.عبدالحميد البجوقي
في الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، التي يُخلدها المغرب اليوم 6 نوفمبر 2026، تبدو قضية الصحراء المغربية أمام مُنعطف يتجاوز رمزية استحضار حدث تاريخي صنعه الإجماع الوطني سنة 1975، ليفتح الباب أمام مرحلة جديدة تتشكل ملامحها على المستويين الدبلوماسي والسياسي، عنوانها الانتقال من تدبير نِزاع طال أمده إلى البحث عن تسوية نهائية على أساس مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
لقد وضع فشل مجلس الأمن في تجديد ولاية بعثة المينورسو، بعد الفيتو الروسي ضد المشروع الأمريكي يوم 30 أكتوبر الماضي، المنطقة أمام واقع دولي جديد. المهمة الأممية التي استمرت أكثر من ثلاثة عقود انتهى أجل ولايتها، وبدأت الأمم المتحدة إجراءات إنهاء عملياتها وتدبير انسحابها، بما يطرح سؤال اليوم التالي، ليس فقط بالنسبة للمغرب، وإنما بالنسبة لمستقبل المنطقة برمتها.
صحيح أن الفيتو الروسي عَطّل مشروع القرار الأمريكي، رغم حصوله على تأييد أحد عشر عضواً من أعضاء مجلس الأمن، كما أن المشروع الروسي البديل لم يحظ بالأصوات اللازمة لتمديد المهمة.
لكن ما لا ينبغي إغفاله هو أن هذا التعثّر الإجرائي لا يمحو التحول الذي عرفته المقاربة الدولية للنزاع، ولا يُلغي المكانة التي باتت تحتلها المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها أساساً للمفاوضات، وخياراً يحظى بدعم متنامٍ داخل المنتظم الدولي.
وفي المقابل، لا يبدو أن الرباط تتعامل مع نهاية ولاية المينورسو باعتبارها مجرد تطور أممي عابر، بل باعتبارها بداية لترتيب مرحلة جديدة، وهو ما عكسته جلسة العمل الملكية الأخيرة، التي وضعت ترتيبات ما بعد المينورسو في صلب الاهتمام، مع التشديد على الأمن والاستقرار واستمرارية الالتزام بوقف إطلاق النار.
أما الفيتو الروسي، فلا ينبغي قراءته باعتباره نهاية الطريق أو حكماً نهائياً على الموقف الروسي من الحل، بقدر ما يعكس خلافاً حول صياغة المشروع الأمريكي وطريقة تدبير الانتقال الأممي. ومع ذلك، فإن المصالح الدولية المتقاطعة، والتحولات الجارية، تترك الباب مفتوحاً أمام ترتيبات وتفاهمات دبلوماسية جديدة، قد تسمح بتقريب وجهات النظر وإعادة تحريك المسار السياسي.
إن الرهان المغربي اليوم لا يتعلق فقط بإنهاء مهمة أممية استنفدت، في نظر الرباط، مبررات استمرارها بصيغتها القديمة، وإنما بتحويل التراكم الدبلوماسي إلى أفق سياسي وتنموي جديد، يستند إلى إجماع وطني وخطة واضحة وتدبير مُتدرج، بعيداً عن منطق الاستعجال أو الاحتفال بنتائج لم تكتمل بعد.
ولعل المعنى الأعمق للمسيرة الخضراء في ذكراها الخمسين هو أن الثمار التي يتطلع إليها المغرب لا ينبغي أن تظل محصورة في بُعدِها الوطني والسيادي، على أهميته، بل أن تمتد إلى شعوب المنطقة ودولها، من خلال إنهاء نزاع استنزف الإمكانات وعَطَّل فرص التكامل المغاربي، وأخَّر بناء فضاء إقليمي قادر على مواجهة تحديات التنمية والأمن والاستقرار.
إنها لحظة تتقاطع فيها ذاكرة المسيرة الخضراء مع رهانات المستقبل، مرحلة تنتهي وأخرى تتشكل على نار هادئة. وإذا كانت المسيرة الخضراء قد فتحت سنة 1975 صفحة جديدة في تاريخ المغرب، فإن الرهان اليوم هو أن تفتح الدبلوماسية المغربية صفحة الحل النهائي، بما يجعل من التسوية مكسباً للمغرب، وفرصة تاريخية لشعوب المنطقة جميعها.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

















التعليقات
شاركنا رأيك حول الموضوع 👇