شامة درشول تعري خبايا “البيغ” وحقيقة صراعه مع “حليوة”

شامة درشول

معروف أن الدون بيغ حين ظهر في بداياته خلق الصدمة بسبب احتواء كلمات أغنيته ليس فقط على كلمات نابية، بل على هجوم على الدولة، والحكومة، كان يعبر عن ثقافة السخط، والغضب، والاحتجاج، التي يبيحها فن الراب، ويقوم عليها، كان للدون بيغ جمهور كبير، وتعاظمت شهرته، وتأثيره، في سنوات كانت المنطقة العربية تعيش على صفيح ساخن، لذلك كان المخزن ذكيا حين قرر أن يكرم الدون بيغ بوسام ملكي، أراد المخزن أن يروض من خلال جمهور الدون بيغ الشباب الغاضب في زمن الثورات، والمدونات، لكن ظهور الدون بيغ في جلباب أبيض تقليدي، وطربوش أحمر،، وفي المكان الذي كان يهاجم مؤسساته، نزع عن الدون بيغ قوته، بقي الدون مشهورا، لكنه لم يعد في نظر الكثيرين قدوتهم، ولسانهم ضد تسلط الدولة.

شامة درشول

يرمز الدون بيغ للفترة التي كان فيها شباب المغرب ينتقد الدولة، ويطالب بالتغيير، في الوقت الذي يرمز حليوة للثورة على العائلة، العادات، التقاليد، الأسرة، الحي، وكل تلك القيم التي يجدها زمن حليوة بالية، تخنقه، وتقيده، صراع الدون بيغ كان صراعا ضد الدولة، لكن حليوة وأقرانه فطنوا أنه لكي توقف تسلط الدولة، عليك أن تبدأ أولا من الأسرة، من الحي، من محيطك القريب.

دون بيغ، ورغم تلفظه في أغانيه بكلمات نابية، ورغم مهاجمته للدولة، ومؤسساتها، إلا أنه ظل رجلا مغربيا، تقليديا، محافظا، يظهر هذا جليا حين رد يوما على سؤال أحد الصحفيين “لماذا ترفض ظهور زوجتك للإعلام؟”، وأجاب أنه يرفض لأنها زوجته، أما حليوة، فإنه لا يمانع في أن يوظف الفتيات الراغبات في الراب من أجل خلق البوز له، تعامل الدون بيغ كأي رجل مغربي محافظ يفصل حياته المهنية عن الشخصية، في حين يتعامل حليوة كأي شاب من زمن تجاوز فيه مسألة المساواة بين الجنسين، إلى تقبله أن تكون المراة ندا له، بل إنه يتحدى هذه المرأة، وكأنه يقول لها”أنا لا أخاف من أن تظهري للعلن، وأن تنافسيني في مجالي، بل إني سأجعلك تظهرين فيما يخدم مصلحتي أنا فقط”، وهنا يمارس حليوة تعظيم الذات ليس فقط من خلال التغني بالراب، بل أيضا من خلاله استحضاره لروح الراب، القائمة على تعظيم الذات حتى في سلوكه مع من ينافسه في مجال يعشقه.

أغنية الدون بيغ، صحيح أنها تبقى مجرد أغنية تدخل في باب تعظيم الذات التي تبيحها ثقافة الراب، لكنها أيضا تكشف عن صراع يعيشه المجتمع المغربي، ويجسده بامتياز الدون بيغ في خرجته هاته، الصراع بين الأب الدي يريد من ابنه أن يعترف له أن له الفضل فيما وصل له الابن، والابن الذي يحاول أن يستقل عن الأب، وأن يثبت داته، في طريق مغاير عن ذاك الذي سلكه الأب. أيضا، تكشف الأغنية على تحول الدون بيغ من مساره الذي حشد به في البداية جمهوره من خلال الاحتجاج بلسانه ضد الدولة، إلى مجرد “ولد الحومة”، الذي يمن على باقي أبناء الحومة الذين كانوا أطفالا حين كان هو شابا، انه هو من كان يقتني لهم الحلوى، ويشتري لهم اللعب، حول الدون بيغ نفسه من “مناضل راب”، إلى مجرد عجوز يرى في شباب اليوم مجرد “جيل قيمش ما يحشم ما يرمش”، كأي جد كبير يرفض أن يفهم أن محاولة الحفيد عيش حياته بطريقته لا بطريقة الجد، لا تعني أنه يتنكر لما قدمه الجد للعائلة.

قد يكون حليوة يبالغ في تجسيد حالة الضياع التي يعيشها شباب المغرب اليوم، لكنه يبقى أرحم مما فعله الدون بيغ من خلال أغنيته هاته التي قتل فيها العائلة، “عائلة الراب”، قتل فيها الأحفاد، لأنه يريد أن يظل الجد الدي يريد أن يعمر طويلا، وأن يكتفي الابناء والاحفاد باظهار الولاء والبيعة له، وكل من يخالفه، أو يسعى لسلك طريق مغاير، هو مجرد “مسخوط”، يجب أن يسجن، يقيد، يكبل، يقتل، وتقطع رأسه.

الدون بيغ لم يكن يعرف بأنه في كل ما قدمه في الكليب ابتداء من البوستر، إلى كلمات الأغنية، كان يجسد الدولة في علاقتها مع المواطن، تلك الدولة التي في يوم من الأيام كانت له الجرأة في شتمها، ومهاجمتها في أغانيه، قبل ان يتحول إلى “مواطن صالح”، باتت مهمته ان يحول باقي أفراد العائلة، عائلة الراب، ”، إلى مجرد “مواطنين صالحين”، يطيعون الجد، الذي أطاع الدولة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.

6 تعليقات
  1. إبراهيم :

    الجميل في الأمر أو ربما الغريب أن الأستاذة شامة درشول نبشت في هكذا موضوع ؟؟؟؟؟؟؟؟؟

  2. Ali :

    سبحان الله على هذا الزمن الذي أصبح فيه النشاز فنّاً
    سلاڭيـــــــــــــط بلا أخلاق يُمجّــــــــدون الخمور والمخذرات والذعارة باسم الحرية ليصبحوا أيقونات فنية مرجعية…
    دون بيڭ ومسلم وحليوة ومن سار على دربهم من الجيل الذي لا يحسن رفع سرواله إلى الحزام رمز للشباب المخذَّر والمُـــــــغَيَّب والفاقد للبوصلة… إذا ما اعتلى الذئب هضبة بالخلاء وبدأ بالعواء، فلا شك أن بأسفل الهضبة نِعاجاً العِواءُ في سمعها غناء

    1
    2
  3. عبد الله :

    سلام ،

    لعل دون بيغ ، أراد من خلال أغنيته الجديدة ، محاربة هذا الفكر الجديد الذي يتبناه ” هاذ الروابا الجداد” المبني على الإنفتاح المبالغ فيه لهاؤلاء ، الذي يتجاهل المبادئ و القيم المشتركة لشعب المغربي : بكوننا شعب محافض ، يرفض الإعلان و التشهير ببعض الممارسات ( كتدخين الحشيش ، و الإشهار بشرب الخمور …الخ) رغم وجودها و تفشيها في مجتمعنا الذي يكتسي صفة إسلامية ، ليس بغرض نفيها ، بل ، لتجنب ترسيخها وإستسهالها في مخيلة ( الا وعي ) الناشئة.

    —يشهد التاريخ ، لدون بيغ ، و مسلم ، الذان أحييهما من هذا المنبر ، على شجاعتهما في التطرق لمواضيع و طابوهات ، في زمن ، كان فيه الخوف ملك الساحة (بإختلاف أساليبهما التي تحترم).
    برجوع لدون بيغ ، شخصيا ، أحييه و أحترمه لغيابه الطويل على الساحة الفنية ، ولعل رجوعه لأسلوبه القديم ، راجع لتنشيط الذاكرة ل”هاد روابا جداد” بضرورة إحترام الأشخاص ، و كذا القيم المحافظة للمغاربة ، بكون النافذة الإلكترونية أصبحة متاحة للجميع ، وبكون الراب كفن ، له أهداف أسمى ، من ربح المال ، ألا وهي : الرفع من الدوق العام لتعاطي مع حيثيات الحياة ، بحس من الإنسانية.

    ختاما ،
    من مسؤولية الإعلام الوطني ، تجاهل ، هذه الطفرات النوعية المرتبطة بنسب المشاهدة ، ومراعات الهوية المغربية التي تربينا عليها ، لكي لا تساهم بدورها ( الراديو بالخصوص ) في إفساد أخلاق أطفالنا.

    2
    4
  4. سهيل :

    صراحة هذه المقالة من سبع المستحيلات ان تنشر في باقي المواقع الالكترونية خصوصاً وأن القضية فيها المخزن. شكرا لاشكاين وشكرا للكاتبة التي ابدعت!

    3
    3
  5. بن دريس :

    بعد ان ملئ المخزن بطن البيغ الضخمة ولم يعد يشعر بالجوع أصبح همه العراك مع الأطفال عوض البحث عن التألق ولكن من خان وباع النضال لا رجوع له

    6
    1
  6. Sami :

    كلام في الصميم
    شكرا كثيرا على رأيتك الصائبة
    المتدين من فئة بن كيران كبقى ديما تقليدي بمعنى الثقافة الذكورية
    من مناضل الى عياش يحارب المناضلين

    4
    3

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد