عادت أسعار المحروقات بالمغرب لتشعل موجة قلق وتذمر واسعة في الأوساط الشعبية والاقتصادية، بعد القفزة الصاروخية التي دفعت بسعر لتر الغازوال إلى تخطي حاجز 17 درهماً في محطات التوزيع .
وتأتي هذه الزيادة القياسية في سياق موسوم باحتدام النقاش حول التوجهات الاجتماعية لمشروع قانون المالية، مما يضع مسألة حماية القدرة الشرائية للمواطنين على المحك، ويطرح علامات استفهام كبرى حول الخلفيات الحقيقية لهذا الغلاء الغير المسبوق .
في هذا السياق نفى الخبير في مجال الطاقة والنفط و الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز الحسين اليماني، صحة المقاربة الرائجة ؛ والتي تربط الأسعار على المستوى المحلي بأسعار برميل النفط الخام .
ونبه اليماني في ذات السياق ؛ من الخلط السائد لدى العديد من الأوساط الاقتصادية والاعلامية فيما يتعلق بأرقام ومعطيات اثمنة سوق النفط الخام ؛ وسوق المواد البترولية المصفاة التي يتم توزيعها على محطات التزويد في مختلف ربوع العالم .
وأوضح الخبير في تصريح خاص لموقع ” آشكاين “أن الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات العسكرية المرتبطة بإيران أحدثت شرخا واسعا في التوازنات الطاقية؛ حيث قفز الفارق بين برميل الخام وبرميل الغازوال المصفى من 20 و30 دولارا في السابق إلى نحو 100 دولار اليوم، نتيجة ندرة المواد المصفاة بسبب تعطيل وتدمير المصافي الكبرى عبر العالم، لا سيما في روسيا والشرق الأوسط ودول الخليج.
و قال الكاتب العام للنقابة أن برميل النفط الخام مستقرعند سعر الـ 100 دولار (ما يعادل 6 دراهم للتر الواحد)، و كلفته وهو مصفى تصل لـ 12 درهما للتر الواحد ، ما يعني أن “هوامش أرباح التكرير” وحدها باتت تجني نحو 6 دراهم إضافية في اللتر الواحد، وهي المبالغ التي تفوق بكثير هوامش التوزيع المحلية المقدرة بدرهم أو درهمين.
كما أكد المتحدث على أن هذه المعطيات تبرز بوضوح فداحة تعطيل مصفاة “لسامير” بالمحمدية؛ الذي كان عملها سيضر على خزينة الدولة في حالة تملكها لها؛ تلك الدراهم الستة في كل لتر وتوظيفها المباشر لخفض الأسعار النفطية بالسوق الداخلية، أو الاستفادة من عائداتها الضريبية في حال تشغيلها من قبل الخواص.
وخلص اليمني إلى أن “القرار القاتل” الذي عمق جراح المغاربة كان تحرير أسعار المحروقات الذي أقرته حكومة عبد الإله بنكيران السابقة؛ والذي بموجبه تم التخلي عن دعم صندوق المقاصة، وبات المواطن يؤدي الفاتورة المباشرة لتقلبات السوق الدولية، وهي الكلفة التي أضحت تلتهم اليوم كل مجهودات الدعم الاجتماعي والزيادات في الأجور.
وفي نفس السياق حذر الدكتور أيمن الحداد، أستاذ زائر بجامعة محمد الخامس بالرباط ؛ وباحث في العلوم السياسية، من التداعيات الاجتماعية المعقدة لبلوغ الغازوال عتبة الـ17 درهما .
كما أكد المتحدث أن خطورة هذا الرقم لا تكمن فقط في كلفة التنقل الذاتي للأفراد، بل تمتد لتشمل كونه العصب الأساسي لمختلف سلاسل الإنتاج والنقل وتوزيع المواد الغذائية ، وهو ما من شأنه الانذار بموجة تضخم شاملة في الأسواق المغربية .
وأوضح الباحث في العلوم السياسية ؛ في تصريح خاص لموقع “ آشكاين “أن تقييم الإجراءات الحكومية المضمنة في مشروع قانون المالية لسنة 2027 لا ينبغي أن يقاس بضخامة الاعتمادات المالية المرصودة، بل بمدى قدرتها وأثرها الميداني على كبح الغلاء؛ مشيرا إلى أن مواصلة صرف الدعم الاستثنائي لمهنيي النقل لتفادي الزيادة في التسعيرة بالرغم من أهميته، يبقى محكوما بشرط انعكاسه الايجابي على الأسعار والقدرة الشرائية لعموم المواطنين والمواطنات .
و دعا الحداد إلى ضرورة مراجعة فلسفة التدخل العمومي، عبر الانتقال من مجرد “تدبير آثار ونتائج الغلاء” إلى “معالجة أسبابه واختلالاته الهيكلية”؛ من خلال اجراءات وتدابير واضحة من شأنها الحد من الغلاء المهول للمحروقات والانعكاس الايجابي على القدرة الشرائية للمستهلك .
ويذكر ان اسعار المحروقات في الآونة الأخيرة تسير في منحى تصاعدي غير مسبوق حيث تجاوز ثمن الغازوال “المازوط” سعر البنزين في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ سوق المحروقات بالمغرب .

















التعليقات
شاركنا رأيك حول الموضوع 👇