حط الملك الاسباني فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيزيا الرحال، صباح اليوم الأربعاء، بمدينة مليلية المحتلة، عقب زيارة قادته أمس الثلاثاء إلى ثغر محتل آخر وهو سبتة.
وتعد زيارة المدينتين، الأولى من نوعها للعاهل الاسباني منذ اعتلائه العرش سنة 2014، وجاءت لتسديد ما وصفه، في خطاب أمام حشود في سبتة، بـ”الدين القديم”.
سياق الزيارة لم يكن ”بريئا” ولم يكن ”عاديا”، كما تريد الحكومة الإسبانية الترويج لذلك، فالقيام بالخطوة جاء وسط أزمة دبلوماسية صامتة بين الرباط ومدريد بسبب تداعيات ما بات يعرف بـ ”الاقتحام الجماعي” للآف المهاجرين غير النظامين لسبتة نهاية يوليوز المنصرم.
كما أن الخطاب الذي ألقاه العاهل الإسباني لا يخلو من رسائل موجهة للداخل الإسباني وللخارج، وتحديدا للمغرب، حين شدد على ”إسبانية” المدينتين، معتبرا اياها مسالة غير قابلة للتفاوض، وفي الوقت ذاته دعا الى الحفاظ على علاقات جوار حسنة وقائمة على الاحترام المتبادل مع المملكة المغربية.
على الجانب المغربي، لا يزال الصمت سيد الموقف سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي أو الأحزاب والجمعيات؛ فباستثناء تنظيمين يساريين، وهما حزب النهج الديمقراطي العمالي ذي التوجه الراديكالي، وتحالف اليسار، اللذان أدانا الزيارة، فإن الباقي لم يصدر موقف يذكر حتى حدود اللحظة.
على خلاف ذلك، خلفت الزيارة التي قام بها الملك الإسباني السابق خوان كارلوس وعقيلته صوفيا سنة 2007، ردود فعل قوية من الرباط، بدءا ببلاغ ناري من الديوان الملكي جاء فيه: ””على إثر الزيارة المؤسفة للعاهل الإسباني، جلالة الملك خوان كارلوس الأول لمدينتي سبتة ومليلية المغربيتين المحتلتين، نعرب عن إدانتنا القوية واستنكارنا الشديد لهذه الزيارة غير المسبوقة، مشددين على أن هذه الخطوة غير المجدية تسيء للمشاعر الوطنية المتجذرة والراسخة لدى جميع مكونات وشرائح الشعب المغربي”، مرورا باستدعاء سفير المغرب في مدريد أنذاك، عمر عزيمان، إلى جانب مواقف غاضبة من الحكومة، حيث وصف رئيسها عباس الفاسي الزيارة بالاستفزازية، مؤكدا أن ””عهد الاستعمار قد ولى دون رجعة”. وعلى المستوى الشعبي تظاهر آلاف المغاربة قرب معبر باب سبتة الحدودي منددين باحتلال المدينتين، ونظم نواب برلمانيون اعتصاما أمام السفارة الإسبانية في الرباط.
فهل تحمل زيارة فيليبي السادس الى المدينتين المحتلتين رسالة استفزاز أم مجرد امتصاص للغضب الداخلي؟ وما الرسائل التي حملها خطابه أمس في سبتة؟ ولماذا لم يقدم المغرب على أي رد فعل حتى الآن سواء على المستوى الشعبي او الرسمي كما في سنة 2007؟
في هذا السياق يرى نبيل دريوش، الكاتب والمتخصص في العلاقات المغربية الإسبانية، أن زيارة الملك فيليبي السادس وعقيلته إلى سبتة ومليلية المحتلتين جاءت بعد أزيد من شهرين على أحداث سبتة، وهي الفترة التي احتد فيها النقاش حول ضرورة قيام العاهل الإسباني بهذه الزيارة لتأكيد ما تعتبره إسبانيا سيادتها على المدينتين.
وأوضح أن الخطوة تأتي خاصة بعد تصريحات رئيس الحكومة بيدرو سانشيز لإذاعة “كادينا سير”، والتي انتقد خلالها تقاعس الملك عن زيارة سبتة منذ توليه العرش سنة 2014، وهي الانتقادات، بحسب دريوش، التي عمقت الخلافات بين الطرفين.
وأكد الخبير عينه أن العاهل الإسباني مال ناحية اليمين خلال هذه الأزمة، وأصبح يخدم أطروحاته ومواقفه من خلال عدة تصريحات ومواقف، من بينها هذه الزيارة التي يعد اليمين الإسباني أكبر مستفيد منها، مشيرا إلى أن رسائل السيادة ليست موجهة للمغرب وحده، بل توجد ضمن سياق الصراع السياسي الداخلي في إسبانيا.
كما شدد دريوش على أن العلاقات المغربية الإسبانية تدخل اليوم مرحلة جديدة، حيث كانت أحداث سبتة “حدثا فارقا دفع أعلى سلطة في المغرب إلى المطالبة بإعادة تقييم التعاون بين البلدين على أسس جديدة، إلى جانب انتقاد جلالة الملك في خطابه الأخير المواقف العدائية لأطراف سياسية وإعلامية إسبانية”، لافتا إلى أن ”الثقة تعرضت لهزة عنيفة من الجانبين”.
وأبرز أن الوقت الراهن يمثل وقتا ميتا في إسبانيا بانتظار انتخابات 29 نونبر المقبل التي قد تعرف عودة اليمين، بما يرسم مرحلة جديدة تتطلب مقاربات جديدة للملفات الخلافية.

وأضاف دريوش أن البلدين تجاوزا المرحلة التي يمكن أن تحصل فيها أزمة دبلوماسية نتيجة المجهودات المبذولة لتفادي ذلك، وهو ما يفسر، بحسب الخبير، صمت الرباط على الزيارة وحضور سفيرة المغرب بمدريد لحفل استقبال السفراء قبل يوم واحد من القيام بها، مؤكدا أن ردود أفعال المغرب كانت قبل الزيارة ولا يرجح اتخاذ خطوات أخرى نظرا لأن التفكير منصب حاليا على تجاوز الأزمة وفق ما استشرفه الخطاب الملكي الأخير.
وفي المقارنة بين الزيارة الحالية وزيارة سنة 2007، أبرز الخبير في العلاقات المغربية الإسبانية أن وجه التشابه يتمثل في حضور رئيس الدولة الإسبانية بالمدينتين وهو ما يعتبر خرقا للأعراف المعمول بها منذ الاستقلال، بينما تكمن أسباب الاختلاف في السياقات السياسية؛ إذ جاءت زيارة خوان كارلوس الأول في فترة هدوء بعد انتخاب رودريغيث ثاباتيرو ولأهداف انتخابية ورغبة شخصية اعتبرها المغرب طعنة في الظهر في ظل جرح جزيرة ليلى الطري آنذاك، ما أدى لرد فعل قوي واستدعاء السفير.
وعلى العكس من ذلك، يشرح دريوش، تأتي زيارة فيليبي السادس في ظروف غير هادئة وسياقات سياسية عاصفة داخل إسبانيا وعلى خلفية أحداث سبتة، مما جعل هامش المناورة ضيقا نتيجة الضغوط السياسية والتحركات الشبيهة بتحريك قطع الشطرنج دون رغبة في إفساد اللعبة أو إلحاق أضرار أكبر بالعلاقات الثنائية لترك الباب مواربا للتحضير لمرحلة ما بعد الأزمة.
كما يرى أن العلاقات بين البلدين تزاوج دائما بين التعاون والصراع بسبب الملفات الخلافية المعقدة التي تؤثر بشكل كبير في العلاقات وتستوجب إعادة التفكير والتقييم.
ويذهب ذات الخبير في الشأن المغربي الإسباني إلى أن قضية سبتة ومليلية ملف معقد ومتشعب مرتبط بتعقيدات سياسية داخلية لإسبانيا، وطرحه يتطلب تجاوز المقاربات التقليدية والنظر إليه من زوايا جديدة وأساسا لعب ورقة الزمن، معتبرا أنه بانتظار نضج الظروف للتوصل إلى حلول، يتوجب على البلدين تدبير هذا الملف بحكمة وبراغماتية وبعد نظر بعيدا عن التعصب أو المقاربات الشوفينية الضيقة.
















التعليقات
شاركنا رأيك حول الموضوع 👇