تخطي إلى المحتوى
الإثنين 19 أكتوبر 2026 🕌 الصلاة القادمة
المحفوظات
قرأت مؤخراً
إعلان
السياسة والحكمة والعدالة الاجتماعية بالمغرب: رهان التنمية الإدماجية والتماسك الوطني

السياسة والحكمة والعدالة الاجتماعية بالمغرب: رهان التنمية الإدماجية والتماسك الوطني

Aa حجم النص

الدكتور محمد بنقدور*

لا تستقيم الممارسة السياسية الرشيدة إلا باقتران عضوي وثيق بين حكمة تدبير القرار وعدالة توزيع ثماره التنموية؛ فالحكمة الخالية من العدالة تتحول إلى تقنوقراطية جافة معزولة عن محيطها الإنساني، بينما تظل المناداة بالعدالة دون تخطيط استراتيجي وواقعية اقتصادية مجرد شعارات تفتقر إلى الاستدامة. يقف المغرب اليوم أمام منعطف مفصلي يسعى فيه إلى ترجمة النموذج التنموي الجديد إلى واقع ملموس، واضعاً كرامة المواطن وجودة معيشه اليومي في قلب التقييم السياسي والاجتماعي، ليتحول الفعل العمومي من مجرد تدبير تقني للشأن العام إلى ميثاق مجتمعي يرسخ الثقة في المؤسسات.
لقد شكل التشخيص الملكي لواقع “المغرب بسرعتين” منطلقاً لمكاشفة شجاعة كشفت الفجوة البنيوية في النموذج السابق؛ فبينما يتقدم مغرب الأوراش الكبرى وجاذبية الاستثمار والبنيات الحديثة بخطوات متسارعة، يرزح مغرب ثانٍ تحت وطأة التهميش المجالي والهشاشة الاجتماعية وضعف الولوج إلى الخدمات الأساسية. وأكد هذا الواقع أن المؤشرات الماكرواقتصادية الإيجابية تظل عاجزة عن ترسيخ التماسك الوطني ما لم تتحول إلى نمو إدماجي شامل يلمسه المواطن في قفته اليومية، وفي جودة التطبيب بالمستشفى العمومي، وفي جودة التعليم داخل المدرسة الوطنية.
ولقطع الاستمرارية مع هذا التباين، يبرز التكامل الترابي كمدخل أساسي لتحقيق العدالة المجالية عبر ورش الجهوية المتقدمة؛ إذ لم يعد مقبولاً حصر التنمية في المحور الاقتصادي التقليدي، بل أضحى من الحتمي استثمار المزايا النسبية لكل جهة لفك العزلة عن العالم القروي والمناطق الجبلية، وتحويل الأقاليم الهامشية من مجرد متلقٍ للمساعدات الظرفية إلى ميادين منتجة للثروة ومستقطبة للفرص، بما يضمن تكافؤاً حقيقياً في شروط العيش الكريم بين ساكنة الحواضر والمناطق النائية.
وتتكامل هذه الرؤية المجالية مع التزامات اقتصادية دقيقة تستهدف كسر طوق البطالة عبر بلوغ معدل نمو يناهز 4.5% وخلق 200,000 منصب شغل صافٍ سنوياً لاحتواء عطالة الشباب، بالتوازي مع تعبئة الاستثمارات الخاصة لتشكل ثلثي الاستثمار الوطني عبر ميثاق الاستثمار الجديد. كما تتقاطع هذه الأهداف مع كسب الرهانات السيادية، وفي طليعتها تعزيز الأمن المائي بتسريع محطات تحلية المياه لبلوغ 1.7 مليار متر مكعب سنوياً، وتعبئة أكثر من 50 مليار درهم لتأهيل البنية التحتية استعداداً للرهانات التنموية واستضافة المواعيد الكبرى ككأس العالم 2030.
وفي قلب هذا المسار، تترسخ ركائز الدولة الاجتماعية من خلال رصد 29 مليار درهم سنوياً للدعم الاجتماعي المباشر لفائدة 4 ملايين أسرة، بالتزامن مع تعميم التغطية الصحية والإصلاح الجريء لنظام المقاصة وصناديق التقاعد لضمان الاستدامة المالية. ويتكامل هذا الجهد الاجتماعي مع تنسيق دائم بين السياسة المالية للحكومة والسياسة النقدية لبنك المغرب، بهدف محاصرة التضخم وصيانة القدرة الشرائية من التآكل؛ ذلك أن نجاح الخيارات الوطنية لا يُقاس في نهاية المطاف بما يُسجل في دفاتر الحسابات الرسمية، بل بقدرة تلك الخيارات على ترجمة الحكمة السياسية إلى أمان اجتماعي يصون كرامة كل أسرة مغربية.

*استاذ التعليم العالي

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

أيضاً في كُتّاب وآراء الحكومة وأمانة القسم: شرف الثقة ومسؤولية الوفاء ←

التعليقات (1)

شاركنا رأيك حول الموضوع 👇

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

1 تعليق
احمد
المعلق(ة)
4 سبتمبر 2026 13:44

مقال في باب الوعظ والارشاد، إذ لا يقول لنا كيف يمكن ترجمة هذه الاهذاف على ارضية الواقع، و كيف يمكن للجماعات الترابية ان تكون رافعة للتنمية في ضل الواقع السياسي والقانوني الحالي، والصلاحيات التي تعطى لرؤساء الجماعات والاقاليم، في تقاطعها وتداخلها مع سلطات العمال والاقاليم وسلطات وزارة الداخلية، هنا بيت القصيد وفي تنايا وتفاصيل هذا التداخل يكمن الشيطان، وتتعطل بعض المهام او تجلس بعض المشاريع في الرفوف.