تخطي إلى المحتوى
السبت 31 أكتوبر 2026 🌤️ الرباط 20° 🕌 الصلاة القادمة
المحفوظات
قرأت مؤخراً
إعلان
خلفيات استخدام حق النقض الروسي

خلفيات استخدام حق النقض الروسي

Aa حجم النص

الزروقي زكرياء*

إن التصويت الذي شهده مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026 بشأن مشروع القرار الأمريكي المتعلق بالصحراء المغربية، وما انتهى إليه من عدم اعتماد المشروع رغم حصوله على تأييد أحد عشر عضواً، نتيجة استعمال روسيا الاتحادية حق النقض باعتبارها عضواً دائماً بالمجلس، يفتح المجال أمام قراءة قانونية وسياسية تتجاوز مجرد تسجيل المواقف الدبلوماسية للدول، لتلامس طبيعة النظام المؤسساتي للأمم المتحدة وحدود فعاليته في تدبير النزاعات الإقليمية. ذلك أن هذه الواقعة تعيد إلى الواجهة إشكالية التفاعل بين الشرعية الدولية باعتبارها منظومة من القواعد والمبادئ القانونية، وبين موازين القوى باعتبارها محدداً أساسياً في صناعة القرار الدولي.

من الناحية القانونية، ينبغي استحضار المادة 24 من ميثاق الأمم المتحدة التي أناطت بمجلس الأمن المسؤولية الرئيسية عن حفظ السلم والأمن الدوليين، إلى جانب المادة 27 التي نظمت آلية التصويت داخل المجلس، واشترطت لاعتماد القرارات المتعلقة بالمسائل غير الإجرائية موافقة تسعة أعضاء، بما في ذلك الأصوات المتوافقة للأعضاء الدائمين. وبناء عليه، فإن حصول المشروع الأمريكي على أغلبية أحد عشر صوتاً لا يؤدي، بمفرده، إلى اعتماده، متى صوت عضو دائم ضده. فالفيتو، بهذا المعنى، ليس مجرد موقف سياسي معارض، وإنما امتياز مؤسساتي ذو أساس تعاهدي صريح في ميثاق الأمم المتحدة، يتيح لأي دولة دائمة العضوية تعطيل مشروع قرار، ولو حظي بتأييد أغلبية واسعة من أعضاء المجلس. وتكشف هذه الآلية عن مفارقة مؤسساتية واضحة، تتمثل في أن منطق الأغلبية العددية لا ينتج بالضرورة قراراً دولياً، ما دام خاضعاً لشرط عدم اعتراض إحدى القوى الخمس الدائمة العضوية.

وفي هذا السياق، تكتسب خلفيات استعمال روسيا حق النقض أهمية خاصة، بالنظر إلى أن المشروع الأمريكي لم يكن مجرد مشروع تقني يرمي إلى تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو)، بل تضمن مقترحات تتعلق بإعادة تشكيل طبيعة البعثة وتغيير تسميتها، فضلاً عن توجيه المسار السياسي نحو جعل المقترح المغربي للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات. وقد كشفت المفاوضات التي سبقت التصويت عن وجود تحفظات روسية وصينية بشأن الصياغة الأمريكية، خصوصاً ما يتعلق بمبدأ تقرير المصير، ومدى احترام التوازن بين أطراف النزاع، ومخاطر استباق نتائج العملية السياسية من خلال تكريس صيغة تفاوضية محددة سلفاً. كما أن المشروع الأمريكي أثار نقاشاً حول مستقبل المينورسو، بعدما اقترح في صيغته الأولية تغيير اسمها وإنهاء بعض وظائفها التقليدية وإعادة هيكلتها.

، وبالتالي يمكن فهم الموقف الروسي من خلال تداخل اعتبارات قانونية ومؤسساتية وجيوسياسية. فعلى المستوى القانوني، ظلت موسكو تؤكد ضرورة المحافظة على مبدأ تقرير المصير باعتباره أحد المبادئ المؤسسة للقانون الدولي، وعلى ضرورة أن تكون التسوية السياسية نتاج مفاوضات بين الأطراف، لا نتيجة صياغة أممية توحي مسبقاً بحسم مآلات النزاع. وعلى المستوى المؤسساتي، يرتبط التحفظ الروسي أيضاً بطريقة إعداد مشاريع القرارات داخل مجلس الأمن، حيث سبق للدبلوماسية الروسية أن انتقدت ما تعتبره انفراد الولايات المتحدة بصياغة مشاريع القرارات المتعلقة بالصحراء، وعدم استيعاب ملاحظات باقي أعضاء المجلس بالقدر الكافي. وقد عبّرت موسكو عن هذه الانتقادات صراحة خلال تصويتها على القرار 2797 لسنة 2025، عندما امتنعت عن التصويت، معتبرة أن النص غير متوازن وأن الدولة صاحبة القلم لا ينبغي أن تستعمل موقعها لتمرير أجندتها الوطنية.

أما على المستوى الجيوسياسي، فإن استعمال الفيتو يمكن قراءته في إطار استراتيجية روسية تروم المحافظة على هامش تأثيرها داخل شمال إفريقيا، وعدم ترك المجال أمام الولايات المتحدة لتحديد الإطار السياسي والمؤسساتي لتسوية النزاع بصورة منفردة. فروسيا تدرك أن الملف لا يرتبط فقط بتدبير نزاع إقليمي، وإنما يتصل أيضاً بتوازنات استراتيجية في منطقة المغرب العربي والساحل، وبالعلاقات الثنائية مع المغرب والجزائر، وبحسابات النفوذ الدولي في منطقة ذات أهمية أمنية واقتصادية وجيوسياسية. غير أن هذه القراءة تظل تحليلاً للعوامل المحتملة المفسرة للسلوك الروسي، ولا يجوز تقديمها باعتبارها تعليلاً رسمياً وحيداً للفيتو، ما لم تسندها تصريحات موثقة للممثل الروسي خلال جلسة التصويت.

ولا يمكن عزل هذه التطورات عن المسار التاريخي لقرارات مجلس الأمن بشأن الصحراء. فقد شكل القرار 690 لسنة 1991 محطة تأسيسية من خلال إحداث بعثة المينورسو في إطار مخطط التسوية الأممي، بينما دعا القرار 1754 لسنة 2007 إلى مفاوضات بين الأطراف دون شروط مسبقة وبحسن نية. واستمرت القرارات اللاحقة في التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي ودائم ومقبول من الأطراف. غير أن القرار 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 اكتسب أهمية خاصة في تطور المرجعية السياسية للمجلس، بالنظر إلى ما تضمنه من إحاطة علماً بالدعم الذي عبرت عنه دول عديدة لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساساً للتوصل إلى تسوية سياسية، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة أن يكون الحل عادلاً ودائماً ومقبولاً من الأطراف، ومتوافقاً مع مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بما فيها مبدأ تقرير المصير.
وهنا تبرز مسألة قانونية دقيقة، تتمثل في ضرورة التمييز بين الأثر القانوني للقرار الأممي المعتمد وبين الأثر السياسي لمشروع القرار الذي لم يحظ بالمصادقة. فعدم اعتماد المشروع الأمريكي لا يؤدي إلى إلغاء القرار 2797 لسنة 2025، ولا يمس باستمرارية القرارات السابقة التي لم يجر تعديلها أو إلغاؤها، كما لا يمكن اعتباره حكماً قانونياً جديداً بشأن الوضع النهائي للإقليم. فالمشروع الذي يسقط بسبب الفيتو لا ينتج الآثار القانونية والمؤسساتية التي كان من الممكن أن تترتب عن اعتماده، وإنما يعكس حدود التوافق داخل الجهاز الأممي. ومن ثم، فإن الموقف الروسي لا ينبغي تفسيره تلقائياً باعتباره تراجعاً عن جميع مضامين المرجعية الأممية السابقة، بقدر ما يعبر عن رفض الصيغة الأمريكية الجديدة وما ارتبط بها من تصورات بشأن إدارة المرحلة المقبلة.

ومن زاوية أوسع، تعيد هذه الواقعة طرح إشكالية ديمقراطية النظام المؤسساتي للأمم المتحدة، ومدى انسجام امتياز الفيتو مع مبدأ المساواة في السيادة المنصوص عليه في المادة الثانية من الميثاق. فبينما تتمتع جميع الدول الأعضاء بعضوية متساوية من حيث الشخصية القانونية الدولية، تحتفظ خمس دول بامتياز استثنائي يسمح لها بتعطيل القرارات الموضوعية لمجلس الأمن. وقد كان هذا الامتياز نتيجة تسوية سياسية وتاريخية ارتبطت بتأسيس المنظمة سنة 1945، غير أن استمرار العمل به يكشف عن محدودية الانتقال من نظام دولي قائم على توازنات القوى إلى نظام مؤسساتي يستند بصورة متكاملة إلى قواعد القانون الدولي. كما أن هذه الحالة تبرز التوتر بين الفعالية السياسية لمجلس الأمن والشرعية التمثيلية لقراراته، خصوصاً عندما تجد أغلبية أعضائه نفسها عاجزة عن اعتماد مشروع يحظى بتأييدها بسبب اعتراض دولة واحدة دائمة العضوية.

وعليه، فإن القراءة المتأنية للتصويت الروسي تقتضي عدم اختزاله في ثنائية التأييد للمغرب أو معارضته، لأن المواقف داخل مجلس الأمن تتشكل وفق تفاعل معقد بين المرجعيات القانونية والمصالح الاستراتيجية والحسابات الدبلوماسية. كما أن عدم اعتماد المشروع الأمريكي لا يعني بالضرورة انتفاء الدعم الدولي للمقترح المغربي للحكم الذاتي، مثلما لا يعني أن استعمال روسيا الفيتو قد أحدث تحولاً قانونياً في طبيعة النزاع أو في الوضع الذي تنظمه القرارات الأممية القائمة. إن ما تكشف عنه هذه الواقعة، في جوهرها، هو أن ملف الصحراء لا يزال مجالاً تتقاطع فيه الشرعية الدولية مع التنافس بين القوى الكبرى، وأن مستقبل التسوية سيظل مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف المعنية على تحويل التوازنات الدبلوماسية إلى توافق سياسي يستجيب لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة ويحقق حلاً سلمياً ودائماً.

وبذلك يمكن القول إن الفيتو الروسي لا يمثل مجرد عرقلة إجرائية لمشروع أمريكي، بل يعكس استمرار حضور منطق القوة في صناعة القرار الدولي، ويؤكد أن الشرعية القانونية، على أهميتها، لا تعمل في فراغ سياسي، وإنما تتفاعل باستمرار مع موازين النفوذ والتحالفات الدولية.

*باحث في العلوم السياسية

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبه.

أيضاً في كُتّاب وآراء السياسة بين خدمة الوطن واستغفال المواطن: اختلاف في المفهوم وانقلاب… ←

التعليقات (2)

شاركنا رأيك حول الموضوع 👇

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

2 تعليقات
احمد
المعلق(ة)
31 أكتوبر 2026 13:34

منظمة الأمم المتحدة تحتمل عدة قراءات في تركتها بالنظر للظروف التي انتجتها والسياقات التي جاءت فيها وقد اصبح وضعها يتعقد اليوم اكتر بالنظر لما يعرفه العالم من تقاطبات جديدة وصراع على النفود، لكن آن الاوان لكي يحسم المغرب موقفه من وحدته الترابية بحزم، حتى لا يبقى هذا الملف عرضة للتسويف والمماطلة، وسحبه نهائيا من اروقة الامم المتحدة التي عمر بها اكتر من ربع قرن، حيت ضل حبيسا لصراعات وتوازنات القوى العظمى، ومادة دسمة تتغدى عليها الجزائر باستمرار، ويكتفي بمكسب الدعم الواسع التي عبرت عنه جل دول العالم.

علي
المعلق(ة)
31 أكتوبر 2026 09:00

منذ مدة لم اقرا مقالا حقيقيا مثل هذا في اشكاين