صبري الحو*
لم يتمكن المغرب رغم مسافة الوقت الكافي، و رغم تقدم مركزه وحاجته الماسة إلى دعم أكاديمي واعلامي مستمر ومكثف، من إعداد وصياغة مرافعة علمية فكرية أكاديمية وقانونية تدعم وتحصن مبادرته بالحكم الذاتي، وتؤكد أنه مشروع يجمع بين السياسة والقانون في نفس الوقت.
ألف:مرافعة تكون جامعة ومانعة وشاملة ومحكمة، تنصب على تفكيكك التوجيه والتذكير الأممي بماهية الحل المطلوب من الأطراف البحث و الوصول “حل سياسي توافقي واقعي وعملي بما يكفل تقرير المصير”.
باء: مرافعة تعيد قراءة قرار مجلس الأمن 2797، وتؤول تأويل معانيه في علاقتها بالحكم الذاتي المغربي في نسختيه العامة لسنة 2007 ونسخته التفصيلية بمثابة النظام الأساسي للحكم الذاتي المقدمة غداة القراءة وأثناء مفاوضات مدريد في فبراير 2026.
جيم: مرافعة تستبق التدقيق في شرح المفاهيم و وتعمل على تبسيطها، وتحديد حقيقة إرادتي الأمناء العامون للأمم المتحدة وأعضاء مجلس الأمن. وفي نفس الوقت تبين تطابق هذه المفاهيم، التي أصبحت في نفس الوقت شروطا وأركانا لجمع واحد هو “طبيعة وشكل الحل في نزاع الصحراء وما يجب أن يكون عليه”.
هاء: مرافعة ترفع الشك وتنزع الريبة وتبدد الغموض عند جمع أركان وشروط الحل و محاولة اتحادها. فهي جمع واحد ووحيد، متجانس ومتناغم ومنسق، رغم ما قد يوحي اليه مظهرها من تباين و تنافر وتباعد واختلاف ولربما مفارقة. مادام القانوني قد لا يكون هو السياسي ، ولكن قد يكون مطابق له، وهي الحالة المرجو البحث عنها وبلوغها.
راء: مرافعة توضح الأمور، و تزيل اللبس و تسيطر على الصعوبات و تتجاوز الاستشكال الذهني قبل العملي والتطبيقي، الذي يبدو متخيلا عند محاولة الربط بين هذه الأركان منفردة، والحال أن التو يه الأممي اشترط الجمع بينها في نفس الوقت وعدم تفريقها.
عين: مرافعة تنصب وتؤكد أن خطة التسوية التي عمادها العنصر القانوني أصبحت متجاوزة وغير مطلوبة من ذرف أجهزة الأمم المتحدة كاملة بما فيه اللجنة الرابعة بعد قرارها الأخير المؤيد للحل السياسي وقرار مجلس الأمن 2797؛ سواء كشرط قبل و في اطار المفاوضات او بعده في اطار إجازة الحل والمصادقة عليه.
فالمطلوب من الأطراف اتفاق واحد ومزدوج في بنائه؛ يكون سياسيا بالتوافق واتفاقا على طريقة المصادقة عليه في نفس الوقت، وليس اتفاقات متميزة و اضافية، اتفاق او اتفاقات باستشارة مرهونة باستشارة شعبية في اطار الاستفتاء او غيرها، و الذي استحال إجراؤه في اطار خطة التسوية كاتفاق اولي حظي باء بالفشل والتعثر.
غين: مرافعة تواكب الديناميكية و التطور الذي اجراه مجلس الأمن على حق تقرير المصير. حيث انتقل من الاستفتاء في إطار خطة التسوية الى تمليكه للأطراف في اطار حثهما على اتفاق يجمع بين السياسي والقانوني في خضم التحقيق والبحث الذي طبع مناقشات ومفاوضات ومباحثات المقاربة السياسية.
وبعده ارتقى إلى دور و مسؤولية الأطراف ( والمخاطب هنا يسري على الأفراد كما الدول والمنظمات الدولية وغيرهم…)في السلم والأمن والاستقرار خدمة لأهداف ميثاق الأمم المتحدة وانتهى بالحكم الذاتي بما يضمن الحق وينتظر الوصول اليه في اطار ما يسمى بالحكم الذاتي الحقيقي. وهذا التطور يتم تحصينه بمبدأ وقاعدة الحفاظ على التقدم المحرز، التي هي من النظام العام الدولي.
و من شأن كل ذلك اعطاء الدليل وتوفير الحجة على أن الصياغة في التوجيه الأممي بالحل ، التي كانت تبدو في مظهرها تثير استشكالا وصعوبة أصبحت واضحة بفضل رصد و تفكيك واعاد بناء نموها وتطورها حتى بلوغ شكلها الحالي في وجوبي بدايتها وانطلاقها من الحكم الذاتي ونهايتها بالحكم الذاتي.
ولا يغير النعت المضاف اليه في شيء في اطار ما سمي بالحكم الذاتي الحقيقي، لأن الأخير لن يكون غير ثمرة تطبيق ركن وشرط التوافق على النظام الأساسي للحكم الذاتي عن طريق المفاوضات مع ممثلي الساكنة، بصيغة الجمع في اطار الانفتاح على تمثيلية تقبل الحكم الذاتي وتقبل المفاوضات لتطويره .
و مشروع قرار مجلس الأمن المنتظر في بضعة أيام او في كل وقت وحين قبل نهاية شهر أكتوبر الحالي، والذي تحمل المسودة 0 المفرج عنها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية عناصره الأساسية. ولقي رفضا استباقي من قبل البوليساريو بتهديدها الانسحاب من العملية السياسية.
و هو مشروع لقرار اشتغل على كسر أسباب الجمود والانحسار والجمود الذي يتسببه الغموض الناتج عن القراءات المتعسفة والتفسيرات الاعتباطية والتأويلات الخاطئة التي يمنحها الأطراف بما يخدم مشيئتهم و توجههم. عبر الاستعمال والاستغلال المفرط للابهام الذي تفرضه بعض الكلمات والتعابير والفقرات خارج ارادة مجلس الأمن .
و أزعم أن مسودة الأخيرة للقرار المنتظر أخرجت السيد كريستوفر روس ، الذي تقلد سابقا مهام الوسيط الأممي والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة من حقيقة خلفياته، الذي جعلت المغرب يحتج ضده، و ارغمته على الاستقالة او تعرض للاقالة.
ولنقل أن مسودة القرار صفر الصادرة عن الولايات المتحدة الأمريكية بصفتها صاحبة القلم في نزاع الصحراء، على الأقل أظهرته غير ملم بكرونولوجيا و تاريخ تطور قرارات مجلس الأمن وتوجهها منذ 2014.
ذلك أن تأمله وتمعنه عند ما سماه اعادة الخطوات وتسلسلها، و ربطها بضرورة ضمان حق تقرير المصير يجعل نظره وفهمه ناقصا عن ادراك حقيقة مراحل الارتقاء والانتقال والتطور حتى وصل الى جعل الحكم الذاتي موازيا في نفس الوقت لتقرير المصير عند التوافق حوله واعتباره حقيقي.
وقد تسائل كريستوفر بسوء نية عن كيف ستتواصل عملية البحث عن حل؟ وفي أي مرحلة سيصبح إعمال حق تقرير المصير محوراً للنقاش؟ والحال أن تقرير المصير نفسه خضع لتطور وتحولات جذرية من قبل مجلس عبر اربعة مراحل، للأسف لم يتم ادراكه من قبل الباحث والخبير والأكاديمي والاعلامي وبالأحروية والتبعية قدرته على مواكبة السياسي والدبلوماسي المغربي بالعلم والمعرفة و الاستراتيجية والخطة.
والجدل الدائم والحالي سواء بين الأطراف ولنقل الخصوم وداعميهم ليس مرشحا للتوقف او الانتهاء قريبا، بل سيستمر و يتفاقم ويتعاظم، وسيظل قائما عند البحث في الأبعاد الأخرى والاضافية للحل وربط بعضها بالبعض الآخر. سواء في حدوث التوافق ولهذا انفتح مشروع القرار المقبل على شركاء وممثلين اخرين، وكسر احتكار واستئثار البوليساريو وتعسفها بشرعية ادعاء التمثيلية.
أما عنصر الالتزام بالواقعية في الحل. فهو توجيه ليس موجها للأطراف المعنية لوحدها بل مبدأ وقاعدة عامة ومجردة مطلوب الحرص على استدامة ما يصلون اليه في النهاية. و يجد سنده في خلفيات نزاع الصحراء بذاته وعلاقاته بالأمن والاستقرار والتنمية في المغرب الكبير وفي ارتداداته ليصل دول الساحل والصحراء، وقد ينتقل الحديث الى علاقته بالأمن القومي لدول شمال المتوسط، رغم الغاء مجلس الأمن الاسباني لتلك العلاقة منذ 2015.
وهذه العلاقة بين النزاع والأمن والاستقرار والتنمية هي خلفية المبادرة الأطلسية التي أطلقها الملك محمد السادس وخدمة لها. و ليس ارادة وقصدا منه لتعويم حل النزاع، وفق فهم خصوم المغرب بل تطبيقا وتنفيذ جلالته لخلفيات مضمون تقارير الأمين العام للأمم المتحدة وتقارير مجلس الأمن في علاقة بالموضوع.
و فهم هذا المآل والتفطن اليه وادراكه صعب ويحتاج خبرة وتفرغ معرفي وأكاديمي. للأسف يلقى قصورا في مرافعات الأكاديميين المغاربة، الذين يشتغلون على المشروع رغم ما توفره لوائح وقرارات مجلس الأمن من أرضية حيوية للمشروع. وهو ما جعل المشروع مجردا من تحقيق الهدف وتحقيق المغزى بسرعة كنا احوج اليها .
و يلقى التزام الحل بتطبيقاته العملية أي القابل للتطبيق ، هو خطاب لتجنب و استبعاد الحلول الطوباوية وغير الواقعية على غرار التمسك بالاستفتاء، الذي رفضته الأمم المتحدة لفشلها في تحديد الجسم الانتخابي والانتقال الى اعتماد المقاربة السياسية في عمليات البحث عن حل يرضى الجميع.
أومن ان المعركة ليست انتصارا عرضيا ووقتيا بل هي معركة بناء الثقة. وعلى الجميع كما من حق الجميع أن يفهم ويستوعب ويعي أن الحكم الذاتي ليس ناتج معادلة انتصار وهزيمة بل هو حل لمعادلة استيعاب حقوق جميع الأطراف؛ في تندوف كما في المغرب وفي الجزائر وموريتانيا في اطار قاعدة لا غالب ولا مغلوب.
والوطن للجميع والأمن والاستقرار والتنمية هي حقوق غير قابلة للتصرف للأفراد والجماعات في المغرب كما في الدول المغاربية ودول الساحل والصحراء وفي اوروبا وأن السلم والأمن اهداف يتم خدمتها للمجموعة الدولية و بالأولوية على حق تقرير المصير الذي يضمنه الحكم الذاتي.
*محامي بمكناس، خبير في القانون الدولي وقضايا الهجرة ونزاع الصحراء


















التعليقات
شاركنا رأيك حول الموضوع 👇