“أنا مع حقوق المثليّين..لكنني لا أقبل أن يكون ابني مثليًا”

عندما كنت في بداية سنّ المراهقة، سمعتُ قصّة مفادها أن شخصًا معروفًا بنشاطه السياسي ودعواته المستمرة للوحدة الوطنية، أحبّ امرأة من غير دينه، وعندما اختارا كلاهما الارتباط الرسمي والزواج، تعرّض الرجل لضغط اجتماعي، وحتى من أصدقائه المقربين والمتنورين فكريًا، من أجل العدول عن فكرة الزواج هذه، لأن “الزواج المختلط”، أي المختلط بين الأديان، هو مسألة صعبة، على الزوجيْن، كما العائلات، والمجتمع الأوسع، والأكثر من ذلك، أن له تداعيات سلبية، بالضرورة ستعود على الأطفال، هذا حسب المعايير المجتمعيّة. تنتهي القصّة، باستجابة لهذا الضغط، وانفصال الحبيبيْن عن بعض.

أسرد القصّة بلا أحكام على الرجل ولا المرأة بالطبع، وبالطبع أيضًا، أتفهم خضوع العديد لضغوطات قاسية يفرضها المجتمع على أفراده، وليس الكل مُطالب بمواجهة هذه الضغوطات أو الانتصار في معركة ما. وأن من حق الناس، الانسحاب أيضًا. لكنني أسرد هذه القصّة، لأنها وغيرها من القصّص الشبيهة، خلقت أسئلة كثيرة عندي، كفتاة تبلوّر هويّتها السياسية والاجتماعية والثقافية، يعتبر جزء كبير منها، مبني على الاحتجاج والاستنكار، والغضب في أحيان كثيرة، الغضب الذي يولّد موادًا للتفكير، وقرارات بالتغيير، وكذلك بناء مفهوم المسؤولية تجاه المجتمع، بما أحكيه في العلن، وما أفعله في حياتي وأقبله على نفسي وعلى الآخرين، أي بين الشعار والممارسة، بين الحقيقة والنفاق.

بمعنى، إن جملة “لا أقبل على غيري ما لا أقبله على نفسي”، هي جملة صادقة، وفيها مسؤولية تجاه الآخر والمجتمع نابعة من المسؤولية تجاه النفس، وبالتالي، كيف يقبل الإنسان، خاصّة لو كان في دوائر ناشطة سياسيًا واجتماعيًا، وعلى سبيل المثال، تُدافع عن حقوق الأقليات أو الفئات المجتمعية المهمشة والمستضعفة، أن يواصل الحديث عن أهمية المساواة والعدالة الاجتماعية والسياسية، وعندما يأتي الأمر إلى نفسه وبيته وعائلته، تتغيّر المواقف تمامًا؟ ويصبح قامعًا لشخص ينتمي إلى فئة مستضعفة اجتماعيًا؟

سأوضح المسألة أكثر من خلال مثال نابع من واقعي كامرأة ونسوية، ما يجعلني مطلعة على تجارب نساء أخريات، من حيث التفاصيل المشابهة. كم من مرة سمعنا من أصدقاء رجال، وفي أحيان كثيرة، أصدقاء مقربين من حياتنا، وبالأساس مقربين فكريًا، الكثير منهم هم رفاق نضال من أجل حقوق المرأة وتحقيق العدالة بين الجنسيْن، لكن عندما يصبح الأمر قريب منه، من بيته وعائلته، لا يقبل على نفسه، مثلًا، الزواج من امرأة مارست الجنس خارج إطار الزواج؟ أو لا يقبل لأخته أن ترتبط عاطفيًا برجل من غير دينها؟ كم من خيبة عشناها من أصدقاء رجال، سمعناهم عبر منصات عديدة يتحدثون عن الأخلاق والمسؤولية المجتمعية والسياسية، وفي نهاية المطاف مارسوا القمع على حبيباتهم؟

من جديد، لا أحاول من خلال هذا المقال إلقاء اللوم على الأفراد، لكنه محاولة لطرح أسئلة عن الفجوة بين الشعار والممارسة، بين الحديث العلني، وجزء كبير منه هو حقيقة، لكن عندما تأتي لحظة ممارسة هذه الشعارات، لا يحدث ذلك، خاصة عندما الممارسة تكون شخصية، تبدأ من الذات والدائرة القريبة. أليس التغيير المجتمعي يبدأ من الفرد؟ أم هذه أيضًا جزء من الشعارات التي يرددها البعض؟ ومن أين تأتي جرأة البعض بأن يكتب ويحكي ويصرّح عبر محافل عديدة بأنه مع حقوق المثليّين، لكن، إن فكر للحظة في احتمال أن يكون ابنه مثلي الجنس، بإمكانه أن يُصاب بالجنون!

في حديث مع الباحث الفلسطيني، فايد بدارنة، عن الفجوة ما بين الشعار والممارسة، قال: “الفجوة بين الشعار والممارسة وبين التنظير والتطبيق، تحدث في المجتمعات التي يطغى فيها التقليدي والسلطوي الاجتماعي والسياسي، وهي نابعة من ضيق المساحات في هذه الأنظمة بأن تُحوّل شعارك إلى ممارسة؛ إن تطبيق الشعار يترتب عليه خطوات عملية، مواجهة اجتماعية، ثقل، ضغوطات، مقاطعة، عقوبات، ملاحقة، إلخ.. مع التطبيق، عليك دفع فاتورة حساب مبادئك”، ويتابع: “الآن، ممكن أن يكون التنظير أيضًا نابع من سطحية وتظاهر بموافق المستضعفين من منطلقات انتهازية ربحية، أو لمكسب لمكانة ما، كمتعلّم أو مثقف.. وعندما يصلك الأمر، كمحكّ شخصي، من السهل أن تتراجع وتنسحب، وحتى أن تُمارس القمع بنفسك تجاه محيطك الخاص؛ زوجتك، ابنك، أختك، إلخ..”.

على الرغم من الخيبة التي يمكن أن نشعر بها باستمرار من أشخاص في حيواتنا، أو سمعنا عنهم، على الرغم من المفاجأة المستمرة التي تهزنا أحيانًا، والتي تدور حول السؤال: “هاد كيف بحكي عن حقوق الإنسان وبنفس الوقت بضل يتمسخر على المثليّين؟!”، إلا أن هنالك إدراك بأن تفكيك الترسبات المجتمعية التي ترتكز على عدم العدالة بين البشر، يحتاج إلى وقت، وهذه ترسبات نحملها كلنا بدرجات متفاوتة. لكن تفكيكها يحتاج إلى طرح أسئلة ذاتية، وإلى جرأة على الإجابة عن أسئلة قاسية أيضًا، وإلى استعداد للتغيير. لربما العتب الأكبر، هو على من نعتقد بأنهم يحاورون العالم والمجتمع بعقل متنوّر، يؤمن بالحريات، لكن للأسف، تختلف الحريات عندها، بالنسبة لهم، حين تصبح داخل البيت والعائلة وعند الأخت والابنة.

من الجدير بالذكر أن الأسئلة التي أطرحها هنا، لا تنفي أن شعارات عديدة لناس، لم يمارسونها في حياتهم، كانت مبنية على إيمان وقناعة، بلا تردد إزاءها، لكن الكثير اضطر للتنازل عنها عند المحكّ الشخصي، لأن الخوف من أن يتحوّل الشخص الذي يُمارس شعاراته بصدق، كنهج حياة علني، إلى مُلاحق، هو خوف شرعي، خاصّة عندما سيشعر الإنسان أنه سيخوض المعركة وحده. لكن، ماذا كان ليكون شكل العالم، لو كان عدد الخائفين والخائفات أقل؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد