباشر؟
هذه هي الأسئلة التي يفترض أن تكون في قلب المعركة السياسية المقبلة.
وقيادة لقجع للحزب يمكن أن تكتسب قيمة حقيقية إذا ساهمت في تحويل «البام» من قوة انتخابية وتنظيمية إلى قوة سياسية منتجة للأفكار والكفاءات والبرامج والنتائج.
غير أن النجاح في الإدارة أو الرياضة لا يعني تلقائيا النجاح في السياسة.
فالسياسة أكثر تعقيدا، لأنها ترتبط بالمجتمع والاختلاف والمصالح المتناقضة والاحتجاج والنقابات والبرلمان والمعارضة والرأي العام والانتخابات.
كما تقتضي الاستماع إلى المواطن الذي قد لا تعنيه المؤشرات والأرقام الكبرى بقدر ما يعنيه ثمن المواد الأساسية، وفرصة العمل، وجودة المدرسة، والخدمات الصحية، والقدرة الشرائية.
لذلك، فإن دخول لقجع إلى السياسة سيكون امتحانا له بقدر ما سيكون فرصة لحزب الأصالة والمعاصرة.
والتحدي سيكون في القدرة على الانتقال من مسؤول يعرف الملفات والمؤسسات إلى فاعل سياسي يعرف المجتمع ويستطيع مخاطبة انتظاراته أيضا.
فرصة لا ينبغي أن يضيعها «البام»
إذا اقتصر حضور فوزي لقجع داخل حزب الأصالة والمعاصرة على إضافة اسم قوي إلى اللوائح الانتخابية، فسيظل المكسب محدودا مهما كانت النتائج الانتخابية التي يمكن تحقيقها.
أما إذا كان حضوره جزءا من مشروع أكبر لإعادة بناء الحزب، وتجديد نخبه، وتوضيح هويته، وإعداده لتحمل مسؤوليات أكبر، فإن الأمر يأخذ بعدا مختلفا.
فبدلا من أن يكون لقجع مجرد ورقة انتخابية لـ«البام»، يمكن أن يتحول إلى مشروع قيادة جديدة للحزب.
قيادة تفتح الأبواب أمام الكفاءات والشباب، وتعتمد ثقافة النتائج، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، وتضع أمام المغاربة برنامجا واضحا وقابلا للتقييم والقياس.
وعندها فقط سيكون لدخول لقجع إلى السياسة معنى يتجاوز شخصه وحزبه ليصبح جزءا من عملية أوسع لتجديد النخب السياسية المغربية.
لقجع أمام فرصة تاريخية
بعد مسار طويل داخل الإدارة والمالية والرياضة، يدخل فوزي لقجع مجالا مختلفا تماما، لا تحسم المنافسة فيه بالأهداف أو الكؤوس، وإنما بثقة المواطنين.
وتلك ربما تكون أصعب معركة يمكن لأي مسؤول أن يخوضها.
فإذا نجح لقجع في تحويل ثقافة الإنجاز المرتبطة بتجربته إلى مشروع سياسي، وانتقل من تدبير الملفات إلى قيادة الأفكار، واستطاع حزب الأصالة والمعاصرة استثمار حضوره في بناء مرحلة تنظيمية وسياسية جديدة، فقد يشكل ذلك تحولا مهما داخل الحزب، وربما داخل المشهد السياسي المغربي أيضا.
لذلك، لم يعد السؤال مقتصرا على ما يمكن أن يضيفه فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة. السؤال الأهم أصبح: هل يملك «البام» الجرأة السياسية والتنظيمية لجعل فوزي لقجع قائدا للمرحلة المقبلة؟
فالأحزاب الكبيرة لا تكفيها الأسماء الكبيرة. إنها تحتاج إلى مشروع كبير، وإلى قيادة قوية قادرة على تجسيده وتحمل مسؤوليته أمام المغاربة.