لماذا وإلى أين ؟

هل تنتج الهوية عنفا ؟

محمد عبد الوهاب رفيقي*

يتحدث التاريخ في الكثير من صفحاته عن “هويات قاتلة” أنتجت الكثير من التعصب، ثم الكثير من العنف القاتل، لا يبتعد عنا كثيرا النموذج الألماني أيام الثلاثينيات الذي كان ممجدا للقومية الوطنية، مشيدا بالتفوق الآري على باقي الأعراق وما انتهى إليه حال ألمانيا من افتعال حرب طاحنة ربما لم يعرف لها التاريخ نظيرا.
إن كل النماذج القومية وقعت بشكل أو بآخر في عنف مدمر، عانى من ويلاته الأقليات الدينية والعرقية بشكل أساسي ؛ هذه النظرة الأولية تحيلنا مباشرة إلى مساءلة الأنماط التي تصوغ الهوية عن صلتها المباشرة بإنتاج العنف وإعادة الإنتاج أيضا.

ينبغي أن نعترف في سياقنا المغربي المعاصر أننا أمة تحاول أن تصنع هوية ما، تتلمس الخيوط نحو أمن هوياتي يرسخ الوجود المغربي كأمة متميزة بهوية دالة عليها أساسا. ليس مستغربا في هذه الحالة أن يكون تدافع القوى الفاعلة في المجتمع على أشده من أجل ترك بصمة على الهوية التي تتشكل ببطء شديد.
الخطر المحدق هنا، يكمن في الطريقة التي نصنع بها هويتنا؛ حيث أن مستقبل علاقتنا بالآخرين، وانسجام المجتمع الواحد بكل مافيه من تلوينات عقائدية وعرقية يبدأ من هذه الصناعة التي يرعاها بشكل أساسي منطق الأغلبية التي ليس من شيمها أن تكون ديموقراطية بأي حال من الأحوال.

“نظرتنا هي التي غالبا ما تسجن الآخرين داخل انتماءاتهم الضيقة ، ونظرتنا كذلك هي التي تحررهم” ،هكذا قال الأستاذ أمين معلوف – محقا- في كتابه الهويات القاتلة.

المشروع الديني يعتبر اليوم الأقوى تأثيرا على الساحة الثقافية المعاصرة، بما يمتلكه من زخم شديد يرجع إلى المشروعية الإيمانية كحق مطلق يحجم أكثر الناس عن النقاش فيه ، أو إبداء آراء خاصة حول طريقة تفكير ممثليه، وكذلك إلى عمق الشعارات الواعدة التي يطلقها أنصاره تلقى قبولا واسعا من طرف الجماهير التي تعاني بؤسا متزايدا مع واقعها الرث، وتأمل في واقع أجمل لن يتحقق في نظرها إلا عبر المشروع الذي لم يجرب بعدُ .. المشروع الديني بكل ما يختزنه ماضيه من قصص عظيمة وخيال جامح.

“هويتنا هي الإسلام” ، لا يتوانى أبناء الحركة الإسلامية والتيار السلفي على الخصوص في التذكير بهذا الأمر . يتساءل الإنسان : ترى هل يطمح المغاربة إلى هوية أخرى مناقضة للإسلام؟
ينتهي الغبش سريعا حين تتيقن من أن المقصود “نسخة معينة من الإسلام” ! تأويل محدد للدين يستلهم مواده – جميعها- من سياق تراثي صرف، أهناك من عيب في هذا الأمر أصلا؟
أحب أن أؤكد في البداية على أن الطموح إلى الحقيقة التامة، والدين الذي يريده الله، يعد من أكثر الأشياء أهمية بالنسبة لكل المسلمين دون استثناء، يبقى الإشكال في كيفية الوصول إلى هذه الحقيقة الصافية : الحركات السلفية ومثلها كثير من الإخوانية ترى في التراث أساسا وحيدا للوصول إلى تلك الحقيقة، عبر استعادة الاجتهادات السياسية للفقهاء، غيرهم يرى أن واقع الفقهاء في العصور الماضية لا يلزمنا، لحجة تتمثل في أن الإنتاج التراثي كان مرتبطا بسياق سياسي مسيطر على العالم آنذاك، وليس له علاقة بالنص الديني الذي لم يؤطر المسألة السياسية والهوية الوطنية بخطوط حاسمة.

إن الاستدعاء التراثي الكثيف في سياق تشكيل الهوية المغربية أمر شديد الخطورة، يستبطن قدرا من “الارتداد” عن سياق التفكير العالمي المعاصر الذي يعرف تقدما كبيرا لا يمكن للإسلام إلا أن يثمنه لأجل اشتراكهما في المبادئ الأساسية المتعلقة “بتكريم الإنسان”.
بل أجده يحمل عدوانية تجاه فئات عريضة من أبناء المجتمع الواحد .

لقد تطورت عدة مفاهيم متعلقة بالفقه السياسي الإسلامي في سياق يتعلق بالدولة السلطانية، مفاهيم كالحسبة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود الشرعية، والشورى عوض الديموقراطية، وأحكام أهل الذمة، ،أحكام المشاركة السياسية بشكلها التراثي، كلها مفاهيم خطيرة للغاية حين نستحضرها في سياق مختلف عن سياق الدولة السلطانية التي عرفها التاريخ الإسلامي منذ بدايته.

نحن نعيش اليوم في إطار دولة حديثة ، السلطة فيها للمؤسسات عوض الأشخاص، لم يعد لشخص سلطة مطلقة في القيام بما شاء متى شاء ، بل تطور النظام السياسي الدولي وابتدع شكلا – يعد أفضل الأشكال دون أن يخلو من عيوب كأي تجربة إنسانية- من أشكال التدبير السياسي يقوم على أساس المواطنة ، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والتأسيس العميق لمفهوم التعاقد.

أي مسوغ لأحكام أهل الذمة بشكلها التراثي الذي يعد الكتابيين أفرادا من الدرجة الثانية في سياق المواطنة السياسية المعاصرة ؟ وأي معنى يكون لمفهوم الاحتساب في سياق النظام إن المفروض اليوم هو القيام بمراجعات عميقة في البنية الفكرية السياسية والحقوقية الإسلامية وتحديثها، عوض الجمود على الإنتاج التراثي واعتباره أمرا مقدسا بلسان الحال كما هو واقع أكثر المنتسبين للتيارات السلفية اليوم ، ليس من قبيل الصدفة أن يكون أغلب ما نشهده من أفعال عنيفة يرتبط وجدانيا بدرجة من الدرجات بمنهج التفكير السلفي المعاصر ! لا ينبغي الهروب نحو الأمام وإنكار ما نراه بأم أعيننا صباح مساء … لم تعد التبريرات الكلاسيكية مقبولة بأي حال من الأحوال : هؤلاء الشباب لم يطلبوا العلم على يد كبار العلماء ، غير متخصصين ، جهال … تبريرات من هذا القبيل لم تعد تنطلي على أحد على الإطلاق.

الواقع اليوم أن محاولات بناء الهوية يتم عبر ممارسات عنيفة عنفا رمزيا، من كثير من أبناء الحركة الإسلامية، ومن المناصرين للرؤية العلمانية أيضا، يستنجد كل واحد منهما بالديمقراطية ليس إيمانا بروحها، بل لخطب ود الشارع والاستقواء على التيار الآخر لمحاصرته والتضييق عليه ومنعه من المضي قدما في طرح رؤيته والدعوة إليها.

المغرب يعرف اليوم احتقانا كبيرا، حمدا لله على أنه لم تتهيأ الظروف بعد لخروج الأوضاع عن السيطرة، أذكر بفتاوى التكفير التي بدأت تعرف طريقها نحو الساحة الثقافية المغربية، وتطال عددا من الوجوه السياسية والفكرية والإعلامية، دعوات التكفير رغم كل المكتسبات الحقوقية والقانونية والأمنية لا تزال حاضرة بيننا، وتطال شخصيات عمومية ومؤسسات رسمية وجمعوية، ومن جهة أخرى كتابات صحفية معادية لكل ما هو إسلامي بشكل لا أخلاقي وغير منصف، واستعمال بئيس لكل أنواع الإثارة الرخيصة وأساليب الصحافة الصفراء.

إن الهوية حين تأخذ شكلا حاسما ، وقالبا محددا منحصرا في الأبعاد، ومتعاليا عن الزمان والمكان، علمانية كان أو إسلامية ، تصبح أكثر انفتاحا على السلوكات العدائية تجاه الآخرين، من هنا يكتسب الاجتهاد الفقهي أهمية راهنة لعقد مصالحة بين الواقع المعاصر والتفكير الفقهي، وهو الأمر الذي يمارس منذ زمن طويل، لكن مشكلته تكمن في كونه تفكيرا نخبويا، لا يجد صداه عند عامة الإسلاميين، وجمهور السلفيين، ومشايخهم أيضا.
ينبغي أن أنبه هنا إلى أن هذه الحدة في الصدام بين الطرفين ليست ثقافة مغربية أصيلة، بل هي ثقافة مستوردة وغريبة عن السياق المغربي الذي قاده رجال الحركة السلفية الإصلاحية، الذين لم يكونوا يحملون نفس القدر من العداء تجاه المشاريع الفكرية الأخرى ، أستحضر نموذج العالم الكبير شيخ الإسلام محمد بلعربي العلوي، وعلاقاته الطيبة بحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (الاتحاد الاشتراكي لاحقا) ، أيام الهجمة الشرسة التي كان يعاني منها الفكر الاشتراكي على يد الإسلاميين في المشرق، لا زالت بين أيدينا تلك الصورة الفوتوغرافية الجميلة التي تؤرخ لاستدعاء الاتحاد الوطني للقوات الشعبية لشيخ الإسلام بلعربي العلوي ليترأس الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الثاني للحزب، وعلى يمين الشيخ كل من عبد الله إبراهيم وعبد الرحيم بوعبيد ومحمد البصري،وعلى يساره المحجوب بن الصديق والمهدي بن بركة وعبد الرحمن اليوسفي، نتحدث هنا عن أيقونات اليسار ورموزه، وفي لحظة تاريخية بلغ فيها الصراع بين الجانبين بالمشرق العربي أوجه ،وبلغت الحدة مستوياتها العليا.

إن أمرا كهذا لا ينبغي أن نغفله ونحن بصدد ورش كبير اليوم ، ورش بناء المغرب الحديث بكل التمظهرات الممكنة في السياسة والثقافة والاقتصاد.

أتوقع أن واجب المفكرين الراهن هو رصد مظاهر التغير الفكري التي تعرفها الساحة المغربية اليوم ، وممارسة تفكير اجتهادي عميق من أجل محاصرة ظاهرة العنف التي ينتجها التفكير الهوياتي المنغلق في الإطار التراثي، بدل الخطاب الشعبوي الذي يتعمد الاختباء خلف الشعارات االكبيرة دون نتيجة مشهودة على الأرض.

*رئيس مركز الميزان للوساطة والدراسات

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها حصرا.

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد