تخطي إلى المحتوى
الإثنين 2 نوفمبر 2026 🌤️ الرباط 19° ⚠︎ نشرة إنذارية 🕌 الصلاة القادمة
المحفوظات
قرأت مؤخراً
إعلان
عيد الوحدة: العقل الاستراتيجي المغربي وهندسة التحول من تدبير الملف إلى ترسيخ السيادة

عيد الوحدة: العقل الاستراتيجي المغربي وهندسة التحول من تدبير الملف إلى ترسيخ السيادة

Aa حجم النص

رضوان بشيري

شكّلت أحداث يومي 30 و31 أكتوبر 2026 منعطفاً لافتاً في مسار الدبلوماسية المغربية، تتجاوز دلالاته مسألة عدم تجديد ولاية بعثة المينورسو أو المواجهة بين القوى الكبرى داخل مجلس الأمن الدولي. فقد كشفت هذه التطورات، من منظور الرباط، عن تحول استراتيجي يتجاوز منطق التكيّف مع الآليات الموروثة عن الماضي، نحو المساهمة في إعادة صياغة القواعد السياسية والمؤسساتية التي حكمت معالجة قضية الصحراء المغربية لعقود.

ويكتسي تزامن هذه الأحداث مع أول احتفال بعيد الوحدة، الذي أقره صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، دلالة سياسية ورمزية عميقة. فهذه المناسبة لا تختزل في التعبير عن التشبث الوطني بالوحدة الترابية، بل تعكس مرحلة جديدة تسعى فيها المملكة إلى تحويل مكتسباتها الدبلوماسية المتراكمة إلى شروط سياسية ودولية أكثر ملاءمة لترسيخ سيادتها.

لقد كشفت المواجهة الدبلوماسية داخل مجلس الأمن عن تعقيد هذه المرحلة. فقد حال الفيتو الروسي دون اعتماد مشروع القرار الأمريكي، رغم حصوله على أحد عشر صوتاً مؤيداً، وكان يتجه نحو تعزيز مكانة المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات. وفي المقابل، عارضت الولايات المتحدة المشروع الروسي الرامي إلى تمديد ولاية المينورسو وفق إطارها التقليدي، وهو مشروع لم يحصل سوى على ثلاثة أصوات مؤيدة، دون بلوغ الأغلبية اللازمة لاعتماده.

وتكمن المفارقة الاستراتيجية في أن تعارض رؤيتي موسكو وواشنطن أفضى إلى انقطاع الاستمرارية القانونية لولاية بعثة أممية ظل مجلس الأمن يجدد مهمتها منذ سنة 1991. فروسيا حالت دون اعتماد الإطار الجديد، بينما لم يتمكن المشروع الروسي من ضمان استمرار الإطار القديم، لتنشأ بذلك وضعية مؤسساتية غير مسبوقة.

غير أن فهم هذه التطورات لا يكتمل دون استحضار بلاغ الديوان الملكي الصادر في 30 أكتوبر 2026، الذي منح هذه المرحلة دلالتها السياسية والاستراتيجية، من خلال اعتبار عدم تمديد مهمة المينورسو خطوة مهمة في اتجاه الطي النهائي للملف داخل الأمم المتحدة.

وقد عبّر البلاغ عن توجه يرمي إلى استخلاص النتائج المترتبة عن انتهاء ولاية البعثة، بما يشمل مستقبل وجودها الميداني، وآفاق معالجة القضية داخل المؤسسات الأممية، انسجاماً مع الرؤية الاستراتيجية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.

وتتجلى أهمية البلاغ الملكي في كونه لم يقتصر على تسجيل تطور دبلوماسي، بل قدّم قراءة استراتيجية تستشرف مرحلة جديدة، قوامها الانتقال من تدبير الملف ضمن آلياته التقليدية إلى إعادة تشكيل محدداته السياسية والمؤسساتية.

وفي السياق ذاته، جاءت تصريحات وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، يوم 31 أكتوبر على القناة الثانية، لتكشف جانباً من منهجية الاستباق التي تعتمدها الدبلوماسية المغربية. فقد أوضح الوزير أن المغرب كان على علم مسبق باحتمال استخدام روسيا لحق النقض، وأنه اختار عدم تفادي هذا السيناريو على حساب المضامين الجوهرية للمشروع الأمريكي.

وهنا تتجلى ملامح العقل الاستراتيجي المغربي، الذي لا يختزل الفعل الدبلوماسي في البحث عن مكاسب ظرفية، بل يقوم على استشراف التحولات، وإدارة الإكراهات، وتوظيف الفرص لإعادة تشكيل شروط التفاوض بما يخدم الأهداف بعيدة المدى.

غير أن الاستباق لا يعني التحكم في جميع المتغيرات الدولية، كما أن انتهاء ولاية المينورسو لا يعني تلقائياً اكتمال انسحابها الميداني أو الإغلاق القانوني النهائي للملف. فمجلس الأمن يحتفظ بصلاحياته، وتظل الإجراءات المرتبطة بمستقبل البعثة ومعالجة القضية خاضعة للقواعد المؤسساتية للأمم المتحدة.

لكن نهاية آلية مؤسساتية قد تشكل بداية لمرحلة تفاوضية جديدة.

وعلى هذا المستوى تتحدد رهانات المرحلة المقبلة. فالمغرب يسعى إلى ترسيخ مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها المرجعية المركزية للتسوية السياسية، مستنداً إلى تراكم دبلوماسي ودعم دولي متنامٍ. وقد عكست الأصوات الإحدى عشرة المؤيدة للمشروع الأمريكي أهمية هذا الدعم، وإن كان عدم اعتماد المشروع يقتضي التمييز بين التأييد السياسي والتكريس القانوني داخل مجلس الأمن.

وتندرج هذه المقاربة ضمن رؤية ملكية بعيدة المدى، تقوم على ثبات الأهداف الوطنية ومرونة الأدوات الدبلوماسية، وعلى تحويل المكتسبات المتراكمة إلى عناصر فاعلة في إعادة تشكيل البيئة الدولية المحيطة بالقضية.

وهكذا يكتسب عيد الوحدة دلالة تاريخية تتجاوز رمزيته الاحتفالية، إذ يتزامن مع انقطاع الاستمرارية المؤسساتية لآلية ارتبطت بتدبير الملف طيلة خمسة وثلاثين عاماً، ويفتح أفقاً جديداً أمام الدبلوماسية المغربية.

فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تجاوز آليات الماضي فحسب، بل في القدرة على تحويل هذه التطورات إلى إطار سياسي ودبلوماسي أكثر استقراراً واستدامة، ينسجم مع الأهداف الاستراتيجية للمملكة ويساهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي.

وعليه ،قد يُسجَّل يوم 31 أكتوبر 2026 باعتباره محطة مفصلية في مسار قضية الصحراء المغربية، ليس لأنه أنهى جميع أبعاد الملف، وإنما لأنه كشف حدود الإطار المؤسساتي القديم وفتح المجال أمام إعادة تحديد معالم المرحلة المقبلة.

لقد أبرز الفيتو الروسي والاعتراض الأمريكي تعقيدات التوازنات الدولية، فيما حدّد بلاغ الديوان الملكي القراءة الاستراتيجية المغربية لهذه التطورات، وأضاءت تصريحات ناصر بوريطة أهمية الاستباق والحفاظ على وضوح الأهداف في إدارة التحولات الدبلوماسية.

وهنا تكمن الدلالة العميقة لعيد الوحدة: الانتقال من مجرد الدفاع عن الوحدة الترابية داخل الأطر الدبلوماسية القائمة، إلى المساهمة في بناء الشروط السياسية والدولية الكفيلة بترسيخ السيادة المغربية.

فالعقل الاستراتيجي لا تتجلى قوته في قراءة موازين القوى فحسب، بل في استيعاب لحظات تحولها وتوظيفها في خدمة أهداف تتجاوز الظرفية السياسية. وتلك هي هندسة التحول التي تمنح عيد الوحدة بُعده التاريخي: الانتقال من دبلوماسية تدبير الملف إلى دبلوماسية صناعة شروط الحسم وترسيخ السيادة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

أيضاً في آخر الأخبار عاجل.. استئنافية الدار البيضاء ترفض السراح المؤقت للطبيب رشيد شرقاب ←

التعليقات

شاركنا رأيك حول الموضوع 👇

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات