أدخل فشل مجلس الأمن الدولي في تمديد ولاية بعثة “المينورسو”، البعثة الأممية رسميا في مرحلة “تصفية العمليات” ابتداء من فاتح نونبر 2026، وهو إجراء إداري ولوجستي معقد تحكمه بروتوكولات صارمة داخل المنظمة الدولية.
ولا يعني انتهاء الولاية السياسية والعسكرية لبعثة “المينورسو” مغادرة طواقمها التي تُقدر بالمئات بشكل فوري، بل يفتح الباب أمام مسار تقني من مراحل تشرف عليه إدارة الأمم المتحدة لدعم العمليات بتنسيق مع المغرب.
وبالروجووع للتجارب السابقة التي طوت فيها المنظمة صفحة بعثاتها عبر العالم وفق جداول زمنية متفاوتة تحددها طبيعة البعثة وحجمها والظروف السياسية المحيطة بإنهائها، نجد أن إنهاء هذه التجارب يمر بين مرحلتين متتاليتين، مرحلة أولى متمثلة في خفض القوام والانسحاب الميداني، ومرحلة ثانية متمثلة في التصفية النهائية.
في المرحلة الأولى، تتوقف الدوريات والمهام العملياتية فورا بمجرد انقضاء الولاية القانونية، ليبدأ ترحيل المراقبين العسكريين وأفراد الشرطة والموظفين المدنيين غير الأساسيين إلى بلدانهم، أما المرحلة الثانية، فيتولاها فريق مصغر يُعرف بـ”فريق التصفية”، وتقتصر مهمته على جرد الأصول المملوكة للأمم المتحدة، وإعادة المعدات الخاصة بالدول المساهمة بالقوات، وفسخ العقود المخلية، وتسوية المستحقات المالية للموظفين المحليين والموردين، فضلاً عن نقل الأرشيف والملفات الحساسة إلى المقر الرئيسي للأمم المتحدة بنيويورك.
وبالعودة إلى التجارب التاريخية الأقرب إلى وضعية بعثة “المينورسو” من حيث طريقة الإنهاء والحجم العملياتي، تبرز تجربة بعثة مراقبي الأمم المتحدة في جورجيا التي انتهت ولايتها بشكل مفاجئ في منتصف يونيو 2009 إثر استخدام روسيا لحق النقض “الفيتو” داخل مجلس الأمن، ونظرا لأن تلك البعثة كانت ذات طابع رقابي وتضم نحو مئة وخمسين فرداً فقط بين مراقبين عسكريين وعناصر شرطة، فقد استغرقت عملية سحب المراقبين من الميدان شهرا واحدا فقط اكتمل في منتصف يوليو من العام نفسه، بينما تطلبت عملية التصفية الإدارية وإغلاق المكاتب وتسوية العقود نحو ثلاثة إلى أربعة أشهر إضافية.
وفي سياق مشابه، عندما قرر مجلس الأمن إنهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة في إثيوبيا وإريتريا في نهاية يوليو 2008 بسبب انسداد الأفق السياسي والقيود اللوجستية، استغرقت عملية التصفية الإدارية النهائية بضعة أشهر بعد أن كانت البعثة قد سحبت معظم أفرادها العسكريين تدريجيا خلال الأشهر السابقة لقرار الإنهاء.
وعلى النقيض من البعثات الرقابية المحدودة، احتاجت البعثات الأممية الضخمة متعددة الأبعاد إلى فترات أطول بكثير لإتمام انسحابها وتصفيتها، حتى عندما جاء قرار الإنهاء تحت ضغط سياسي متسارع، وفي هذا الصدد تبرز تجربة بعثة الأمم المتحدة “الضخمة” لتحقيق الاستقرار في مالي “مينوسما”، حيث أصدر مجلس الأمن قراراً بإنهاء مهامها في أواخر يونيو 2023، وحدد مهلة ستة أشهر صارمة لسحب أكثر من 13 ألف جندي وشرطي وموظف مدني، وهو ما اكتمل فعلياً في 31 دجنبر 2023.
غير أن حجم المعدات والقواعد اللوجستية الضخم فرض دخول البعثة في مرحلة تصفية معقدة بدأت في يناير 2024 واستمرت قرابة عشرة أشهر كاملة، تم خلالها بيع جزء من الأصول غير العسكرية في مزادات علنية، وإتلاف معدات أخرى، وإعادة العتاد الثقيل للدول المساهمة، وإغلاق أوامر الشراء العالقة، ما يعني أن مسار انهاء البعثة قد استغرق سنة ونصف بالتمام.
أما في الحالات التي انتهت فيها البعثات بشكل توافقي ومخطط له مسبقا بعد إتمام مهامها، يبرز مثال بعثتي الأمم المتحدة في ساحل العاج عام 2017 وفي ليبيريا عام 2018، فقد جرى خفض القوات تدريجيا على مدى عام إلى عامين قبل تاريخ الإغلاق الرسمي، مما جعل فترة التصفية اللاحقة سلسة وقصيرة لم تتجاوز ثلاثة إلى ستة أشهر.
وفي ضوء هذه التجارب المقارنة، فإن مسار تصفية بعثة “المينورسو” يقع تقنيا ولوجستيا ضمن فئة البعثات الرقابية الخفيفة وليس البعثات القتالية الضخمة، إذ لا تمتلك البعثة كتائب عسكرية ثقيلة أو ترسانة تسليحية معقدة، بل يتركز وجودها في مراقبين عسكريين وموظفين مدنيين ومقرات إدارية ومواقع مراقبة وأسطول من المركبات والطائرات المستأجرة.
وهو ما يعني نظريا أن استكمال إجراءات التصفية النهائية وترحيل الأصول وتسوية الملفات الإدارية سيستغرق في العادة ما بين ثلاثة إلى ستة أشهر، شريطة سلاسة التنسيق الميداني واللوجستي بين الامم المتحدة والسلطات المغربية.

















التعليقات
شاركنا رأيك حول الموضوع 👇