لماذا وإلى أين ؟

الأحزاب الصغرى وانتخابات 23 شتنبر 2026 بين الوظيفة السياسية والوزن الانتخابي

محمد شقير

  أعلنت وزارة الداخلية بعد انتهاء فترة إيداع الترشيحات أن 27 حزبا سياسيا ستشارك في الانتخابات التشريعية المقررة يوم  الاربعاء 23 شتنبر 2026 بالإضافة إلى لائحتين لمترشحين غير منتمين حزبيا، تضمان خمسة مترشحين. ولعل أكبر عدد في الأحزاب المتنافسة في هذه الانتخابات يتكون من أحزاب عادة ما تنعت بأحزاب صغرى ، حيث تمثل أكثر من نصف الأحزاب المشاركة في تشريعيات 2026، بل وربما تقترب من ثلثيها بحسب معيار التصنيف المعتمد. مما يفضي إلى  التساؤل حول وضع هذه الأحزاب الصغرى في الخريطة السياسية المغربية باعتبارها مكوّناً له حضور قانوني وانتخابي، لكن وزنه البرلماني والسياسي لا يوازي عددها. وتبرز هذه المفارقة بوضوح أكبر في تشريعيات 23 شتنبر 2026.

  1. موقع الأحزاب الصغرى في الخريطة السياسية

ساهمت عدة عوامل في نشأة الأحزاب الصغرى  لتلعب عدة أدوار في المشهد السياسي .

1-1 عوامل تأسيس الأحزاب الصغرى

 لا يرتبط تأسيس الأحزاب الصغرى في المغرب بسبب واحد، بل بمجموعة عوامل سياسية وتنظيمية وإيديولوجية وانتخابية تراكمت عبر مراحل مختلفة. فمن أبرز عوامل هذا التأسيس الانشقاقات داخل الأحزاب الكبرى. حيث يمثل الانقسام الداخلي أحد أهم مصادر نشوء الأحزاب الصغرى. فقد تنشأ قيادة أو مجموعة قيادية بعد خلاف حول القيادة أو التوجه السياسي فتؤسس إطاراً حزبياً جديداً، بدلاً من البقاء داخل الحزب الأم. كما أن التباين الإيديولوجي والسياسي كان وراء هذه الظاهرة ، حيث أن التعددية المغربية سمحت بظهور مشاريع سياسية ذات مرجعيات مختلفة: يسارية، اشتراكية، ليبرالية، محافظة، إسلامية أو ذات توجهات اجتماعية خاصة. وبالتالي فإن بعض الأحزاب الصغيرة نشأت للتعبير عن اتجاه سياسي لم يجد، في نظر مؤسسيه، تمثيلاً كافياً داخل الأحزاب القائمة. علما بأن خيار التعددية الحزبية في المغرب إلى مرحلة مبكرة بعد الاستقلال، وظل جزءاً من النموذج السياسي والمؤسساتي المغربي. بالإضافة إلى البحث عن تمثيل فئات أو مصالح محددة. فبعض المشاريع الحزبية الجديدة ارتبطت بمحاولة إعطاء تمثيل سياسي لفئات أو مناطق أو نخب معينة، أو بتقديم خطاب مختلف عن الأحزاب التقليدية .فالحزب الصغير لا يحتاج بالضرورة إلى أن يصبح حزباً جماهيرياً وطنياً حتى يكون له حضور سياسي؛ فقد يستطيع التركيز على دوائر أو مناطق معينة وبناء تحالفات بعد الانتخابات  . كما أن تأسيس حزب يمكن أن يكون وسيلة لنخب جديدة، أو لشخصيات سياسية خرجت من أحزاب أخرى، لبناء مشروع مستقل بدلاً من انتظار موقع داخل التنظيمات القديمة.. لذلك كان النظام الانتخابي والتنافس المحلي من العوامل التي أبقت على إمكانية وجود أحزاب ذات قاعدة محدودة.. كما أدى الانتقال إلى مرحلة جديدة من الإصلاح السياسي والمؤسساتي إلى تشجيع بروز تنظيمات ومشاريع حزبية جديدة. حيث صدر قانون الأحزاب ليحاول في الوقت نفسه تأطير التعددية والحد من “البلقنة”، والدفع نحو أقطاب حزبية أكثر وضوحاً. وهكذا  شكل هذا الإطار القانوني عاملاً مهماً في ظهور عدد من الأحزاب، خصوصاً مع إعادة تنظيم الحياة الحزبية خلال العقد الأول من الألفية. وتُظهر البيانات الرسمية أن عدداً مهماً من الأحزاب الحالية تأسس بين 2005 و2008، مثل الحزب الاشتراكي الموحد سنة 2005، وأحزاب النهضة والفضيلة و حزب النهضة والحزب العمالي سنة 2006 قبل أن يندمج بحزبه الأصلي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب المجتمع الديمقراطي سنة …وبالتالي يمكن وضع الأحزاب الصغرى في عدة خانات سياسية وإيديولوجية تتمثل في ما يلي:

*يمين/وسط ليبرالي: مثل الاتحاد الدستوري وبعض الأحزاب ذات الخطاب الليبرالي أو الاقتصادي.

*وسط اجتماعي ومحافظ: مثل الحركة الديمقراطية الاجتماعية.

*اليسار: كحزب الاشتراكي الموحد ، وفيدرالية اليسار…

*المرجعية الإسلامية: إلى جانب العدالة والتنمية، توجد أحزاب ذات حضور انتخابي محدود ومرجعيات قريبة من المجال المحافظ أو الإسلامي. كحزبا لنهضة والفضيلة.

*أحزاب البيئة والهوية والتنمية: وهي أحزاب صغيرة تحاول احتلال مساحات موضوعاتية لا تحتلها الأحزاب الكبرى بالقدر نفسه، كحزب الخضر المغربي وحزب البيئة والتنمية…

2-1 وظيفة الأحزاب الصغرى

       إن وجود الأحزاب الصغرى يؤدي وظيفة مهمة في النظام الانتخابي، حتى عندما لا تحصل على عدد كبير من المقاعد. إذ تتيح  هذه الأحزاب تمثيل تيارات سياسية أو اجتماعية لا تجد لنفسها مكاناً داخل الأحزاب الكبرى حيث         توسع مجال الاختيار السياسي أمام الناخب. كما تمنع اختزال المنافسة في الأحزاب الثلاثة الكبرى أو الأحزاب البرلمانية الرئيسية. بينما توفر إطاراً انتخابياً لبعض النخب المحلية التي لا تريد الارتباط بالأحزاب الكبرى.ومن هذه الزاوية، فإن أهمية الحزب الصغير لا تقاس فقط بعدد المقاعد التي يحصل عليها، وإنما أيضاً بقدرته على إدخال قضايا أو فئات أو خطابات معينة إلى المنافسة الانتخابية. فالأحزاب الصغرى تؤدي وظيفة مهمة في توسيع الاختيار أمام الناخب. فهي تستقطب ناخبين لا يجدون أنفسهم في البرامج الكبرى للأحزاب الثلاثة المهيمنة على المشهد الحكومي، أو في أحزاب المعارضة الرئيسية.وهذا مهم خصوصاً في الانتخابات التي تتنافس فيها الأحزاب على نسبة المشاركة، لأن جزءاً من الناخبين قد لا يكون أمامه فقط خيار «الأغلبية أو المعارضة»، وإنما خيارات أيديولوجية ومحلية وموضوعاتية متعددة. كما أن قدرتها على التأثير أكبر من وزنها العددي أحياناً، إذ يمكن للحزب الصغير أن يكون له تأثير في ثلاث حالات:

    أولاً: على مستوى الدائرة الانتخابية ، حيث قد يمتلك مرشحاً قوياً أو شبكة محلية قادرة على الحصول على مقعد، حتى إذا كان الحزب ضعيفاً وطنياً.

   ثانياً: في تشكيل الأغلبية. حيث في نظام متعدد الأحزاب، قد يصبح عدد قليل من المقاعد مهماً إذا كانت الأغلبية تحتاج إلى توسيع تحالفها.

   ثالثاً: على مستوى الخطاب السياسي، حيث قد تطرح الأحزاب الصغرى قضايا لا تضعها الأحزاب الكبرى في مركز برامجها، فتساهم في نقل موضوعات معينة إلى النقاش العام.

لكن مع ذلك ، فلا ينبغي وضعها كل هذه الاحزاب في سلة واحدة. إذ يمكن التمييز بين:

*أحزاب ذات مرجعية أو هوية سياسية واضحة لكنها محدودة انتخابياً.

*أحزاب ذات حضور تاريخي تراجع وزنها الانتخابي مع الزمن كالاتحاد الوطني للقوات الشعبية أو حزب الشورى والاستقلال .

*أحزاب تتمركز حول نخب أو قيادات محددة.

*أحزاب ذات امتداد جهوي أو محلي أكثر من امتدادها الوطني.

*أحزاب صغيرة جداً يكون حضورها الانتخابي أساساً جزءاً من التعددية القانونية أكثر منه منافسة فعلية على قيادة الحكومة.

لذلك فإن وصف «الصغير» ينبغي أن يكون وصفاً للحجم الانتخابي والتنظيمي وليس حكماً على الأهمية السياسية أو الفكرية للحزب.

2- الأحزاب الصغرى وانتخابات 23 شتنبر 

   تشارك في انتخابات 2026 عشرات الأحزاب ، لكن القدرة على تغطية الدوائر تكشف الفوارق الكبيرة بينها. فالمعطيات الرسمية للترشيحات تظهر أن عدداً من الأحزاب الصغرى لم يتمكن من تغطية معظم الدوائر المحلية. فمن بين 27 حزباً مشاركاً، عجز 16 حزباً عن تغطية أكثر من 60 دائرة من أصل 92.وهذا يعني أن الخريطة الحزبية القانونية أوسع بكثير من الخريطة الحزبية الفعلية داخل البرلمان. فالأرقام الخاصة بترشيحات 2026 توضح ذلك جيداً. فمثلاً، هناك أحزاب قدمت عشرات اللوائح المحلية فقط: حزب الحرية والعدالة الاجتماعية قدم 46 لائحة انتخابية،  حزب الوسط الاجتماعي قدم بدوره 46، حزب الإنصاف 40،  حزب الوحدة والديمقراطية 37،  حزب الأمل 37، حزب النهضة 32.وبالتالي، فإن بعضها لا ينافس وطنياً بالمعنى الكامل، وإنما تكون له جيوب انتخابية أو حضور جهوي ومحلي متفاوت. وهنا يمكن التمييز بين الحزب الكبير الذي يمتلك انتشاراً وطنياً، وموارد تنظيمية، ومرشحين في معظم الدوائر، وقيادة قادرة على إنتاج خطاب وطني. والحزب الصغير الذي قد يمتلك اسماً حزبياً وترخيصاً قانونياً وبرنامجاً وطنياً، لكنه يفتقد في كثير من الأحيان إلى التنظيم والموارد والانتشار الجغرافي الكافي لتحويل ذلك إلى تمثيلية برلمانية وازنة.

1-2 الأحزاب الصغرى والتحرك الانتخابي خارج  المنافسة الثنائية

  تجري انتخابات 23 شتنبر 2026 في ظل منافسة رئيسية بين أحزاب الأغلبية الحالية، وهي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، وبين أحزاب المعارضة الرئيسية مثل الاتحاد الاشتراكي  للقوات الشعبية والحركة الشعبية وحزب لتقدم والاشتراكية و حزب العدالة والتنمية، بينما تدخل الأحزاب الصغرى إلى السباق من خارج هذه الثنائية  الانتخابية الأساسية. لذا يمكن القول إن الأحزاب الصغيرة توجد في الهامش التنافسي للخريطة الوطنية، لكنها ليست بالضرورة هامشية في كل دائرة. فقد يكون حزب صغير وطنياً قادراً على المنافسة في دائرة محددة إذا كان لديه مرشح قوي وشبكة محلية. وهكذا يمكن وضع الأحزاب الصغرى في الخريطة السياسية المغربية في منطقة وسطى بين التعددية والهامشية: فهي ليست قوة مركزية في صناعة الأغلبية الحكومية، لكنها تؤدي وظيفة في تعددية العرض السياسي. وقد تتحول من حزب هامشي وطنياً إلى حزب مؤثر محلياً في بعض الدوائر. والأهم في انتخابات 2026 هو أن المعيار الحقيقي لقوة الحزب الصغير ليس عدد الأحزاب الصغيرة الموجودة، وإنما قدرته على تحويل وجوده القانوني وبرنامجه إلى أصوات ومقاعد. ومع وجود 1850 لائحة و7288 مترشحاً في انتخابات 2026، فإن الفارق بين «الحضور في الانتخابات» و«القدرة على إنتاج تمثيلية سياسية» يبدو واضحاً. فإذا كانت الأحزاب الكبرى قادرة على تعبئة جزء من الناخبين بواسطة التنظيم، والقيادات، والموارد، والبرامج والأعيان المحليين، فإن الأحزاب الصغرى تواجه عادة مشكلة ضعف القدرة على التعبئة الانتخابية. لكن وجود عدد كبير منها يمكن أن يؤدي في الاتجاه الآخر إلى تشتت الأصوات، خصوصاً عندما تتقارب البرامج والشعارات. وبالتالي قد يجد الناخب نفسه أمام عدد كبير من اللوائح دون أن يرى بينها فروقاً سياسية كبيرة.

2-2الأحزاب الصغرى وتغطية الدوائر الانتخابية

 بعد إغلاق الترشيحات، يمكن بناء تصنيف أدق للأحزاب الصغرى في انتخابات 23 شتنبر 2026، ليس بحسب «الأفضل» أو «الأضعف»، وإنما بحسب الموقع السياسي والانتشار الانتخابي والقدرة التنظيمية ومجالات الحضور.

فقد أحصت وزارة الداخلية 27 حزباً مشاركاً، مع 1850 لائحة و7288 مرشحاً بعد انتهاء مرحلة الترشيحات. وهكذا تتيح الأرقام الرسمية التمييز بوضوح بين الأحزاب ذات الانتشار الوطني الواسع وتلك التي تخوض الانتخابات بانتشار أكثر محدودية.

     * أحزاب صغرى ذات امتداد وطني نسبي حيث تشمل هذه الفئة بالخصوص:

-الاتحاد الدستوري: 74 لائحة محلية.

-جبهة القوى الديمقراطية: 68 لائحة.

-الحركة الديمقراطية الاجتماعية: 68 لائحة.

-حزب الديمقراطيين الجدد: 58 لائحة.

-حزب الشورى والاستقلال: 56 لائحة.

-الاتحاد المغربي للديمقراطية: 55 لائحة.

-الحزب الديمقراطي الوطني: 53 لائحة.

-الحزب المغربي الحر: 51 لائحة.

-حزب الخضر المغربي: 50 لائحة.

في حين توجد أحزاب غطت عدداً أقل بكثير من الدوائر، مثل حزب المجتمع الديمقراطي و حزب الإصلاح والتنمية بـ29 دائرة انتخابية. وتبرز في انتخابات 2026 تحالف اليسار، الذي قدم 85 لائحة محلية و284 مرشحاً، وهو رقم يجعله مختلفاً عن كثير من الأحزاب الصغيرة من حيث القدرة على تغطية الدوائر. والدلالة السياسية هنا أن اليسار الأصغر يحاول معالجة إحدى مشكلاته التقليدية المتمثلة في تشتت الأصوات وتعدد التنظيمات. وفي الوقت نفسه، فإن حضور نبيلة منيب والحزب الاشتراكي الموحد في النقاش الانتخابي يعكس استمرار محاولة الجمع بين العمل الاحتجاجي/المجتمعي والحضور داخل المؤسسات المنتخبة.

3-2  حملات الأحزاب الصغرى الانتخابية

تختلف آليات الحملات الانتخابية للأحزاب الصغرى  عن آليات الأحزاب الكبرى أساساً من حيث حجم الموارد، والانتشار الجغرافي، وحضور الزعيم، والقدرة على إنتاج صورة إعلامية واسعة. لكن ذلك لا يعني أنها تفتقد أدوات التأثير؛ بل تميل إلى استعمال أدوات أقل كلفة وأكثر تركيزاً. وهكذا تركز بعض هذه الأحزاب بالخصوص على الحملة الميدانية والقرب من الناخب كالجولات في الأحياء والأسواق والمناطق القروية، واللقاء المباشر مع السكان، وطرق الأبواب والاتصال الشخصي ، والاجتماعات الصغيرة بدل التجمعات الجماهيرية الكبرى، والاعتماد على المرشح نفسه وشبكته المحلية. وتزداد أهمية هذه الآلية كلما كان الحزب غير قادر على تغطية جميع الدوائر؛ إذ يتحول المرشح المحلي إلى مركز الحملة بدلاً من القيادة الوطنية. بالإضافة إلى الاعتماد على تركيز الحملة حول المرشح المحلي فبينما تستطيع الأحزاب الكبرى أن تجعل الأمين العام أو رئيس الحزب جزءاً أساسياً من الحملة الوطنية، فإن الحزب الصغير غالباً ما يراهن على اسم المرشح في الدائرة. فضعف الحزب وطنياً يمكن أن يقابله حضور شخصي قوي للمرشح محلياً.أي أن الناخب قد يصوت لشخص يعرفه محلياً أكثر مما يصوت للهوية الوطنية للحزب.كما أصبحت المنصات الرقمية وسيلة مهمة للأحزاب الصغيرة لأنها تقلل تكلفة الوصول إلى الناخبين. وتشير التغطية الحالية للحملة إلى أن الأحزاب تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي إلى جانب الوسائل التقليدية، وليس بديلاً عنها بالكامل.

وتسمح للحزب الصغير بـتقديم برنامجه، والتعريف بمرشحيه، وبث التجمعات واللقاءات مباشرة، وإنتاج فيديوهات قصيرة، ومهاجمة أو مناقشة برامج المنافسين. بالإضافة إلى استهداف الشباب، خصوصاً في المدن.وهذه الآلية تقلل جزئياً من مشكلة عدم امتلاك الحزب شبكة إعلامية أو مالية كبيرة. كما يمكن أن تلجأ بعض الأحزاب الصغرى  إلى استثمار الهوية السياسية للحزب، حيث الميل إلى تكثيف رسالة محددة: اليسار، البيئة، المحافظة، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية، محاربة الفساد، الدفاع عن منطقة أو فئة معينة… إلخ.وهنا تصبح الهوية أكثر أهمية من كثرة الوعود الانتخابية.كما أن هناك آلية مؤسساتية مهمة لا ينبغي إغفالها. فقد قسمت السلطات الأحزاب الـ27 المشاركة في انتخابات 2026 إلى ثلاث مجموعات بالنسبة إلى زمن البث في وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية. فالأحزاب غير الممثلة في البرلمان، وهي الفئة التي تضم عدداً كبيراً من الأحزاب الصغرى، خصص لكل حزب منها 9 دقائق، موزعة على ثلاث حصص من ثلاث دقائق، إضافة إلى تغطية تجمع انتخابي واحد لمدة دقيقتين.وهذا مهم سياسياً لأنه يمنح الحزب الصغير نافذة وطنية مضمونة قانونياً، وإن كانت أقصر من تلك المخصصة للأحزاب البرلمانية.كما أن من خصائص حملة الحزب الصغير أنه لا يستطيع دائماً أن يخوض المعركة بنفس الكثافة في جميع أنحاء المغرب. لذلك قد يركز على جهة معينة أو إقليم معين أو دوائر محددة أو مرشحين لديهم شبكات محلية. وبالنظر  إلى أن الحزب الصغير لا يملك دائماً القدرة على تحويل برنامجه إلى حملة إعلامية ضخمة، لذلك يميل إلى اختزال رسالته في عدد محدود من المطالب أو الأرقام أو الشعارات.

وهكذا يمكن صياغة الفرق في إدارة الحملة الانتخابية بين الأحزاب الكبرى والأحزاب الصغرى  كما يلي :

   الأحزاب الكبرى                           الأحزاب الصغرى

قيادة وطنية حاضرة بقوة                  المرشح المحلي أكثر أهمية

تجمعات جماهيرية كبيرة                    لقاءات أصغر وأكثر قرباً

موارد إعلامية أكبر                      وسائل رقمية منخفضة الكلفة

تغطية جغرافية واسعة                      تركيز على دوائر محددة

برنامج وطني واسع                      رسالة أو مطالب أكثر تركيزاً

حضور تلفزيوني أكبر                   استثمار الحصة القانونية المتاحة

شخصنة حول زعيم الحزب               شخصنة حول المرشح المحلي

من هنا يمكن القول إن الحملة الانتخابية للحزب الصغير تقوم على اقتصاد الموارد: فهو يعوض محدودية المال والإعلام والانتشار بـ القرب، والشخصنة المحلية، والرقمنة، والهوية السياسية، والتركيز الجغرافي. وهذا ما يجعل الأحزاب الصغرى مثيرة للاهتمام في انتخابات 2026، لأن قياس وزنها لا ينبغي أن يتم فقط بعدد المقاعد التي حصلت عليها في السابق، وإنما أيضاً بقدرتها على تحويل مرشح محلي أو دائرة محددة إلى نقطة اختراق داخل الخريطة الانتخابية. كما يمكن التمييز أيضاً بين ثلاثة أنماط للحملة لدى الأحزاب الصغرى: الحزب الصغير ذي الزعيم الوطني، والحزب الصغير ذي المرشح المحلي القوي، والحزب الصغير ذي المرجعية الإيديولوجية الواضحة؛ ولكل واحد منها آليات تعبئة مختلفة.

وعموما فإذا أمكن القول بأن لأحزاب الصغرى هي الأحزاب التي لا تملك كتلة برلمانية وازنة، أو التي ظلت نتائجها الانتخابية محدودة، فإن موقعها في الخريطة السياسية المغربية لا يعني أنها عديمة الأهمية. بل تؤدي أدواراً مختلفة داخل نظام حزبي شديد التعددية. ففي انتخابات سنة 2021 مثلاً، حصلت الأحزاب الثمانية الأولى على أغلب المقاعد، بينما حصلت الحركة الديمقراطية الاجتماعية على 5 مقاعد وجبهة القوى الديمقراطية على 3 مقاعد، وحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار على مقعد لكل واحد منهما.

في حين لم تدخل أحزاب أخرى مجلس النواب. أما في تشريعيات 23 شتنبر 2026 ، فيبدو أن هناك استقطاباً انتخابياً حول الأحزاب الكبرى، خصوصاً التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال من جهة، وأحزاب المعارضة الرئيسية من جهة أخرى.لكن هذا لا يلغي وظيفة الأحزاب الصغيرة. بالعكس، يمكن أن تصبح ذات أهمية في ظل تراجع الثقة السياسية وعزوف فئات من الشباب؛ فالمعركة ليست فقط بين الأحزاب على المقاعد، وإنما أيضاً حول إعادة جذب الناخبين الذين يشعرون بأن العرض الحزبي التقليدي لا يمثلهم. وبالتالي يمكن وصف موقع الأحزاب الصغرى في الخريطة  السياسية المغربية بأن له «تأثير سياسي أكبر من الوزن البرلماني في بعض الحالات». فهي لا تنافس عادة الأحزاب الكبرى على قيادة المشهد الوطني، لكنها توسع التعددية السياسية؛ و تملأ مساحات أيديولوجية أو اجتماعية محددة؛ و تؤثر في بعض الدوائر انتخابياً. بل يمكن أن تصبح مفيدة في بناء التحالفات. كما تساهم في قياس درجة تشتت الناخبين وعدم تمركزهم حول الأحزاب الكبرى. لذا يمكن النظر إلى الأحزاب الصغرى في 2026 باعتبارها تؤدي ثلاث وظائف مختلفة داخل الخريطة السياسية:

   – وظيفة التمثيل: حيث تتيح تمثيل اتجاهات أو فئات لا تجد نفسها بالكامل في الأحزاب الكبرى.

   – وظيفة تنافسية محلية:فقد يكون الحزب ضعيفاً وطنياً لكنه يستطيع المنافسة في دائرة معينة بفضل مرشح أو شبكة محلية.

   – وظيفة تفتيت المشهد:فكثرة الأحزاب واللوائح تجعل الصوت الانتخابي موزعاً على عدد كبير من العروض، وهو أمر له أهمية خاصة في نظام انتخابي يعتمد على الدوائر واللوائح.

وبالتالي  يمكن استخلاص بأن الأحزاب الصغرى ليست كتلة سياسية واحدة. فهناك فرق كبير بين حزب صغير له تاريخ وتمثيل سابق، وحزب صغير ذي انتشار انتخابي محدود، وحزب صغير يتمتع بهوية موضوعاتية واضحة، وحزب صغير يعتمد أساساً على مرشحين محليين.كما أن الأهم في دراسة وتتبع  انتخابات 2026 هو ألا نقيس هذه الأحزاب فقط بعدد المقاعد؛ بل يمكن دراسة «الخريطة الثلاثية» لكل حزب: المرجعية السياسية و جغرافية الترشيحات و نوع المرشح الذي يعتمد عليه. وهذه الثلاثية ستعطي صورة أدق عن موقع الحزب الصغير داخل النظام الحزبي المغربي. ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الأهم في انتخابات 23 شتنبر 2026 ليس فقط كم مقعداً ستحصل عليه الأحزاب الصغيرة، بل هل ستنجح هذه الأحزاب في تحويل التعدد الحزبي الموجود على الورق إلى تمثيل انتخابي فعلي، أم أن نظام المنافسة سيظل مركزاً حول الأحزاب الكبرى؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x