2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
عبد الوهاب الفيعا*
لم تكن نتائج الانتخابات التشريعية المغربية ليوم 23 شتنبر 2026 مجرد أرقام تُضاف إلى سجل الاستحقاقات، ولا مجرد ترتيب جديد للأحزاب والمقاعد. خلف هذه الأرقام خريطة أخرى تستحق أن تُقرأ بهدوء: خريطة العلاقة بين المدينة والبادية في إنتاج التمثيل السياسي.
فقد أفرزت النتائج المؤقتة التي أعلنتها وزارة الداخلية تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدًا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66، ثم الاستقلال بـ65، فالعدالة والتنمية بـ54. أما نسبة المشاركة فلم تتجاوز 38%، بعدما قاربت 51% سنة 2021 و42% سنة 2016.
غير أن ما يستوقف أكثر هو القراءة المجالية لهذه النتائج، إذ تشير تقديرات أولية منشورة، مبنية على تصنيف الدوائر بحسب طابعها الغالب، إلى أن 222 مقعدًا من أصل 395، أي نحو 56%، جاءت من دوائر يغلب عليها الطابع القروي، مقابل 173 مقعدًا للدوائر الحضرية. وهي تقديرات وليست إحصاءات رسمية، لكنها كافية لرسم اتجاه عام يستحق التوقف عنده.
مفارقة الأرقام
المغرب الذي أفرز هذه الخريطة البرلمانية لم يعد المغرب القروي الذي عرفته الأجيال السابقة. فبحسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، بلغت نسبة التمدن 62.8%، مقابل 60.4% سنة 2014، ويعيش في الوسط الحضري أكثر من 23.1 مليون نسمة، مقابل نحو 13.7 مليونًا في الوسط القروي.
والأهم من ذلك أن معطيات وزارة الداخلية نفسها تشير إلى أن 55% من المسجلين في اللوائح الانتخابية ينحدرون من الوسط الحضري، مقابل 45% من الوسط القروي. بعبارة أخرى، ووفق التقديرات السابقة: 45% من الهيئة الناخبة أفرزت نحو 56% من مقاعد مجلس النواب، فيما لم تحصد الـ55% الأخرى سوى 44% منها.
هنا تكمن المفارقة: المغرب يتجه اجتماعيًا وديموغرافيًا نحو المدينة، لكن البادية ما تزال تملك الوزن الأكبر في صناعة البرلمان.
ولا يعني ذلك أن الناخب القروي «أقوى» بطبيعته من الناخب الحضري، ولا أنه يصوت كتلة واحدة. فالأمر يتعلق أساسًا بهندسة انتخابية: التقطيع الانتخابي يمنح الدوائر القروية، الأقل كثافة سكانية، عددًا من المقاعد يفوق وزنها في الهيئة الناخبة، فيصبح الصوت الواحد في البادية أثقل، حسابيًا، من الصوت الواحد في المدينة. وهذا نقاش مؤسساتي قلّما يُفتح، رغم أنه يرسم جزءًا من ملامح البرلمان قبل أن يُدلي أي ناخب بصوته.
يضاف إلى ذلك عامل المشاركة. ففي اقتراع لم يتوجه إليه سوى أقل من أربعة ناخبين من كل عشرة، تزداد قيمة الشبكات المحلية القادرة على تعبئة الناخبين يوم التصويت، ويتراجع أثر الخطاب العام الذي لم ينجح في إقناع الأغلبية بالتوجه إلى صناديق الاقتراع.
هل تغير المجتمع أسرع من السياسة؟
لقد تغيرت البادية المغربية كثيرًا. لم تعد فضاءً مغلقًا على ذاته؛ فالهاتف الذكي دخل إليها، والتعليم وسّع آفاقها، والهجرة ربطتها بالمدن، وتحويلات المهاجرين أعادت تشكيل اقتصادها، وشبكات التواصل جعلت ما يحدث في الرباط والدار البيضاء حاضرًا في الدوار كما هو حاضر في الحي الحضري.
لكن جزءًا من الممارسة الانتخابية ما يزال يتحرك داخل جغرافيا محلية شديدة الخصوصية. ففي المدينة يستطيع الناخب أن يتابع البرامج والمناظرات والتغطية الإعلامية والنقاشات العمومية والحسابات الرقمية للمرشحين. أما في عدد من الدوائر القروية، فلا تصل السياسة دائمًا إلى المواطن باعتبارها برنامجًا وطنيًا مجردًا؛ بل تصل إليه أيضًا عبر شخص يعرفه، أو وسيط يثق به، أو شبكة اجتماعية تجمعه بالمرشح، أو علاقة محلية تكون أحيانًا أقوى من الخطاب الحزبي نفسه.
غير أن تحميل الناخب القروي مسؤولية ذلك سيكون أسهل من اللازم. فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا يصوت القروي للمرشح الشخص؟ بل: لماذا لم تنجح الأحزاب في جعل البرنامج السياسي الوطني أكثر حضورًا من الوساطة المحلية؟
من الحزب إلى الشخص
تكشف الخريطة الجديدة أن بعض الأحزاب بنت جزءًا كبيرًا من قوتها في الدوائر ذات الطابع القروي. فوفق التقديرات نفسها، حصل الأصالة والمعاصرة على 63 مقعدًا في هذه الدوائر مقابل 34 في الدوائر الحضرية، والتجمع الوطني للأحرار على 40 مقابل 26، والاستقلال على 36 مقابل 29.
وفي الاتجاه المعاكس تمامًا جاءت خريطة العدالة والتنمية: 11 مقعدًا قرويًا فقط مقابل 43 حضريًا. فالحزب الذي انتقل من 13 مقعدًا سنة 2021 إلى 54 اليوم بنى عودته أساسًا في المدن، حيث يبدو أن التصويت على أساس الخطاب والهوية السياسية ما يزال يتقدم على التصويت على أساس الشبكات المحلية. وهذا التباين وحده يكفي ليبيّن أننا أمام منطقين مختلفين في إنتاج المقعد البرلماني، لا أمام خريطة واحدة.
هذه الأرقام لا تخبرنا وحدها لماذا اختار الناخبون هذا الحزب أو ذاك، ولا تسمح باختزال التصويت القروي في الولاءات الشخصية أو الخدمات أو الأعيان. لكنها تفتح سؤالًا مشروعًا: هل أصبح النجاح الانتخابي في بعض المناطق مرتبطًا بامتلاك شبكة محلية أكثر مما هو مرتبط بقدرة الحزب على إقناع الناخب ببرنامج وطني؟
إذا كان الأمر كذلك، فنحن أمام تحول في معنى الحزب السياسي نفسه. فالحزب يُفترض أن يكون مؤسسة للوساطة السياسية: يصوغ الأفكار، ويقترح البرامج، ويؤطر المواطنين، ويقدم النخب. لكن حين يصبح المرشح هو الحزب، والحضور الشخصي هو التنظيم، والعلاقة المحلية هي البرنامج، يتحول الحزب تدريجيًا من مؤسسة سياسية إلى شبكة انتخابية. وهنا لا تعود المشكلة في البادية وحدها، بل في الحياة الحزبية برمتها.
لا ينبغي أن نحتقر السياسة القروية
من الأخطاء المتكررة النظر إلى الناخب القروي باعتباره ناخبًا «تقليديًا» في مقابل ناخب حضري «حديث». وهذا التقابل نفسه يحتاج إلى مراجعة؛ فالناخب، في المدينة كما في القرية، يبحث عن مصالحه وعمّن يثق به وعمّن يعتقد أنه قادر على تمثيله. الفرق أن طبيعة الحاجات وشبكات العلاقات تختلف: في المدينة قد تكون علاقة المواطن بالحزب أكثر تجريدًا، وفي القرية أكثر التصاقًا بالبنية الاجتماعية المحلية.
وقد يختار المواطن في البادية مرشحًا يعرفه شخصيًا لأنه يعتقد أنه قادر على الوصول إلى الإدارة، أو الدفاع عن قضية محلية، أو نقل مشكلة جماعته، أو تمثيل مصالح منطقته. وهذا لا يعني بالضرورة غياب الوعي السياسي، بل ربما يعني أن السياسة نفسها لم تنجح بعد في الانتقال من منطق الوساطة الشخصية إلى منطق الوساطة المؤسساتية. لذلك ينبغي أن يُوجَّه النقد إلى النظام الحزبي والثقافة السياسية، لا إلى المواطن.
البادية تصنع النواب… فماذا يصنع النواب للبادية؟
إذا كانت الدوائر القروية قد أنتجت أكثر من نصف مقاعد مجلس النواب، فإن السؤال بعد الانتخابات لا ينبغي أن يكون فقط: من ربح البادية؟ بل: ماذا ستربح البادية من الذين ربحوا فيها؟
فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد إعلان النتائج: هل ستتحول الأصوات إلى سياسات عمومية، والوعود الانتخابية إلى مشاريع؟ هل سيصبح النائب ممثلًا لقضايا التنمية المحلية والوطنية معًا، أم سيظل دوره محصورًا في الوساطة الفردية؟ وهل تستطيع الأحزاب أن تجعل من البادية مجالًا لإنتاج النخب والبرامج، لا مجرد خزان للمقاعد؟
إن أسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن تكون البادية مهمة جدًا يوم الاقتراع، وأقل أهمية بعده؛ ضرورية للحصول على المقعد، ثم غائبة عن مركز الاهتمام حين يبدأ النقاش حول السياسات العمومية. فالتمثيل السياسي لا يكتمل بالصندوق: الصندوق يمنح الشرعية التمثيلية، لكن السياسات العمومية هي التي تمنح تلك الشرعية معناها الاجتماعي.
مغرب واحد بسرعات مختلفة
لعل الدرس الأهم من هذه الانتخابات ليس أن البادية «انتصرت» ولا أن المدينة «انهزمت». لا توجد هنا مباراة بين مجالين، بل مغرب واحد يتغير بسرعات مختلفة: مغرب يتجه ديموغرافيًا نحو المدينة، لكنه يحتفظ بجغرافيا انتخابية تمنح الدوائر القروية الوزن الأكبر؛ مغرب تتسع فيه شبكات التواصل، لكن العلاقات الشخصية ما تزال حاضرة بقوة في السياسة المحلية؛ ومغرب تتحدث أحزابه عن الدولة الاجتماعية والتحول الرقمي والحداثة السياسية، بينما يظل جزء من التنافس الانتخابي مرتبطًا بأسئلة محلية شديدة المباشرة.
وهذه ليست مفارقة عابرة، بل دعوة إلى إعادة التفكير في معنى التمثيل السياسي نفسه: هل نريد نائبًا يمثل منطقته فقط، أم نائبًا يمثلها داخل تصور وطني متكامل؟ هل نريد حزبًا يجمع الأصوات، أم حزبًا يصنع السياسة؟ وهل نقيس نجاح الانتخابات بعدد المقاعد، أم بقدرة الأحزاب على تحويل مشاركة لم تتجاوز 38% إلى ثقة سياسية مستدامة؟
ربما قدمت البادية في انتخابات 2026 درسًا بسيطًا لكنه عميق: لا يكفي أن تصل إلى الناخب في قريته كي تصل إلى البرلمان؛ المهم أن تعرف، بعد وصولك إلى البرلمان، ماذا ستفعل من أجل القرية والوطن معًا.
ففي يوم الاقتراع، تصنع البادية جزءًا كبيرًا من البرلمان. أما بعد الاقتراع، فعلى البرلمان أن يثبت أنه قادر على صناعة مستقبل أفضل للبادية.
وهنا فقط سنعرف إن كان التمثيل غايةً في حد ذاته… أم بدايةً للمسؤولية.
*باحث في الفلسفة وقضايا العدالة العالمية وحقوق الانسان
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.