اسماعيل الحلوتي
في خضم تساؤلات المواطنين حول مدى قدرة رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري على الوفاء بوعودها، وخاصة فيما يتعلق بإعادة أسعار المواد الأساسية إلى مستوياتها الطبيعية، والحد من معدلات الفقر والبطالة، ومكافحة ظاهرة الفساد، وما ستتخذه حكومتها من إجراءات عملية عاجلة لحماية قدرتهم الشرائية وتحسين ظروف عيشهم، اهتز فجأة الرأي العام الوطني على وقع فاجعة صادمة، إثر العثور يوم الاثنين 2 نونبر 2026 على جثتي شابين تحملان آثار تعذيب وحشي بغابة بنسليمان بجماعة المنصورية، التي ارتبط اسمها مؤخراً بـ”غابة الرعب”.
وجدير بالذكر أن الشابين الهالكين كانا موضوع مذكرة بحث حول اختفائهما المفاجئ منذ ليلة السبت 31 أكتوبر 2026، حيث تفيد معطيات غير موثوق بصحتها أنهما انتقلا من مدينة المحمدية إلى غابة “33” ببنسليمان بغرض اقتناء مواد مخدرة قبل أن تنقطع أخبارهما، فيما تقول مصادر أخرى إنهما ينتميان لأحد الفصائل الكروية بمدينة الدار البيضاء، جاؤوا بمعية أصدقاء آخرين مدججين بالشهب النارية وقنابل الدخان الملون، بهدف الانتقام من مروجين للمخدرات متهمين إياهم بوشاية كاذبة ضد صديق يقضي حاليا عقوبة حبسية ظلما.
وبعيدا عما يتم ترويجه من أخبار زائفة، وفي انتظار ظهور نتائج التحقيقات الأمنية الجارية والكشف عن حقيقة هذه الجريمة النكراء، يشار إلى أن غابة “33”، الموجودة بالشريط الغابوي المحاذي لواد النفيفيخ، تعرف بخطورتها وكثافة غطائها النباتي، مما جعلها تتحول إلى ملجأ آمن لعصابات ترويج المخدرات واستدراج مستهلكي كافة أصناف المخدرات، كما أنها تشهد أحيانا صراعات دموية تستعمل فيها مختلف الأسلحة البيضاء وحتى النارية.
ففي ظل اتساع دائرة البطالة والهدر المدرسي وارتفاع معدلات الفقر، أعادت فاجعة غابة بنسليمان إلى الواجهة ما أصبحت تشهده في السنوات الأخيرة -ليس فقط إقليم بنسليمان، بل جل أقاليم المملكة- من ارتفاع رهيب في وتيرة الجريمة والإدمان على المخدرات وسط الأطفال والشباب، إلى حد بات ذلك يشكل، حسب الخبراء والمختصين والفاعلين الجمعويين والحقوقيين، “قنبلة موقوتة” قد تنفجر في أي وقت ما لم يتم تدارك الأمر وإبطال مفعولها، لاسيما أن مناطق شمال المغرب تحولت تحت عيون السلطات إلى “فضاء مفتوح” أمام شبكات ترويج المخدرات بشتى أصنافها، مما أدى إلى تفشي الظاهرة في صفوف المراهقين الذين وجدوا أنفسهم بغتة عرضة للضياع في مستنقعات الانحراف والعنف والجريمة والدعارة…
إذ طالما نبهت عديد الدراسات وتقارير المؤسسات الوطنية والمنظمات الأجنبية إلى خطورة الوضع إزاء ظاهرة تفشي المخدرات في المدارس والأحياء الشعبية على وجه الخصوص، حيث أصبحت تجارة هذه السموم المدمرة تتم بشكل علني، مما أدى إلى الواقع المأساوي الذي يعيش على إيقاعه آلاف الأطفال والشباب من المدمنين عليها وظهور أمراض معدية مخيفة. كما أن الظاهرة تعكس بوضوح فشل السياسات العمومية في إحداث فرص شغل للعاطلين، وعجز السلطات عن التصدي لتجارة المخدرات بكل ما تقتضي الضرورة من صرامة، فضلا عن تراجع أدوار مؤسسات التنشئة الاجتماعية ومؤسسات التربية والتكوين.
فمن خلال بعض المعطيات المتوفرة، نجد أن المغرب من بين أكثر البلدان التي تواجه آفة انتشار المخدرات، حيث إن فئة المراهقين ما بين 16 و18 سنة هم الأكثر تعاطيا للمخدرات، وهي المواد التي -رغم حظرها- يتم ترويجها بيسر بين تلاميذ مؤسسات التعليم الإعدادي والثانوي التأهيليين، وأن 50 بالمائة من الشباب يتعاطون مخدر الحشيش، و8 بالمائة منهم يستهلكون مخدر الكوكايين رفقة أصدقائهم، بينما 13 بالمائة منهم يتناولون بمفردهم هذه المخدرات، ناهيك عن المتعاطين للحبوب المهلوسة وما بات يعرف اليوم بـ”البوفا”، وهي مخدرات يسهل الحصول عليها في الأحياء الشعبية دون أدنى مشاكل.
ويرى بعض الباحثين والأخصائيين في علاج الإدمان أن هناك أسبابا متداخلة في تعاطي المخدرات، منها ما هو نفسي، وما هو اجتماعي، وما هو اقتصادي، وما هو مركب، وأن العامل النفسي يعتبر تمردًا على الذات والأسرة، إذ أثبتت الدراسات الميدانية التي أجريت على عينة من ضحايا المخدرات أن 36 بالمائة يتعاطون هذه المواد الفتاكة بدافع الرغبة في إثبات الذات أو الهروب من المشاكل، وأن 32 بالمائة منهم يجدونها الوسيلة الأسهل في تحقيق “السعادة”، بينما 3 بالمائة من هؤلاء يستعملونها لمواجهة شبح البطالة.
فلا أحد اليوم يجهل حجم القلق لدى الأسر والمسؤولين بسبب انتشار المخدرات، حيث هناك قصص مأساوية كثيرة تحكي عن معاناة عائلات تحولت حياتها إلى جحيم لا يطاق عقب تمكن هذه الآفة من أحد أفرادها دون أن تستطيع التعايش معه لصعوبة التأقلم مع حالته. فهناك من بدأت رحلته في بحر الإدمان منذ مرحلة التعليم الثانوي، ومنهم من ارتمى في أحضانه بعد نهاية دراساته الجامعية، ومنهم من لجأ إليها عند طرده من العمل، وأن قلة منهم امتثلت للعلاج -سواء بالطريقة التقليدية التي تعتمد على العقاقير وقوة الإرادة، أو بالالتحاق بمراكز متخصصة في علاج الإدمان رغم كلفتها الباهظة- بينما انتهى المطاف بالبعض الآخر في غياهب السجون.
إننا بحاجة إلى تضافر جهود الجميع وإستراتيجية وطنية مندمجة وشاملة لمكافحة آفة المخدرات بشتى أنواعها، باعتبارها واحدة من أبرز المعضلات التي تدمر العقول وتهدد مستقبل الأفراد والمجتمع. فهل تعمل حكومة المنصوري على التصدي لها واتخاذ ما يلزم من تدابير كفيلة بمواجهتها وإحداث مراكز العلاج لاستيعاب المدمنين وإعادة تأهيلهم؟ فلننتظر ونرى!
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.



















التعليقات
شاركنا رأيك حول الموضوع 👇