لماذا وإلى أين ؟

بنكيران وبورديو

إدريس الكنبوري*

الآن وقد انزاح عبد الإله بنكيران عن المشهد السياسي وأخلى مكانه لسعد الدين العثماني، وتخلص الحزب من الثقل الذي كان يحمله بسبب هيمنة الصورة الشخصية لبنكيران والكاريزما التي تمتع بها طيلة الأعوام الماضية، منذ أول حكومة منبثقة عن دستور 2011، يمكن طرح السؤال التالي: ماذا ربح المغرب وماذا خسر بوجود بنكيران ثم بغيابه؟.

تنسب لابن رشيق القيرواني، الناقد المغربي الذي عاش في القرن الخامس الهجري، تلك القولة الشهيرة عن أبي الطبيب المتنبي:”لقد ملأ الدنيا وشغل الناس”. وهي مقولة تنطبق بشكل دقيق على بنكيران الذي ملأ الدنيا في المغرب، والدنيا اليوم هي الإعلام، وشغل المواطنين المغاربة، بأحاديثه ونكاته وانزلاقاته الخطابية، حتى إنه من الصعب جمع كل الجمل المثيرة التي نطق بها طيلة خمس سنوات من رئاسته للحكومة في مجلد واحد، فالرجل كان أعجوبة في الكلام.

ربما لم ينتج المطبخ السياسي المغربي طيلة عقود شخصية بمثل هذا الكم الهائل من التصريحات التي تُلقى في كل واد، ويناقض بعضها البعض الآخر بطريقة سلسة ودون تعقيد، إلى الحد الذي يفقد فيه المواطن البسيط المسافة الفاصلة بين تصريح وآخر، فيتعامل مع النكتة وكأنها تصريح، والتصريح وكأنه موقف سياسي، والموقف وكأنه بيان. وهذا هو السبب الرئيسي في أن بنكيران ظل يتمتع بنفس الحظوة لدى المواطنين المغاربة البسطاء، لأنه كان يغزل الكلام غزلا بشكل يجعل المستمع فاقدا للأصل المرجعي الذي يمكن منه محاكمة الرجل.

قضى بنكيران خمس سنوات رئيسا للحكومة، وخرج منها وكل رصيده فيها أطنان من الكلام والخصومات والتصريحات المتضاربة. إنه أول رئيس حكومة في المغرب يعتمد الناخبون في محاسبته على أقواله لا على أفعاله، وهذا سر إعادة فوز حزبه في الانتخابات التي نظمت في 7 أكتوبر 2016. وقد أظهر طيلة هذا المسار الحكومي أن السياسة ليست دائما هي المنجزات والأعمال على الأرض، بل هي الكلمات فحسب. وبالرغم من أن بنكيران لم يُحصل تعليما أكاديميا صارما ولم يتعلم المنهجية في أي مدرسة من المدارس الحديثة، إلا أنه أثبت قدرة عالية على اللعب في الحقل الرمزي للسياسة، بما هي حقل من الرموز. ويعود سبب ذلك في اعتقادي إلى خبرته الطويلة في الحركة الإسلامية كمتصدر للخطابة ومهيمن على القرار ووسيط محنك مع الدولة وتوفره على قائمة واسعة من العبارات التي صارت صفة ملازمة له.

في كتابه”ماذا يعني الكلام” (ce que parler veut dire) الصادر عام 1982، يعكف عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو على دراسة العلاقة بين المهارات اللسانية habitus linguistiques والسوق le marché. ثم يؤكد بأن “ما يروج في هذه السوق ليس اللغة، بل الخطابات الأسلوبية المبتكرة، سواء على مستوى الإرسال أو على مستوى التلقي”. والمقصود أن المرسل ينتج خطابات لسانية ـ لغوية معينة، يفهمها المتلقي بطريقته الخاصة ويعيد إنتاجها من جديد وفقا لوعيه الخاص.

ينطبق هذا على مختلف أشكال الخطابات اللسانية، سواء كانت شعرا أو خطابة أو غيرهما، ولكنه ينطبق بشكل أساسي في عصرنا على المجال السياسي. ففي السياسة تصبح الكلمة في حد ذاتها سلطة، بل تصبح أحيانا قرارا سياسيا. ولا يهتم المتلقي بما وراء الكلمة أو الخطاب من إنجازات أو برامج، بل فقط بما تحيل عليه الكلمة أو الخطاب من محتويات ضمنية تقوم مقال الفعل.

لذلك لم يكن مستغربا أن الكثيرين كانوا يتعاملون مع كلام بنكيران على أنها أفعال، حتى وإن كانت الأفعال في الغالب تسير عكس تلك التصريحات الكلامية. وهذا هو السبب وراء تعاطف البعض معه، وترويج مقولة بأنه”لم يجد فرصة للعمل”، أو”لم يتركوه يعمل”، أو”كان يريد ولكن”. وانطلاقا من تلك العلاقة بين الخطاب اللساني والسوق، حسب بورديو، نجح بنكيران في تسويق قرارات حكومية سيئة وسط الرأي العام. ذلك أن منطق التناغم اللساني يعتمد على قاعدة مركزية تقول: يمكنك المحاججة عن أسوأ القرارات بأكثر الخطابات اللسانية انسجاما.

وإذا نظرنا اليوم إلى الوراء، ووضعنا السنوات الخمس التي قضاها بنكيران على رأس الحكومة، سوف نجد أن تلك المرحلة كانت الأخصب من حيث إنتاج الخطابات اللسانية لرئيس الحكومة، مقابل حصيلة ضعيفة على الصعيد الواقعي. لكن قوة الخطاب اللساني لبنكيران أن الناس لا يحاسبونه اليوم على ما ينجز، بل على ما كان “يريد” أن ينجز. إن قوة الخطاب اللساني هو تحويل الثقل إلى النوايا وليس الأفعال.

*كاتب وباحث أكاديمي

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها حصرا.

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد