اهتزت مدينة سلا، مساء الإثنين 2 نونبر الجاري، على وقع فاجعة إنسانية مؤلمة، إثر إقدام أم على إنهاء حياة طفليها الصغيرين قبل أن تضع حدا لحياتها هي الأخرى ، في واقعة مأساوية خلفت صدمة عارمة وحزنا عميقا لدى مختلف أطياف الرأي العام الوطني.
وأعادت هذه الواقعة إلى الواجهة النقاش المعقد حول الصحة النفسية والضغوطات الصامتة التي قد تدفع أحيانا ببعض الأمهات إلى ارتكاب أفعال تتنافى مع غريزة الأمومة الفطرية، وهو ما خلف تساؤلات عديدة حول العوامل النفسية والعقلية المفسرة لمثل هذه السلوكيات .
ولتسليط الضوء على الأبعاد النفسية لهذه المأساة، أجرى موقع “آشكاين” حوارا مع الأخصائية والمعالجة النفسية هاجر العيساوي، في محاولة لتفكيك المؤشرات والاضطرابات المحتملة لمثل هذه الفواجع الأسرية.
بداية أستاذة هاجر ، كيف نقارب من زاوية التحليل النفسي فاجعة إقدام أم على قتل فلذات أكبادها ثم الانتحار؟
قبل الخوض في مناقشة هذه الحوادث الصادمة علميا، يجب التوضيح أولا أن محاولة التفسير هذه ؛ للدوافع والمسارات النفسية لا تعني إطلاقا التطبيع مع الفعل أو إضفاء طابع عادي عليه، فالحدث في حد ذاته مأساوي بكل المقاييس.
لكن من الناحية “الإكلينيكية”، غالبا ما تقف وراء هذه الوقائع معاناة نفسية مركبة واضطرابات حادة؛ في مقدمتها ما يُعرف بـ”اضطراب الاكتئاب الحاد أو الجسيم” (La dépression sévère)، الذي يترافق مع أعراض نفسية ومعرفية خطيرة تؤدي إلى تشويش كلي في الاشتغال المعرفي السليم للمخ؛ كضعف التركيز، وتدهور الذاكرة، وفقدان القدرة على المحاكمة العقلية والتقييم السليم للأمور.
وما الذي يجعل هذا الاكتئاب الحاد ينعكس بشكل مباشر على الأبناء؟
في مثل هذه الحالات المتقدمة، تعاني المصابة من شعور جارف بالدونية وتأنيب الضمير المرضي، وهو إحساس بالذنب قد يتركز بالكامل حول الأبناء؛ حيث تبدأ الأم المريضة بلوم نفسها باستمرار عبر تساؤلات مشوهة من قبيل: “لماذا أنجبتهم لهذه الدنيا القاسية؟ أنا أم فاشلة وسبب في شقائهم وعذابهم”.
هذا التفسير المعرفي الخاطئ والمشوه للواقع يتحول مع الوقت إلى قناعة فكرية ثابتة ومستمرة، لتبدأ المريضة في وضع خطة لإنهاء هذه المعاناة، بدافع مرضي تعتقد فيه — تحت وطأة المرض — أنها “تخلصهم من عذاب محقق”، فتتحول عاطفة الأمومة المشوهة إلى رغبة في وضع حد لحياتهم بداعي حمايتهم.
هل يمكن أن يتطور الأمر إلى انفصال تام عن الواقع؟
نعم، ففي كثير من الأحيان يترافق الاكتئاب الجسيم بأعراض ذهانية (Symptômes psychotiques). وهنا ننتقل من المرض النفسي إلى المرض العقلي، حيث تصبح المعنية بالأمر في حالة انفصال تام عن الواقع عبر تبني أفكار وهلاوس لا صلة لها بالحقيقة لكنها تؤمن بها كوجهة نظر خاصة بها إيمانا مطلقا.
و يضاف إلى ذلك حضور الأفكار الانتحارية؛ وهي أفكار تمر عبر مراحل: تبدأ بمجرد التفكير وتمن للموت، ثم تتطور إلى وضع خطة محكمة ومكتملة للتنفيذ، وتصل إلى مرحلة الإقدام والمحاولة الفعلية (Le passage à l’acte).
وفي خضم هذا التشوش العقلي والانفصال الذهاني، يسيطر على الأم هاجس مظلم: “كيف سأترك أطفالي ورائي بعد موتي؟ من سيعتني بهم؟ سيتعذبون في غيابي ولن يستطيعوا العيش بدوني”، فيصل بها التفكير المشوه إلى اتخاذ قرار تصفيتهم أولاً لـ”إنقاذهم” قبل أن تنهي حياتها.
وماذا عن الاضطرابات العقلية المستقلة كالذهان والفصام، إلى أي حد يمكن أن تكون هي الدافع المباشر؟
إلى جانب الاكتئاب الجسيم، يجب أن نستحضر بقوة فرضية الاضطرابات الذهانية الفعلية (Les troubles psychotiques)، وعلى رأسها مرض الفصام (La schizophrénie).
في هذه الحالة المرضية، يختلط الواقع تماما بالأفكار والضلالات المرضية في ذهن المصاب؛ إذ يعجز المريض عن التمييز بين ما هو فكرة واقعية سوية وما هو نتاج مرضي لعقله، فيصدق تلك الأوهام ويؤمن بها لآخر رمق دون أدنى شك.
هذا الانفصال الذهاني يتغذى غالبا على نوعين من الأعراض؛ “الهلاوس السمعية” (Hallucinations auditives) و”الهلاوس البصرية” (Hallucinations visuelles).
ففي الهلاوس السمعية، قد تسمع الأم أصواتا خارجية أو أوامر ملحة في أذنها تدعوها لإنهاء حياة أطفالها، أو تهمس لها بأن هناك خطرا يتهددهم من شخص ما وعليها “إنقاذهم” برمي أحدهم من النافذة أو خنقه، فتتحرك تحت وطأة هذا الصوت القهري وكأنها مدفوعة ومسيرة من قوة خفية.
أما على مستوى الهلاوس البصرية، فقد تترائ للمريضة سيناريوهات وصور وأحداث غير موجودة في الواقع إطلاقا؛ كأن ترى طفلها في حالة سقوط أو يتعرض لأذى، فتقوم بفعل مأساوي بحجة إنقاذه بينما هي تؤذيه وتقتله في الحقيقة.
إنها أفكار وتشوهات معرفية خطيرة لا تمت للصحة العقلية بصلة، لكن المريض الذهاني يتبعها بيقين مطلق ويتحرك بناءً عليها، وهو ما يقود في غياب التدخل الطبي والمواكبة الأسرية إلى مثل هذه الفواجع.
هل يعني هذا أن إنهاء حياة الأطفال من طرف الأم المكتئبة يكون بالنسبة لها الحل أو خلاص؟
تماماً، وهنا تكمن المفارقة الخطيرة والصادمة؛ ففي حالات الاكتئاب الحاد، ترى الأم أن حياتها فقدت كل معنى، وأن الأفق مسدود تماما ولا أمل يرجى في هذا الوجود.
وفي ظل هذا اليأس المطلق، لا يُنظر إلى الموت بنظرة الخوف أو باعتباره جريمة، بل يتحول في عقلها المشوه إلى “قرار شجاع” ووسيلة وحيدة للخلاص والنجاة من واقع لا يطاق.
وتتولد لدى المعنية قناعة مرضية راسخة بأنها لا تستطيع الرحيل وترك أطفالها يواجهون قسوة الحياة بمفردهم؛ فتقول في نفسها: “أنا لم أجد ما أعيش لأجله في هذه الدنيا، فكيف سيجدون هم سبيلا للعيش؟ نحن نستحق حياة أخرى أفضل بعيدا عن هذا العذاب”.
هذه الضلالات والأفكار المرضية المضللة تجعل الأم تتيقن من سلامة قرارها الكارثي وتنفذه بدافع “حماية” أطفالها من قسوة المستقبل، وهو ما يثبت مجددا أننا أمام اضطراب وبروفيل نفسي وعقلي مأزوم يفقد السيطرة على الواقع وليس مجرد سلوك إجرامي واع بذاته.
ماذا عن الاضطرابات المرتبطة بالولادة مثل “اكتئاب ما بعد الولادة” والوساوس القهرية الاندفاعية، هل لها حضور أيضاً؟
أشكرك على اثارة هذه النقطة لكونها في غاية الأهمية والخطورة؛ فهناك ما يعرف بـ”البيبي بلوز” (Baby blues) أو الفترات الاكتئابية الحادة المصاحبة للولادة، والتي تعاني منها العديد من الأمهات الجدد.
في مثل هذه الحالات، يبدأ الاضطراب بالخوف الشديد من الاقتراب من الرضيع أو لمسه، خشية التسبب في إيذائه دون قصد. وتتطور الحالة عند البعض إلى هواجس ووساوس قهرية عنيفة، تقتحم منظومة التفكير بشكل قسري وعنيف (Des pensées impulsives et intrusives)؛ مثل أن يراود الأم فجأة فكرة : “احذري، قد تأخذين سكينا وتطعنين طفلك!”.
وهذه الأفكار، وإن كانت قد ترد كخاطر عابر، إلا أنها حين تتكرر باستمرار تتحول إلى فكرة قهرية مرعبة تجعل الأم في حالة رعب وفزع دائم من إمكانية الانتقال إلى الفعل (Le passage à l’acte) وإيذاء رضيعها.
وهنا نكون أمام مرحلة عصابية (Névrotique) ما تزال فيها الأم متصلة بالواقع وواعية ببشاعة الفكرة، مما يدخلها في جحيم نفسي حقيقي وصراع يومي مضن؛ فتلجأ إلى إخفاء كافة السكاكين والأدوات الحادة من المنزل، وترفض قطعيا البقاء بمفردها مع طفلها في غرفة واحدة دون وجود طرف ثالث يحميه منها، نتيجة الرعب القهري من أن تخونها قواها في لحظة ضعف وتنفذ تلك الاندفاعات المرضية القسرية.
إلى جانب الاكتئاب والذهان، هل يمكن أن ترتبط هذه الأفعال باضطرابات الشخصية والعوامل الاجتماعية؟
بالتأكيد، لا يمكن إغفال فرضية “اضطرابات الشخصية” (Troubles de la personnalité)، وتحديدا الشخصيات السيكوباتية أو ذات البنية غير السوية (Structure de personnalité)؛ حيث تتوفر لدى هؤلاء دوافع ونوازع مرضية لإيذاء الآخرين، وقد يصل الأمر بأم تحمل هذه السمات إلى إيذاء أطفالها بدم بارد أو حتى مع سبق الإصرار والترصد.
لكن الصورة لا تكتمل إلا بربط الجانب النفسي بالبيئة والسياق الاجتماعي المحيط؛ فالسؤال الجوهري يظل: هل هذه الأم كانت محاطة بأسرة داعمة ومتفهمة؟ هل كانت تتمتع باستقرار اجتماعي واقتصادي، أم أنها عاشت تحت وطأة العنف الزوجي، أو القهر الأسري، أو الهشاشة الاقتصادية القاتلة؟
إن تظافر هذه الضغوطات الخارجية المعقدة مع وجود استعداد أو هشاشة نفسية كامنة هو ما يشعل فتيل الأزمة.
فالضغوط تولد توترات حادة ومستمرة، وتلك التوترات تتدرج وتتراكم لتتحول إلى اضطراب نفسي عميق. تدخل المريضة في عملية سلسلة من الحلقات المترابطة بإحكام؛ حلقة تسلم إلى أخرى، إلى أن تنفجر في النهاية على شكل فاجعة لا تحمد عقباها.
أمام هذه المؤشرات المقلقة، ما هو الدور المطلوب اليوم لتفادي تكرار مثل هذه المآسي داخل المجتمع؟
هنا بالتحديد يبرز الدور الحيوي والمشترك الملقى على عاتق المنابر الإعلامية والمتخصصين والمهنيين في مجال الصحة النفسية والعقلية؛ إذ من الضروري اليوم العمل المكثف على إذكاء الوعي المجتمعي بخطورة الاضطرابات النفسية وتداعياتها القصوى، كالانتحار والعنف غير المبرر.
كما يجب أن ندرك جميعا أن الأم لا تعيش بمعزل عن محيطها، بل تتحرك وتتفاعل داخل نسق أسري واجتماعي متكامل؛ وبالتالي فإن سلامتها النفسية هي بالضرورة صمام أمان لصحة الطفل واستقرار الأسرة ككل.
فهذه الفاجعة تفرض علينا فتح نقاش وطني جاد ومستمر، يؤكد على مركزية العلاقات الصحية، وأهمية الحوار والتواصل الأسري الفعال، وضرورة تكسير “الطابوهات” المرتبطة بطلب المساعدة النفسية عند ظهور أولى علامات التوتر أو التغير السلوكي؛ فالتدخل المبكر والتكفل العلمي بالحالات النفسية الهشة كفيلان بإنقاذ أرواح بريئة وقطع الطريق أمام نهايات مأساوية من هذا القبيل.



















التعليقات
شاركنا رأيك حول الموضوع 👇