جعفر المهدي*
دخل قانون المسطرة المدنية الجديد، منذ اللحظات الأولى لتنفيذه ، في اختبار عملي وقانوني عصيب يتعلق بقراءة مقتضياته وتفسيرها وتنزيلها على المنازعات المعروضة أمام الهيئات القضائية المختلفة تتعلق أساسا بإجراءات رفع الدعاوى القضائية وشكليات المقال والبيانات المطلوب تحديدها المتعلقة بأطراف الدعوى.
وسرعان ما ظهرت إلى الوجود آولى التوجهات والأحكام القضائي التي تنحى الى اعتماد قراءة حرفية للنص التشريعي، تلزم فيها الهيئات القضائية صاحب الدعوى بضرورة الاستجابة وتضمين جميع الشكليات والبيانات المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية في المادة 77، لا سيما أرقام بطائق التعريف الوطنية للأشخاص الذاتيين و البريد الإلكتروني الخاص بالأشخاص الاعتبارية، تحت طائلة عدم قبول الدعوى من الناحية الشكلية.
ويبدو من الوهلة الأولى أن هذا التوجه القضائي يساير القاعدة الفقهية “لا اجتهاد مع النص”، وأن القواعد المتعلقة بالمسطرة من النظام العام الذي لا يجوز مخالفته، وأن البيانات المحددة قانونا لا يمكن تجاوزها من طرف القاضي باعتبارها شكليات ملزمة يتعين على رافع الدعوى التقيد بها في المقالات والطلبات القضائية.
وقبل الخوض في مدى سلامة هذا التوجه القضائي الذي أفرزه التطبيق العملي لقانون المسطرة المدنية الجديد، لا بد من استحضار المبادئ العامة الكبرى المؤطرة لصياغة قانون المسطرة المدنية وما يروم تحقيقه هذا النص التشريعي من خلال مواده باعتباره قانونا إجرائيا جاء لتجاوز الاختلالات المسجلة في تطبيق القانون السابق الملغى وما أبانت عنه الممارسة القضائية سابقا من تعقيد الإجراءات وبطء في المساطر وعدم تحقيق مقومات وشروط المحاكمة العادلة.
فبالرجوع إلى المبررات الجوهرية والموجبات الاساسية التي كانت وراء سن القانون الجديد، والتي وردت في مطلع النص التشريعي كمقدمة وديباجة سمية بيان الأسباب، نجد أن المشرع عرض الفلسفة التشريعية التي يقوم عليها مجمل نص قانون المسطرة المدنية وما ينبغي أن يراعيه من مبادئ مؤطرة جوهرية وما يروم تحقيقه من مقاصد تبتغي أساسا تبسيط المساطر القضائية وتحقيق النجاعة القضائية وتعزيز العدالة الاجرائية، التي تساهم بصورة فعلية ومباشرة في تحسين جودة الخدمات القضائية وضمان شروط المحاكمة العادلة.
كما أورد المشرع في بيان الأسباب المذكور أن القانون يسعى إلى سد الفراغات التي أفرزها الواقع العملي للمسطرة المدنية، ومنها الدور السلبي للقاضي المدني في الاشراف على اجراءات التقاضي وتجاوز الاختلالات التي أبانت عنها الممارسة القضائية، فأعطى بذلك للقاضي إشرافا أكثر ودورا أفضل في تدبير الخصومة القضائية وحث على احترام حقوق الدفاع وألزم بإنذار الأطراف لتصحيح المساطر والمقالات قبل النطق بالأحكام، مما يجلي نية المشرع في تجاوز الإكراهات الشكلية و المسطرية والنفاذ إلى جوهر المطالبة القضائية التي تشكل لب العمل القضائي.
وأردف أن القانون يهدف إلى ملاءمة مقتضياته مع المرجعية الدولية والوطنية المتمثلة في الأحكام الدستورية التي تنظم حقوق التقاضي وقواعد سير العدالة، ومع التوجهات الملكية السامية الرامية إلى تأسيس مفهوم جديد لإصلاح العدالة يقوم على تبسيط المساطر ورفع تعقيداتها وتيسير الولوج الى العدالة مع الرفع من أدائها.
فيكون المشرع قد وضع الارضية الاولى لكل نقاش أو بناء قانوني يهم تطبيق وتنزيل مقتضيات قانون المسطرة المدنية، ورسم تصورا تشريعيا وفلسفة تقوم عليها مقتضياته الإجرائية، وبين المبادئ الموضوعية المؤطرة والمقاصد الجوهرية التي تروم في مقاصدها إلى تقريب العدالة من المتقاضين وتيسر الولوج إلى القضاء وضمان النجاعة القضائية.
وإذا كان هذا المقصد النبيل هو ما يصبو إليه القانون الإجرائي الجديد، فإن ذلك لن يتأتى إلا بالانتقال من جمود التطبيق إلى المرونة التأويل والتنزيل، والتحلل من حرفية النص سعيا إلى تحقيق المقاصد الجوهرية في سبيل خدمة العدالة الحقة، والتخلي عن المعيقات الشكلية و التعقيدات المسطرية التي لا تحقق عدلا أو تقضي حقا، حتى تبقى وسيلة قانونية للوصول إلى الحق ولا تكون غاية في القضاء في حد ذاتها.
وعلى ضوء هذا التذكير السريع بالمبادئ الكبرى للمسطرة المدنية، يمكن القول بأن القاضي المدني أصبح له دور إيجابي أكبر في إجراءات الخصومة المدنية، يسمح له باتخاذ ما يراه مناسبا من قرارات قضائية في سبيل تيسير إجراءات التقاضي وتجاوز الإشكالات التي يطرحها النص التشريعي إذا كان يعيق متطلبات المحاكمة العادلة و شروط العدالة الإجرائية ورفع التعقيدات المسطرية عن المتقاضي بشكليات مرهقة لا طاقة له بها.
فالقاضي المدني، وهو يراقب الدعاوى القضائية المعروضة أمامه سواء من الناحية الشكلية أو الموضوعية، وجب أن يستحضر المبادئ الأساسية التي تقوم عليها المسطرة المدنية كما أوردها المشرع نفسه، وكذلك القواعد الجوهرية الدستورية الرامية إلى تحقيق العدالة وتسير سبل الولوج إليها وحماية حقوق المتقاضين.
وعليه في ذلك أن يتجاوز القراءة الحرفية لمواد القانون إلى قراءة شمولية للنص التشريعي، وأن ينفذ الى الغايات التي قصدها المشرع، وأن يتخلى عن كل ما يعيق تحقيق العدالة الإجرائية، من خلال تفضيل سمو المبادئ القانونية المؤطرة للقانون والقواعد الدستورية على النص التشريعي موضع الخلاف، تطبيقا لمبدأ تراتبية القوانين، حينما يخالف النص الادنى درجة ما هو مقرر بموجب نص أعلى درجة منه.
ثم وجب التذكير والأخذ بقاعدتين أساسيتين مكرستين في إجراءات التقاضي أولاهما، لا تكليف بمستحيل، وثانيهما، لا بطلان شكلي بدون ضرر. فالقانون في كل التشريعيات يراعي ما يمكن لأطراف الدعوى أن يحققوه واقعا وقانونا، وما يستحيل عليهم أن يأتوا به من معلومات وبيانات حينما لا تكون متاحة أو يصعب الوصول إليها، وأن هذه الاستحالة تعفي من تقررت لمصلحته من كل التزام، وهو ما يستوجب مراعاته من طرف القاضي المدني وعدم تكليف الأطراف بما لا طاقة لهم به.
أما عن القاعدة الثانية، فإن المستقر عليه فقها وقانونا وقضاء أنه لا بطلان بدون ضرر، وهو ما يستفاد منه أن تخلف شكلية او اجراء من اجراءات التقاضي لا يتقرر معه البطلان إلا إذا أضر بمصلحة أطراف الخصومة القضائية. ومن تمة وجب التمييز بين البيانات الأساسية التي تمكن من التعرف على أطراف النزاع وتحديد هويتهم القانونية وتمييزهم عن غيرهم، وبين البيانات الثانوية التي لا تعدو أن تكون معلومات إضافية متعلقة بطرفي النزاع ليست محددا للشخص أو يتعذر بدونها الوصول إليه أو تمييزه عن غيره، بما لا يترتب عن تخلفها إضرار بمصالحه وحقوقه طالما يمكنه الإدلاء بها بنفسه أو بناء على أمر من القاضي عند الاقتضاء.
فبالرجوع إلى المادة 109 من قانون المسطرة المدنية التي تحدد البيانات الواجب تضمينها في المقررات القضائية الصادرة عن محاكم الدرجة الأولى، نجدها لا تتضمن جميع البيانات المطلوب الإدلاء بها من طرف الرافع الدعوى في مقاله لا سيما ما يتعلق منها بالبريد الإلكتروني للشخص المعنوي، وهو ما يبين عدم أهميتها بالنسبة للأحكام الصادرة في الموضوع من طرف المحاكم المذكورة، إذ لو كانت أساسية لوردت في بيانات الأحكام مع غيرها من البيانات الأخرى. ومن جهة ثانية، فإن تبليغ المقررات القضائية يتم وفق المادة 83 من القانون المسطرة المدنية بواسطة مفوض قضائي إلى الشخص نفسه أو في موطنه الحقيقي أو المختار أو في محل إقامته أو بمكتب محاميه بناء على موافقة هذا الأخير، وليس في نص القانون ما ينص على استعمال البريد الالكتروني في إجراءات التبليغ أو غيرها في هذا الخصوص.
وترتيبا على ما سبق، فإن البريد الالكتروني للشخص الاعتباري، وإن كان من البيانات الواردة في المادة 77 من قانون المسطرة المدنية المحددة لشكليات المقالات والطلبات الموجهة إلى القضاء، فإنه لا يمكن مطالبة المدعي بتحديده بالنسبة للمدعى عليه حينما يكون شخصا اعتباريا، اعتبارا لحالة استحالة الوصول إليه من طرفه لكونه ليس من المعلومات المتوفرة للعموم في منصات رقمية أو وثائق رسمية صادرة عن الإدارات العمومية، وأن عدم تحديده لا يضر بأي حال من الأحوال بمصالح الطرف المدعى عليه ولا يشكل بيانا جوهريا لتحديد هويته وصفته في الدعوى.
لنخلص في ذلك الى القول بأن حسن تنزيل مقتضيات قانون المسطرة المدنية موكول أساسا لسلطة القاضي المدني، ومدى مساهمته في تكريس دوره الإيجابي في إجراءات الدعوى القضائية، واستحضاره للمبادئ الكبرى للمسطرة دون الوقوف عند ألفاظ النص أو حرفيته، وتجاوز ما قد يعتري النص من سوء في اللفظ و التعبير، إذ كما ورد في العبارة الشهيرة : «القانون السيئ يصلحه قاضٍ جيد، والقانون الجيد يفسده قاضٍ سيئ»
*محامي بهيئة المحامين بالرباط
الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.














التعليقات
شاركنا رأيك حول الموضوع 👇