الدكتور محمد بنقدور*
تُشكل حماية القدرة الشرائية للمواطنين رهانًا اقتصاديًا واجتماعيًا حاسمًا لمواجهة التضخم وارتفاع أسعار المواد الأساسية، وهو ما يتطلب معالجة شاملة لاختلالات السلاسل الإنتاجية والتوزيعية عبر إصلاحات مؤسساتية وهيكلية عميقة تضع المستهلك في صلب السياسات العمومية وتؤمن استقرار الأسواق الوطنية على المدى البعيد.
إن الكارثة الحقيقية التي تؤرق المستهلك والمزود على حد سواء تكمن في الاتساع غير المبرر للفجوة بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع للمستهلك. فهذا التفاوت الصارخ يعود بالأساس إلى الممارسات الاحتكارية وتعدد الوسطاء والمضاربين العشوائيين الذين يعملون على رفع هامش الربح وتضخيم الفاتورة النهائية دون تقديم أي قيمة مضافة حقيقية للسوق أو جودة المنتج، مما يؤدي مباشرة إلى استنزاف دخل الأسر وإضعاف قدرتها الشرائية، مقابل إجحاف حقوق الفلاح الصغير والمتوسط الذي يتحمل وحده أعباء الإنتاج والمخاطر المناخية والاقتصادية. ولتجاوز هذه الاختلالات وضمان التوازن بين العرض والطلب، يُستوجب الإسراع بإخراج وتنفيذ مجموعة من التدابير التنظيمية والميدانية المبتكرة التي تضع حدا للشطط والاحتکار.
وفي مقدمة هذه التدابير يأتي الإسراع بإحداث المجلس الأعلى للاستهلاك كإطار مؤسساتي مستقل ومختص، يُعنى بتتبع حركة الأسعار بشكل دقيق ومستمر، وتحليل التطورات الاستهلاكية والأنماط المعيشية للأسرة المغربية، وتقديم التوصيات الاستراتيجية للحكومة للحفاظ على الاستقرار المعيشي وحماية القدرة الشرائية للمستهلك. ويتكامل هذا الدور المؤسساتي بالضرورة مع استكمال وإخراج القانون المعدل رقم 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك في صيغته المحدثة والشاملة، لتعزيز الضمانات القانونية، وتشديد العقوبات على الممارسات التجارية غير المشروعة والمضاربات، وتزويد جمعيات حماية المستهلك بالإمكانيات القانونية والمادية والمؤسساتية التي تمكنها من الترافع والتقاضي لصالح المواطنين وحمايتهم أمام المحاكم والهيئات التنظيمية.
وعلى المستوى العملي والميداني، أضحت الحاجة ملحة لإحداث نماذج جديدة من الشركات اللوجستية المتخصصة في التوزيع لتنظيم مسالك التوريد من المصدر إلى المستهلك كما هو معمول به في التجارب الدولية الناجحة كالتجربة التركية. وترتكز هذه المبادرة الميدانية على إنشاء شركات توزيع متطورة ومهيكلة تتولى تقديم قروض بدون فائدة لصغار ومتوسطي الفلاحين لمساعدتهم على تمويل مدخلات الإنتاج الأساسية من بذور وأسمدة وأعلاف ومعدات كما تلتزم هذه الشركات بشراء المحاصيل والمنتجات الفلاحية مباشرة من الفلاحين بأسعار عادلة ومنصفة تضمن لهم هامش ربح كريم وتستخلص من خلالها الديون والقروض المقدمة لهم مسبقًا دون إثقال كاهلهم بالفوائد البنكية الشاقة، مما يعزز الاستقرار الاجتماعي للفلاح ويضمن استدامة نشاطه الإنتاجي.
ولتفادي التلاعبات والمضاربات في مرحلة التسويق وضمان توفير السلع، تتولى شركات التوزيع إعادة توجيه هذه المنتجات وتوزيعها بشكل مباشر على تجار التقسيط عبر منصات رقمية متكاملة تضمن الشفافية المطلقة وتتبع مسار السلع لحظة بلحظة من الضيعة إلى المحل التجاري. وضمانًا لعدم ارتداد هذه الآلية إلى أداة جديدة للاحتكار أو السيطرة على السوق، يتوجب على الدولة تحديد هامش ربح محدد ومؤطر قانونياً لهذه الشركات مقابل خدماتهم اللوجستية والتقنية (مثل خدمات التجميع، اللوجستيك، والربط الرقمي).
إن تطبيق هذه المنظومة المتكاملة سيساهم بشكل مباشر في القضاء على الوسطاء العشوائيين، وتخفيض كلفة التوزيع واللوجستيك، وهو ما ينعكس فورياً على الأسعار الموجهة للعموم عبر تخفيضها بقيمة تتراوح بين 2 إلى 5 دراهم للكيلوغرام الواحد، وتوفير المنتجات بأسعار مناسبة للمواطنين مع ضمان استدامة النشاط الفلاحي للصغار ومتوسطي المنتجين.
ختاماً، إن هذه الحزمة المتكاملة من التدابير المؤسساتية والتشريعية واللوجستية تشكل خارطة طريق عملية وشاملة كفيلة بإعادة التوازن للأسواق الوطنية، وتأمين التزويد المستمر بالمواد الأساسية، وضمان العدالة الاقتصادية والاجتماعية بين الفلاح والمستهلك لحماية القدرة الشرائية وترسيخ السلم الاجتماعي على المدى البعيد.
*الرئيس المؤسس للجامعة الوطنية لجمعيات المستهلك بالمغرب
الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.
















التعليقات
شاركنا رأيك حول الموضوع 👇