من ديمقراطية المدينة إلى ديمقراطية الدولة

يوسف أقرقاش

يغلب على فئة واسعة من الباحثين، حين يتعلق الأمر بإشكال الديمقراطية، التركيز فقط على التفاصيل الدقيقة للحكم الديمقراطي، كطبيعة التمثيل (روسو)، وفصل السلط (مونتسكيو)، ومدى سلطة الدولة على الأفراد (مِلْ وكونستان)؛ ولا غاية من تناول هذه التفاصيل إلا الرقي بهذا الحكم وتطويره حتى ينال رضى المواطنين. لا يثير من يشككون في نجاعة هذا النظام، إذا ما استثنينا ذوي النزعات الأناركية، عيوبه إلا لتحصين مؤسسات الدولة ضمانا لديمومة الحكم وحمل الناس على الطاعة. بتعبير آخر، لا يخرج التفكير في موضوع الديمقراطية عن إطار البحث عن السبل الكفيلة لضمان أمن ورفاهية الناس بالوسائل الممكنة. وهذه الوسائل ليست إلا الدولة ومؤسساتها.

كل من يشير إلى الدولة يشير في الآن نفسه إلى أشكال من الهيمنة توازيها أشكال من الخضوع، وفق مبدأ لازم الحياة السياسية منذ نشأتها، والذي يقضي بضرورة أن يدفع الخاضع، مقابل ضمان أمنه وسلامته، وأن يقبض المهيمن مقابل الحماية.

قديما كانت المجتمعات البشرية بسيطة ولم يحتج أحد من أفرادها إلى الدفع مقابل الحماية، لأن الجميع كان معنيا بالدفاع عن الجماعة ضد أي خطر خارجي، عادة ما يكون عدوا مجاورا أو غازيا أجنبيا، وحتى قواد وزعماء الجماعة لم يكون لديهم أي حق، عدا التوقير والتشريف الذين يحظون به، مقابل ما يسدونه من خدمات للجماعة. وربما كان أمر الدفع مقابل الحماية وكل المهام السياسية مستهجنا، وهو ما نستشفه من أفلاطون الذي أوصى، في محاورته الجمهورية، بعدم دفع أي مقابل لحكام المدينة، ما عدا مستلزمات القوت اليومي، وحتى هذا القوت يبرره الفيلسوف بتفرغ الحكام للمهام السياسية.

كانت السلطة في المجتمعات القديمة (حتى عهد روما) سلطة أفقية، تستند عادة إلى قيم وأعراف الجماعة، وترتبط أساسا بالأرض (Carl Schmitt : le nomos de la terre). من الأرض كان الناس يستمدون قوتهم، ومن الأرض أيضا يستمدون قوانينهم. لذلك ليس صدفة أن تُستبعد النساء، العبيد، والأجانب من المشاركة في المهام السياسية، لأن جميعهم محرومون من الملكية والميراث، أي محرومون من الأرض.

لا تُحدد الأرض فقط من له الحق ومن ليس له الحق في المشاركة السياسية، بل هي أيضا التي تحدد مبدأي الحرية والمساواة الذين تتغنى بهما الديمقراطية الحديثة، إذ لا يمكن للفرد أن يكون حرا ومساويا للآخرين دون أن يكون عضوا من الجماعة، ولكي يصير كذلك لا بد أن يحوز من الأرض ما يسمح له بهذا الانتماء. ويعني هذا أن تحقق المواطنة، داخل المجتمعات القديمة، رهين بامتلاك الأرض (De Coulanges : La cité antique)، ومتى توفرت المواطنة غابت السلطوية، وغابت الامتيازات، وتكتل الجميع خلف أبطالهم وزعمائهم دفاعا عن الأرض والجماعة.

لا تعدو أن تكون السياسة داخل مثل هذه التجمعات سوى تدبيرا يوميا للشأن العام res publica أو la république، الذي ينحصر غالبا في أمور محدودة كتقسيم الأرض، صيانة المعابد، والدفاع عن الجماعة. لا تتطلب هذه المهام من المواطنين أي واجبات عدا ما يتبرعون به للمعابد أو ما يقدمونه من تضحيات دفاعا عن الجماعة.

يمكن أن نطلق على هذا الشكل من الممارسة السياسية، الذي عرفته المجتمعات القديمة، اِسم ديمقراطية المدينة تمييزا لها عن طبيعة الممارسة السياسية التي تخص المجتمعات الحديثة، والتي سنطلق عليها اسم ديمقراطية الدولة. الغاية من هذا التمييز أن نبين البون الكبير الذي يفصل أنماط الحكم التي حظيت بها المدن القديمة عن أنماط الحكم التي تعرفها الدول الحديثة.

يعتقد الكثير أن حكم الدولة استمرارية لحكم المدينة، وأن لا اختلاف بينهما إلا من حيث عدد مؤسسات الحكم وحجمها، أما الجوهر فواحد. لعل هذا الاعتقاد هو الذي دفع مفكرا بحجم فؤاد زكريا إلى ترجمة لفظ المدينة بلفظ الدولة وهو ينقل محاورة الجمهورية لأفلاطون من اليونانية إلى العربية، متجاهلا بذلك تعقّد الممارسة السياسية الحديثة، والتي نعزوها للأسباب التالية:

أولا، لا يرتبط نظام الحكم الحديث أساسا بالأرض كمورد للرزق والانتاج، إذ اكتسح التصنيع والصناعة كل شيء بما في ذلك المنتجات الزراعية نفسها، وكثير من المؤسسات الصناعية من لها نفوذ في الدولة يفوق نفوذ الدولة ذاتها.

ثانيا، لا يرتبط نظام الحكم الحديث بشكل أساسي بفكرة المواطنة، إذ يشمل المواطنين كما يشمل الأجانب، بحقوق وواجبات أحيانا متساوية وأحيانا متفاوتة حسب سياسات الهجرة لكل بلد.

ثالثا، لا يرتبط نظام الحكم الحديث بمبدأ الدفاع عن الجماعة (الشعب)، فهذه المهمة موكولة لجيش نظامي مدفوع الأجر، ومستقل عن الساكنة التي من المفترض أنه حاميها، بل أحيانا يصير، في الكثير من الدول، المهدد الأساسي للجماعة حين ينعدم التوافق بينها وبين الحاكمين.

رابعا، لا يستهدف نظام الحكم الحديث حماية المواطنين، بقدر ما يحرص على بقائه وديمومته وحماية مصالحه وامتيازاته، حتى وإن تطلب الأمر سن قوانين جديدة (تعديل الدستور للسماح بولايات جديدة) أو اختلاق خدمات جديدة (لا شأن لها بالسياسي) كالتأمين على الحياة من أجل إجبار الناس على الدفع بشكل أكبر.

ثمة أسباب كثيرة وراء هذا الانتقال من ديمقراطية المدينة إلى ديمقراطية الدولة، أهمها؛ تطور العلوم الذي يوفر للناس ظروفا للحياة أفضل من ذي قبل، انتقال الانتاج من النمط الزراعي إلى النمط الصناعي، وتفجر النمو الديمغرافي. ساهمت هذه الأسباب كلها في ظهور تجمعات سكنية كبرى، تعد بملايين النسمات، بل منها ما يفوق المليار نسمة (الهند والصين)، وكان لابد أن تأخذ الممارسة السياسية صورا جديدة تلائم الواقع المستجد. أهم هذه الصور؛ ظهور الأحزاب وحلولها محل الأسر والأفراد، الحكم بواسطة المجالس التمثيلية، أولوية القانون على العرف والأخلاق، اتساع نطاق الضرائب ليشمل كل تفاصيل الحياة اليومية للفرد.

ولّد هذا الانتقال من نظام حكم المدينة إلى نظام حكم الدولة صورا جديدة للحياة، سواء على مستوى الفرد أو على مستوى الجماعة، لم تكن مألوفة من قبل. صحيح أن الفرد كان مُغيبا في المجتمعات القديمة، ولم يكن يتمتع بحضور كبير على مستوى القرار السياسي، لأن الشأن العام يخص الجماعة وحدها، غير أن هذا التغيب إنما يُعزى لأسباب ذاتية، فالفرد ينصهر بمحض إرادته داخل الجماعة، ولا طموح له غير ما تطمح إليه الجماعة سويا. من هنا يمكن أن نفهم مدى شناعة عقوبة النفي عند القدماء، وأن نفهم أيضا لماذا فضل سقراط الاعدام على النفي.

على العكس من ذلك، يميل الفرد في المجتمعات الحديثة إلى الاستقلال بذاته وعدم الاكتراث للجماعة والآخرين (قد يسمح لنا هذا التحول بتفسير تحول قيم الاعتراف بالفرد من قيم البطولة إلى قيم الشهرة)، غير أنه استقلال ظاهري فحسب، فالفرد مجبر على أن يعيش وفق نمط حياة لا شأن له بها، يُحدد عادة في دهاليز المؤسسات الصناعية الكبرى،  أو داخل قُبب المجالس التمثيلية التي لا هم لها إلا الانتاج ونِسب النمو. الفرد، داخل المجتمعات الحديثة، مجبر على الدفع دائما ليس مقابل تأمين وجوده وممتلكاته كما هو الحال في نظام حكم المدينة، بل مقابل خدمات وتأمينات مُصطنعة في الغالب (تأمين السفر، تأمين الصحة، تأمين الحياة، بالإضافة إلى الضرائب التي تشمل كل تفاصيل حياة الأفراد).

لم تسلم حتى الجماعات الحديثة، التي من المفروض أن توجد مستقلة، من التبعية للدولة. تحصل هذه التبعية أحيانا بشكل تعسفي وأحيانا طواعية. الشكل الأول يفسره منطق الدولة ذاته، فما عسى أن تكون الدولة غير ضمّ الجماعات وبَسْط سيادتها عليها بالقوة؟ وهو ما تفسره ترسانة القوانين والتشريعات التي تمنع انفصال أي إقليم عن سيادة الدولة، ولنا في استفتاءي كطالونيا وكوردستان خير مثال على ذلك. أما الشكل الثاني فتفسره طبيعة العلاقات الدولية الحديثة. قديما، كانت الجماعات تضمن استقلالها عن طريق نوع التحالفات الذي تقيمه مع الجيران، أما اليوم فثمة مؤسسات دولية كبرى (الأمم المتحدة) لا تعترف بأي جماعة لا تنتظم وفق المعايير الدَّوْلَتية الحديثة، لذلك تهرع الجماعات إلى الانضمام إلى دولة قائمة، أو الاتحاد مع جماعات أخرى لتشكل كيانا دولتيا جديدا (الولايات المتحدة الأمريكية).

يساعدنا هذا التمييز الذي أحدثناه بين نظام حكم المدينة (ديمقراطية المدينة) ونظام حكم الدولة (ديمقراطية الدولة) على استخلاص النتيجة التالية: الدولة تقويض للإرادة الشعبية، ولا يمكن لسيادة الشعب أن تتحقق خارج حكم البلدات والمدن المستقلة.

يوأستاذ باحث

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.

 

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد