من إعداد الدكتور محمد بنقدور
تُشكل أسعار المحروقات في المغرب إحدى أكثر القضايا حيوية وتأثيراً في الآلة الاقتصادية الوطنية وفي المعيش اليومي للمواطنين، لا سيما مع التبعية الهيكلية لاستيراد المنتجات النفطية الصافية بدلاً من الخام عقب توقف مصفاة التكرير الوطنية “لاسامير”. ومع التقلبات المتواصلة التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية، يظل سؤال تشكّل السعر بالمحطة الوطنية مركزياً: كيف ينتقل السعر الصافي للغازوال والبنزين من البورصات الدولية ليتحول إلى الرقم الذي يدفعه المستهلك عند المضخة؟
إن قراءة هذا السعر النهائي بعين استراتيجية تتطلب تجاوز الانطباعات العامة ونموذج الانفعال الظرفي، نحو تشريح حسابي رصين يفكك الهيكل التكليفي للتر عبر الحلقات الأربع الرئيسية، وصولاً إلى فهم التحولات السعرية غير الاعتيادية ورسم خريطة طريق توفر حلولاً ناجعة.
- أولاً: كلفة الشراء والتفريغ بالموانئ
لنبدأ من المنبع! بما أن المغرب يستورد الوقود مكرراً وجاهزا للاستعمال، فإن السعر يرتكز على المنتجات المكررة في البورصات العالمية مثل Platt’s Rotterdam بالدولار. كما سنعتمد في حساباتنا على خاصيات الغازوال والبنزين من حيث الكثافة، إذ يضم الطن الواحد تقريباً 1180 لتراً من الغازوال مقابل 1350 لتراً من البنزين كونه أخف وزناً. وعند اعتماد سعر مرجعي قدره 100 دولار لبرميل النفط الخام، يرتفع سعر البرميل المكرر الصافي عالمياً بفعل هامش التكرير «Crack Spread» ليبلغ بين 125 و130 دولاراً، أي ما يعادل 960 دولاراً لطن الغازوال و1000 دولار لطن البنزين. وباحتساب سعر صرف قدره 9.76 دراهم للدولار، تكون كلفة الوصول الصافية بالميناء كالتالي:
الكلفة الصافية للغازوال عند الميناء: تقف في حدود 7.94 دراهم للتر الواحد.
الكلفة الصافية للبنزين عند الميناء: تقف في حدود 7.23 دراهم للتر الواحد.
وهنا تكمن المفاجأة؛ فهذه الكلفة وحدها تلتهم ما بين 45% إلى 55% من الثمن الإجمالي للمادة عند المحطة، مما يجعل جيب المستهلك المغربي يرقص على طبلة الأزمات الجيوسياسية واضطرابات البحار والمحيطات!
- ثانياً: الكلفة اللوجستية والهوامش العملياتية
الوقود لا يصل إلى خزان سيارتك بمجرد نزوله من الباخرة؛ بل يحتاج إلى “رحلة شاقة ومكلفة” تشمل التفريغ، التخزين، النقل عبر شاحنات الصهاريج في مختلف ربوع المملكة، فضلاً عن أرباح شركات التوزيع بالجملة والتقسيط.
إن هذه الحلقة العملياتية واللوجستية تكلّف ثابتاً قدره 1.90 درهم عن كل لتر، سواء تعلق الأمر بالغازوال أو البنزين. وترتفع أو تنخفض تكلفتها بحسب قرب أو بعد المحطة عن موانئ الاستيراد، وبالتالي سيصير ثمن اللتر كالتالي:
الكلفة الصافية للغازوال عند الميناء: تقف في حدود 9.84 دراهم للتر الواحد.
الكلفة الصافية للبنزين عند الميناء: تقف في حدود 9.13 دراهم للتر الواحد.
- ثالثاً: ضريبة الخزين كمكون جبائي ثابت
الدولة حاضرة دائماً في هذه المعادلة عبر الضرائب والرسوم، وهي الحصة الأكثر استقراراً وتشمل عنصرين أساسيين:
الضريبة الداخلية على الاستهلاك (TIC) وهي مبلغ مقطوع ثابت بقوة القانون؛ تبلغ 2.42 درهم لكل لتر من الغازوال، بينما ترتفع إلى 3.70 درهم للتر البنزين، وهو السر خلف الفارق السعري بينهما.
الضريبة على القيمة المضافة (TVA) ونسبتها 10%. والممتع في حسابها أنها “مخادعة بعض الشيء”، إذ تُفرض على السعر التراكمي للحلقات السابقة يعني ضريبة فوق ضريبة وسعر فوق سعر، لتستقر قيمتها في حدود 1.23 درهم للغازوال و1.28 درهم للبنزين. ووبالتالي يرتفع ثمن اللتر على الشكل التالي:
الكلفة الصافية للغازوال عند الميناء: تصل إلى 13.49 درهماً للتر الواحد.
الكلفة الصافية للبنزين عند الميناء: تصل إلى 14.11 درهماً للتر الواحد.
- رابعاً: الفاتورة النهائية حين يلتقي الحساب بالمضخة
عندما نجمع هذه الحلقات الأربع معاً، تصبح القصة واضحة بالأرقام الرسمية:
رحلة الغازوال: المجموع هو 13.49 درهماً = 7.94 دراهم استيراد صافي + 1.90 درهم لوجستيك + 2.42 درهم ضريبة TIC + 1.23 درهم قيمة TVA.
رحلة البنزين الممتاز: المجموع هو 14.11 درهماً = 7.23 دراهم استيراد صافي + 1.90 درهم لوجستيك + 3.70 درهم ضريبة TIC + 1.28 درهم قيمة TVA.
- خامساً: تفكيك المفارقة.. لماذا يتفوق ثمن الغازوال بـ 17 درهماً على البنزين بـ 15.6 درهماً ميدانياً؟
يقف المستهلك أحياناً أمام مفارقة غريبة حين يرى الغازوال يُباع في المحطات الوطنية بـ 17.00 درهماً بينما البنزين يقف عند 15.60 درهماً، رغم أن الحساب النظري المباشر عند مرجع 100 دولار يُعطي كلفة تقديرية للغازوال في حدود 13.49 درهماً مقابل 14.11 درهماً للبنزين، ورغم أن النظام الجبائي يمنح الغازوال امتيازاً ضريبياً كبيراً TIC أقل بـ 1.28 درهم. فكيف نُفسر هذا الانحراف الصارخ بين الأرقام النظرية والواقع الميداني؟
يرجع تفكيك هذه المفارقة إلى أربعة عوامل هيكلية وتجارية رئيسية:
حرية الأسعار دون رقيب: منذ تحرير أسعار المحروقات، أصبحت شركات التوزيع تملك الحرية الكاملة في تحديد هوامش أرباحها لكل مادة. مع تفاهم تام بينها ونظراً لأن الطلب الوطني على الغازوال هائل وضخم لكونه الوقود الأساسي للشحن التجاري، النقل الطرقي، الفلاحة، المعامل، وغالبية السيارات، تتجه الشركات إلى توسيع وتعظيم هوامش أرباحها الصافية على الغازوال بشكل غير مبرر، بينما تُبقي على هوامش أكثر ضيقاً في البنزين لضعف حجم إقباله مقارنة بالغازوال.
غياب سقف تنظيمي للمراقبة الفعلية للهوامش: في غياب آليات تسقيف مرن لهوامش الربح، يتحول السوق أحياناً إلى نمط احتكار القلة، حيث تتطابق أسعار المحطات بشكل شبه كلي عند مستويات قياسية دون أن تنعكس الانخفاضات الدولية بالسرعة أو النسبة المطلوبة.
فجوة التكرير العالمية وتدوير المخزون: على المستوى الدولي، قد ينفجر هامش تكرير الغازوال Crack Spread بالبورصات في أوقات الأزمات الجيوسياسية ليتجاوز البنزين بكثير. يُضاف إلى ذلك أن الشحنات المعروضة بالمحطات قد تكون اشتُريت بأعلى أسعار البورصة الآجلة وتم تخزينها، مما يُبقي السعر مرتفعاً بالمحطة، حتى لو تراجعت الأسعار الدولية لاحقاً.
- سادساً: صمام الأمان، أين يتقاطع دور مجلس المنافسة؟
في قلب هذه السلسلة المعقدة، يبرز مجلس المنافسة كحارس لشفافية السوق وحكمٍ لا غنى عنه لضمان قواعد اللعبة العادلة. فبعد تحرير أسعار المحروقات، أصبح تحديد الأسعار خاضعاً لمنطق العرض والطلب بين شركات التوزيع، وهنا تكمن المسؤولية الكبرى للمجلس في:
مراقبة الهوامش والأسعار: التأكد من أن التغيرات في الأسعار العالمية صعوداً ونزولاً تنعكس بالسرعة والعدالة المطلوبة على المحطات الوطنية، ومنع أي جمود سعري غير مبرر عند تراجع الأسعار الدولية.
رصد الممارسات المنافية للمنافسة: تتبع أي شبهات لتواطؤات محتملة أو تفاهمات غير قانونية بين الفاعلين الكبار للتحكم في الحصص السوقية أو توحيد الأسعار بشكل يضر بالقدرة الشرائية للمستهلك والمقاولات الصغرى.
إصدار التوصيات الرقابية: تقديم تقارير دورية ودراسات هيكلية دقيقة تفكك اقتصاد الريع أو الاختلالات التنافسية، ووضع مقترحات ملزمة ترشد السياسات العمومية نحو سوق طاقية أكثر شفافية وتنافسية.
- سابعاً: توصيات لإعادة التوازن لسوق المحروقات
لكي لا يظل المواطن والمقاولات ضحايا دائمة لهذه المعادلة، ها هي الحلول الاقتصادية المقترحة:
الضريبة الداخلية على الاستهلاك TIC بمزاج مرن متحركة: تفعيل آلية ذكية تخفض الضريبة تلقائياً عندما تحلق الأسعار عالمياً، وترفعها وقت الانخفاض، لامتصاص الصدمات قبل وصولها للمضخة.
مراجعة حساب الضريبة على القيمة المضافة (TVA) لتقتصر على السعر الأساسي واللوجستيك فقط، مع إيقاف فرض ضريبة فوق ضريبة وعدم احتسابها فوق ضريبة الاستهلاك TIC.
تخزين استراتيجي مكثف: توسيع طاقات التخزين الوطنية وربط المستودعات بالموانئ بأنابيب لتقليص تكاليف النقل وتمكين الشركات من الشراء بأثمان مناسبة.
تفعيل صارم لدور مجلس المنافسة: دعم الاستقلالية المؤسساتية والرقابية للمجلس لردع أي ممارسات احتكارية وضمان تقاسم عادل للأعباء والأرباح في قطاع التوزيع.
إحياء العملاق النائم مصفاة لاسامير: دراسة سبل إعادة تشغيل التكرير محلياً لشراء النفط الخام الأرخص بدلاً من المواد المكررة الجاهزة، وضمان استقرار أطول للأمن الطاقي الوطني، الذي دعا إليه صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه الأخير الموجه للبرلمان.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.


















التعليقات
شاركنا رأيك حول الموضوع 👇