تخطي إلى المحتوى
الثلاثاء 3 نوفمبر 2026 ☁️ الرباط 22° ⚠︎ نشرة إنذارية 🕌 الصلاة القادمة
المحفوظات
قرأت مؤخراً
إعلان
الخفي والمعلن في مصادقة البرلمان الجزائري على نشر قوات عسكرية في النيجر

الخفي والمعلن في مصادقة البرلمان الجزائري على نشر قوات عسكرية في النيجر

Aa حجم النص

عبد العلي اشرنان*

مقدمة

شكّل قرار البرلمان الجزائري، في 25 أكتوبر 2026، المصادقة على إرسال قوات من الجيش الجزائري إلى النيجر تطورًا لافتًا في توجهات السياسة الخارجية والعقيدة الأمنية لدى النظام الجزائري ، بالنظر إلى ارتباطها بتحولات البيئة الاستراتيجية المتغيرة في منطقة الساحل والصحراء، وما يطرحه ذلك من تساؤلات حول حدود الدور العسكري الجزائري خارج حدوده  فالقرار لا يقتصر على التعاون الأمني بين دولتين متجاورتين، وإنما يفتح المجال أمام نقاش أوسع بشأن طبيعة المصالح العلنية والخفية التي تسعى الجزائر إلى حمايتها، والكيفية التي تعيد بها صياغة حضورها الإقليمي في ظل تراجع النفوذ الفرنسي في المنطقة وتزايد النفوذ المغربي و الإماراتي ، وتصاعد التنافس الدولي على الموارد الطبيعية والممرات الاستراتيجية وكذا المجال الحيوي في إفريقيا.

لقد استندت المبررات المعلنة للخطوة المذكورة إلى حماية مصالح النظام العسكري الجزائري، وتأمين المنشآت والمشروعات الطاقية، ومواجهة التهديدات الأمنية العابرة للحدود. غير أن هذه المبررات المعلنة، لا تكفي وحدها لتفسير تداعيات القرار، خصوصًا في ظل غياب توضيح تفصيلي لمفهوم “الأمن القومي “الذي يستند له النظام الجزائري، ولحدود المهمة العسكرية وأهدافها النهائية؟ وكذا تداعياتها على الشعب النيجري ونظرته لوجود قوات أجنبية فوق ترابه الوطني؟.

ومن هنا نطرح الإشكالية الرئيسية: إلى أي مدى تعكس مصادقة البرلمان الجزائري على نشر قوات في النيجر استجابةً فعلية لمتطلبات الأمن القومي، وإلى أي مدى يمكن قراءتها باعتبارها خطوة لإعادة تشكيل النفوذ الجزائري في منطقة الساحل، وحدود السيادة النيجرية؟ ماهي الأهداف الخفية وراء هذه الخطوة؟

للإجابة عن هذه الإشكالية، تقتضي منا التمييز بين الوقائع المثبتة والمبررات الرسمية من جهة، والفرضيات المتعلقة بالأهداف الاستراتيجية غير المعلنة من جهة أخرى، مع تحليل القرار في سياقه والأمني والاقتصادي والإقليمي، وصولًا إلى تقييم دلالاته وتحدياته المحتملة.

المحور الأول: المعلن والخفي في شعار حماية الأمن القومي للجزائر

يمثّل مفهوم الأمن القومي الشعار المعلن لدى النظام العسكري في الجزائر، وهو الحجة الظاهرة لقرار إرسال قوات عسكرية إلى الخارج. غير أن الإشكال لا يكمن في مشروعيته بل في اتساع هذا المفهوم، وفي الحدود الفاصلة بين الدفاع عن أمن الدولة داخل مجالها الوطني، والتدخل في المجال الأمني لدولة مجاورة بحجة حماية المصالح المشتركة.

فالأمن القومي الجزائري(المعلن) يرتبط، بصورة موضوعية، باستقرار المناطق الحدودية، ومكافحة الجماعات الإرهابية، ومحاربة شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات، ومنع تحول منطقة الساحل إلى فضاء لتوسع التنظيمات المتطرفة. كما أن التهديدات التي تنطلق من الأراضي غير المستقرة قد تتجاوز الحدود الوطنية، بما يجعل التعاون الأمني مع النيجر مصلحة جزائرية مفهومة من الناحية الاستراتيجية.

لكن هذا التبرير يظل بحاجة إلى تحديد أكثر دقة حول طبيعة التهديد الذي يستوجب نشر القوات من أجله؟ وما حدود المهمة الجغرافية والزمنية؟ وهل يتعلق الأمر بتأمين منشآت اقتصادية محددة، أم بالمساهمة في حماية النظام السياسي القائم، أم بإقامة حضور عسكري مستمر في منطقة ذات أهمية استراتيجية؟

الحقيقة أن هذه الأسئلة تكتسي أهمية خاصة في ضوء التقارير متنوعة تحدثت عن إرسال وحدات عسكرية إلى منطقة “ماداما ” شمال النيجر، بالقرب من الحدود الليبية، خاصة بوجود قوات المشير خليفة حفتر وتقاربه مع المغرب عن طريق الجنرال صدام حفتر ، وهي منطقة ذات أهمية في مراقبة طرق العبور والتحركات بين النيجر وليبيا، كما ربطت تقارير صحفية الخطوة بحماية مصالح شركة سوناطراك ومشروعات الطاقة الجزائرية مع النيجر. 

ومن ثم، فإن توسيع مفهوم الأمن القومي ليشمل المصالح الاقتصادية والممرات الاستراتيجية قد يكون جزءًا من التحول في العقيدة الأمنية الجزائرية، لكنه يطرح في الوقت نفسه خطرًا يتمثل في تحويل مفهوم الأمن من أداة لحماية النظام إلى إطار واسع يمكن توظيفه لتبرير تمدد النفوذ خارج الحدود وممارسة الوصاية السياسية على النيجر.

وهو تساءل مشروع لا يجرأ أصحاب القرار ولا نخب السياسة والاعلام على طرحه في الجزائر بحكم غياب الديمقراطية وحرية الاعلام.

المحور الثاني: مطامع الجزائر في الثروات الطبيعية للنيجر 

لا يمكننا قراءة التحرك الجزائري الأخير بمعزل عن الأهمية الاقتصادية للنيجر، التي تمتلك موارد معدنية وطاقية متنوعة تجعلها مجالًا للتنافس بين القوى الإقليمية المحلية والدولية. وتزداد أهمية هذه الموارد في ظل سعي السلطات النيجرية إلى إعادة النظر في شروط استغلال الثروات الوطنية، وتعزيز حصة الدولة من العائدات المعدنية، وإعادة التفاوض بشأن علاقاتها مع الشركات الأجنبية العاملة داخل النيجر ومن الموارد التي يسيل لها لعاب النظام الجزائري نجد: 

أولا: النفط ومشروعات الطاقة

يعتبر النفط في النيجر أحد أهم العناصر الأكثر وضوحًا في تفسير المصالح الاقتصادية والمطامع الجزائرية داخل النيجر. فقد وقّعت سوناطراك اتفاقًا مع السلطات النيجرية سنة 2022 يتعلق بالاستكشاف والإنتاج في منطقة كافرا، حيث أشارت تقارير رويترز إلى وجود احتياطيات مثبتة في بئرين استكشافيتين. كما يرتبط التعاون بين الجزائر والنيجر ونيجيريا بمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يستهدف نقل الغاز النيجيري عبر النيجر إلى الجزائر، تمهيدًا لتصديره إلى الأسواق الأوربية. 

وتفسّر هذه المصالح(المطامع) جانبًا مهمًا من اهتمام الجزائر بتأمين نفوذها التي توجد فيها استثماراتها أو تمر عبرها مشروعاتها المستقبلية. فتعرض المنشآت النفطية أو خطوط النقل للتهديد قد يترتب عليه ضرر اقتصادي مباشر، فضلًا عن انعكاساته على خطط الجزائر المستقبلية لتوسيع دورها في سوق الطاقة والمحروقات.

غير أن حماية الاستثمارات والمصالح لا تخلو من إشكالية تحول هذه الحماية لأداة سيطرة ووصاية على القرار السياسي في النيجر .

ثانيا :اليورانيوم مورد استراتيجي ثمين في قلب التنافس الإقليمي والدولي

تحتل هذه الثروة مكانة مركزية في الاقتصاد الاستراتيجي للنيجر، ولا سيما في مناطق أرليت وحوض تيم مرسوي شمال البلاد. وقد مثّلت شركة «سومير» (SOMAÏR)، التي كانت تسيطر شركة أورانو الفرنسية على الحصة الأكبر من رأسمالها، محورًا رئيسيًا للخلاف بين السلطات النيجرية وفرنسا؛ إذ أعلنت السلطات النيجرية في يونيو 2025 تأميم الشركة في سياق مساعيها إلى تعزيز السيطرة الوطنية على الثروات المعدنية. 

ويعكس الصراع حول الموارد الذي لا ينفصل عن التحولات السياسية الإقليمية والوطنية في النيجر، حيث لم تعد المسألة مقتصرة على استخراج المعادن، بل أصبحت مرتبطة بمن يملك سلطة اتخاذ القرار بشأنها، ومن يستفيد من عائداتها، ومن يحدد شروط الاستثمار والتصديرفيها فهل يكون هذا المورد النفيس مغريا للنظام العسكري في الجزائر خاصة أن أطرافا في الشرق الأوسط تسعى وراءه؟ 

ثالثا :الذهب والفوسفات: تعددت الموارد وتعددت رهانات النفوذ

إلى جانب النفط واليورانيوم، تتوفر النيجر على موارد من الذهب والفوسفات والليثيوم ومعادن أخرى. ويبرز الذهب خصوصًا في مناطق تيلابيري وأغاديس. أما الفوسفات، فتشير بيانات رسمية نيجرية منشورة في مايو 2026 إلى وجود احتياطيات تتجاوز مليار طن، من بينها رواسب في منطقتي أنيكر وغواي في إقليم طاوة. 

وتمنح هذه الموارد النيجر أهمية اقتصادية تتجاوز وزنها في التجارة الإقليمية، خاصة مع تزايد الطلب العالمي على المعادن والمواد الأولية المرتبطة بالصناعات الاستراتيجية والتحول الطاقي.

كما أن تعزيز الحضور الأمني في النيجر قد يمنح النظام الجزائري قدرة أكبر على حماية مصالحه وزيادة نفوذه، وعلى توسيع حضوره في بيئة تتنافس فيها قوى دولية وإقليمية متعددة ويسيل لعاب أطراف نافذة في الجيش الجزائري تسعى لمراكمة المال والثروة.

المحور الثالث: هل يتحول الوجود العسكري إلى وصاية سياسية؟

لا ينبغي التوقف عند البعد الاقتصادي وحده، بل يجب أن يمتد إلى طبيعة العلاقة التي يمكن أن تنشأ بين الدولة التي ترسل قواتها والدولة التي تستقبلها، خاصة عندما تكون الأخيرة خاضعة لحكم عسكري يواجه تحديات أمنية وسياسية.

فقد شهدت العلاقات الجزائرية النيجرية تقلبات ملحوظة بعد انقلاب يوليو 2023، ثم توترت بصورة إضافية في سياق الخلافات الإقليمية المرتبطة بالجزائر ومالي. غير أن العلاقات عرفت تقاربًا جديدًا خلال سنة 2026، تجسد في الاتصالات والزيارات الرسمية والتعاون العسكري، وصولًا إلى المصادقة البرلمانية على إرسال وحدات من الجيش الجزائري. 

ويمكن تفسير هذا التقارب باعتباره استجابة متبادلة لمصالح مشتركة، خصوصًا أن النيجر تواجه نشاط جماعات إرهابية مسلحة في مناطق مختلفة من أراضيها. إلا أن المساعدة العسكرية، عندما تتجاوز التدريب والتنسيق وتصل إلى نشر قوات على الأرض، قد تثير أسئلة تتعلق بتوازن القرار داخل الدولة المضيفة. وإمكانية تحول هذا الوجود إلى وصاية سياسية وعسكرية.

فإذا أصبحت حماية النظام الحاكم مرتبطة بدرجة كبيرة بقدرات قوة أجنبية، فقد يتسع تأثير هذه القوة في تحديد الأولويات الأمنية، وفي اختيار الشركاء، وفي رسم اتجاهات السياسة الخارجية. كما تطرح معضلة تعامل هذه القوات مع الشعب النيجري ونظرته لهذه القوات ورفض وجودها شعبيا. خاصة أن النيجر، شأنها شأن بقية دول الساحل، تؤكد في خطابها السياسي الراهن مسألة السيادة الوطنية ورفض التبعية الخارجية. وبالتالي، فإن أي تعاون عسكري لا يحترم هذه الاعتبارات قد يخلق تناقضًا بين المبررات المعلنة للتعاون والنتائج السياسية التي يفضي إليها.

إن الفاصل بين الدعم الأمني والوصاية السياسية لا يتحدد بالخطاب الرسمي وحده، بل بطبيعة الممارسة، وشفافية الاتفاقات، ومدى قدرة الدولة المضيفة على التحكم في قراراتها السيادية.

أولا :ملء الفراغ الفرنسي وإعادة تشكيل موازين القوى في الساحل

يُعد الانسحاب الفرنسي من النيجر أحد أبرز التحولات التي أعادت تشكيل البيئة الأمنية والسياسية في منطقة الساحل. فقد أدى تدهور العلاقات بين باريس والسلطات العسكرية التي وصلت إلى الحكم عقب انقلاب يوليو 2023 إلى إنهاء الوجود العسكري الفرنسي في البلاد، في سياق أوسع اتسم بتراجع النفوذ الفرنسي في عدد من دول المنطقة، مقابل تنامي الشراكات الأمنية مع دول أخرى . 

وفي هذا السياق، يمكن قراءة التحرك الجزائري باعتباره محاولة لتعزيز الحضور في فضاء استراتيجي كان الوجود الفرنسي يؤدي فيه دورًا عسكريًا مهمًا. وبالنظر إلى موقعه في شمال النيجر وقربه من الحدود الليبية.

ولا شك أن خروج فرنسا خلف فارغا كبيرا في دولة تعاني مصاعب شتى وضعفا في قدراتها العسكرية والأمنية وتحاول من خلاله الجزائر التوسع عند جارها خاصة بعد فشل رهانها على البوليساريو.

ومن ثم، فإن المسألة لا تتعلق بمجرد انتقال جغرافي للقوات من دولة إلى أخرى، بل باحتمال انتقال مركز الثقل في إدارة بعض الملفات الأمنية من قوة خارجية إلى قوة إقليمية مجاورة. وقد يتيح ذلك للجزائر توسيع مجال حركتها، وتعزيز قدرتها على التأثير في الترتيبات الأمنية المستقبلية لمنطقة الساحل.

لكن ثمة فرقًا بين ملء فراغ أمني والمطالبة بدور قيادي دائم. فالملعب النجيري فيه لاعبون أخرون ومنهم الامارات العربية والمغرب. 

والمفارقة الأساسية والساخرة هنا في أن الجزائر قد تبرر حضورها برفض التدخلات الخارجية، لكنها تبيح لنفسها التدخل والوصاية الخارجية على جيرانها وخاصة النيجر.

ثانيا: التنافس الإقليمي وحسابات النفوذ الإماراتي والمغربي

لا يمكن فهم التحرك الجزائري بمعزل عن التنافس الإقليمي في شمال إفريقيا والساحل، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن والطاقة والتجارة والنفوذ الدبلوماسي. وفي هذا الإطار، تبرز التساؤلات المتعلقة بنظرة الجزائر إلى الحضور الإماراتي والمغربي في القارة الإفريقية، ومدى تأثير هذه الحسابات في مقاربتها للنيجر.

فمن الممكن أن تنظر الجزائر إلى توسيع حضورها الأمني والاقتصادي في النيجر باعتباره وسيلة لتعزيز موقعها الإقليمي، والحفاظ على دورها في الترتيبات المستقبلية لمنطقة الساحل، وعدم ترك المجال أمام منافسين إقليميين لتوسيع نفوذهم في فضاء تعتبره الجزائر حديقة خلفية.

كما يمكن القول إن التنافس الإقليمي يساهم في تفسير الأهمية التي تكتسبها النيجر بالنسبة إلى الجزائر. فالدولة التي تتمكن من بناء علاقات أمنية واقتصادية مستدامة مع نيامي قد تحظى بموقع مؤثر في ملفات الحدود والطاقة والتجارة ومكافحة الجماعات المسلحة.

وإذا تحولت هذه الاعتبارات إلى منطق تنافسي جامد دون الأخذ بالحساب لتأثير المغرب والامارات العربية، فقد تصبح النيجر ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية ومستنقعا تغرق فيه الجزائر.

لذلك، فإن السؤال الجوهري ليس ما إذا كانت الجزائر تنافس قوى أخرى فحسب، وإنما ما إذا كان هذا التنافس سيؤدي إلى تعاون إقليمي أكثر فاعلية، أم إلى زيادة صبّ الزيت على النار كما فعلت مع جارها القوي المغرب.

المحور الرابع: موقف المجتمع النيجرِي وحدود شرعية الوجود العسكري الأجنبي

يمثل الموقف الشعبي في النيجر عنصرًا أساسيًا في تقييم أي وجود عسكري أجنبي، خاصة في ظل الخطاب السيادي الذي برز بقوة عقب انقلاب 2023. فقد شهدت البلاد تعبئة شعبية مؤيدة لرحيل القوات الفرنسية، كما أصبح إنهاء الوجود العسكري الغربي أحد الملفات البارزة في العلاقة بين السلطات الجديدة وقطاعات من المجتمع. وتشير تقارير صحفية إلى أن عددًا من المواطنين الذين استطلعت وسائل الاعلام آراءهم عبّروا عن ترحيبهم برحيل القوات الأجنبية، مع استمرار القلق بشأن تدهور الوضع الأمني. 

لهذا فالمزاج السيادي الذي برز في النيجر يفرض على أي قوة أجنبية التعامل مع مسألة الشرعية الشعبية بجدية. فالموافقة التي تمنحها الحكومة المضيفة لا تعفي الشريك العسكري من ضرورة احترام استقلال القرار الوطني، ولا تجعل الوجود العسكري مقبولًا اجتماعيًا بصورة تلقائية.

ومن هنا، يمكن للوجود العسكري الجزائري أن يصبح محل رفض واسع من قطاعات متنوعة من المجتمع النيجرِي للتدخل الخارجي قد يمتد إلى أي قوة أجنبية يُنظر إليها باعتبارها تسعى إلى فرض إرادتها أو حماية مصالحها على حساب المصالح الوطنية، بصرف النظر عن هويتها أو الخطاب الذي تستخدمه لتبرير وجودها.

وتزداد حساسية هذا الاحتمال إذا ارتبط الانتشار العسكري بحماية منشآت اقتصادية أجنبية، بينما ظلت العائدات المحلية وفرص العمل والتنمية ضعيفة. ففي هذه الحالة، قد ينشأ انطباع بأن الأولوية تُمنح لحماية الاستثمارات الخارجية والمصالح بدلًا من معالجة المطالب الاجتماعية والأمنية للسكان.

وعليه، فإن نجاح أي تعاون عسكري جزائري نيجرِي لن يتحدد بالقدرة على نشر القوات أو تأمين المواقع المستهدفة فحسب، بل بمدى احترام سيادة النيجر، ووضوح أهداف المهمة، وخضوعها للقانون، وعدم تحولها إلى مصدر جديد للتوتر الداخلي.

وتبرز هنا أهمية الشفافية المؤسساتية؛ فكلما كانت أهداف الانتشار وصلاحيات القوات والضمانات المرتبطة به واضحة، أمكن إخضاع القرار لنقاش شعبي عام أكثر موضوعية، والتمييز بين المتطلبات الأمنية الحقيقية وبين التأويلات المتعلقة بأهدافه السياسية وهذا ما تفتقده الجزائر الرسمية بسبب غياب الديمقراطية وحرية الرأي فلم يكن هناك أي نقاش سياسي أو مجتمعي يسبق الخطوة بل قرار فوقي فرضته المؤسسة العسكرية  .

المحور الخامس: السيناريوهات المحتملة وتحديات المرحلة المقبلة

يمكننا استشراف ثلاثة مسارات رئيسية لتطور الوجود العسكري الجزائري في النيجر، مع التأكيد على أنها سيناريوهات افتراضية:

السيناريو الأول: مهمة محدودة لتأمين المصالح الاقتصادية

وفق هذا المسار، يظل الانتشار العسكري محدودًا من حيث الحجم والمهمة، ويرتبط أساسًا بحماية المنشآت النفطية والمشروعات الطاقية، ضمن اتفاق ثنائي واضح ومحدد زمنيًا.

وقد يسمح هذا السيناريو للجزائر بحماية مصالحها الاقتصادية من دون الانخراط في مسؤوليات أمنية واسعة داخل النيجر. لكنه يظل مشروطًا بتحديد دقيق للصلاحيات، وتجنب توسع المهمة تدريجيًا بفعل تطور التهديدات لكنه سيقوي فكرة البحث عن المصالح والثروة دون اكتراث بوضع السكان والسيادة النيجرية .

السيناريو الثاني: ترسيخ حضور أمني وسياسي طويل الأمد

وفق هذا المسار، يتطور الانتشار من مهمة محدودة إلى حضور مستمر يمنح الجزائر دورًا أكبر في الترتيبات الأمنية شمال النيجر، وربما في إدارة بعض التحديات الحدودية المرتبطة بليبيا ومنطقة الساحل.

وقد يعزز ذلك موقع الجزائر الإقليمي، لكنه يطرح مخاطر تتعلق باتساع الالتزامات العسكرية، وتداخل حماية المصالح الاقتصادية مع دعم السلطة السياسية القائمة، واحتمال نشوء توترات مع فاعلين إقليميين آخرين وكذا ممارسة نوع من الوصاية السياسية والأمنية والعسكرية على النيجر.

السيناريو الثالث: تصاعد التنافس وتآكل القبول المحلي

يفترض هذا السيناريو أن يتحول الوجود العسكري إلى موضوع خلاف داخلي أو إقليمي، سواء بسبب غموض أهدافه، أو طول مدته، أو ارتباطه بمصالح اقتصادية خارجية، أو انعكاسه على علاقات النيجر بشركائها الآخرين.

وفي هذه الحالة، قد تواجه الجزائر صعوبات في الحفاظ على قبول وجودها، خصوصًا إذا رأت قطاعات من المجتمع أن التعاون الأمني لا يحقق فوائد ملموسة للنيجر أو أنه يحد من استقلال قرارها الوطني مما يؤدي إلى رفض واسع للوجود العسكري الأجنبي شعبيا وبداية المطالبة برحيله عن البلاد مع اتخاد إجراءات ممانعة تعجل بطرده.

خاتمة

تكشف مصادقة البرلمان الجزائري على نشر قوات عسكرية في النيجر عن تحول مهم في مقاربة الجزائر لأمنها الإقليمي، وعن اتساع النقاش بشأن العلاقة بين شعار حماية الأمن القومي وإدارة المصالح الاقتصادية والجيوسياسية خارج الحدود الوطنية والبحث عن الثروة والنفوذ .

فمن جهة، توجد اعتبارات أمنية واقتصادية علنية وخفية من بينها التهديدات العابرة للحدود، وحماية الاستثمارات النفطية، ومشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، والتغيرات التي شهدها الوجود العسكري الأجنبي في منطقة الساحل. ومن جهة أخرى، يفتح القرار المجال أمام تساؤلات مشروعة بشأن حدود الدور الجزائري، واحتمال توظيف التعاون الأمني لتعزيز النفوذ السياسي، ومدى تأثير التنافس الإقليمي في تحديد الأولويات الاستراتيجية.

وفي المقابل، لا ينبغي الاكتفاء بالمبررات الرسمية من دون مساءلتها عن حدودها وأهدافها ونتائجها. فمفهوم الأمن القومي يحتاج إلى تعريف واضح يبيّن طبيعة التهديدات التي تستدعي الانتشار العسكري، والعلاقة بين حماية الاستثمارات وحماية الدولة، والضمانات التي تحول دون تحول المهمة المحدودة إلى التزام عسكري وسياسي طويل الأمد.

وعليه، فإن المعيار الأساسي لفهم القرار الجزائري ليس الخطاب الذي يبرره فحسب، وإنما طبيعة الممارسة التي ستترتب عليه: هل سيظل التعاون محصورًا في أهداف أمنية واقتصادية متفق عليها، أم سيتطور إلى حضور يوسّع مجال النفوذ السياسي والاستراتيجي للجزائر داخل النيجر أم سيكون بداية لفرض وصاية سياسية وأمنية وعسكرية على دول النيجر؟

تظل الإجابة عن هذا السؤال رهينة بما ستكشف عنه الأيام القادمة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.

أيضاً في 24 ساعة النيابة العامة وجرائم الشيك: انضباط الدعوى العمومية بين الشرعية الزجرية… ←

التعليقات

شاركنا رأيك حول الموضوع 👇

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات