لماذا وإلى أين ؟
banner sport 160 600
banner sport 160 600

الحب عند المغاربة.. طابو مُحرّم أم لذة جنسية؟

“أحبك” أو “كنبغيك”، عبارة نادرا ما تخترق أسماعنا، وسط الأسر والعائلات المغربية، كما أن الحديث عن الحب بين المغاربة بات من الطابوهات أو الأمور المسكوت عنها غالبا والتي تتم مناقشتها في السر، بين الفتاة وصديقاتها، أو بين الشاب وأصحابه.

والشائع أن عددا من الشعوب العربية، كلبنان مثلا، لا تعاني من مركبات نقص من أجل تعبيرها عن الحب بدون خجل أو خوف، وبالقابل فإن عبارة “غير رومانسيين” هي وصف لازم المغاربة، نظرا لعدد من العوامل، وهو ما يستدعي الوقوف للبحث في مدى وجود قطيعة بين مغاربة والحب كإحساس إنساني، سواء داخل العائلة أو في علاقات الصداقة أو بين الجنسين.

ومن هذا المنطلق، فإن قضية الرومانسية في المجتمع المغربي تقودنا أيضا للحديث عن مدى نجاح علاقات الحب بين الجنسية وكذا استمرار التماسك الأسري وانتشار قيم التسامح والتآخي بين أفراد المجتمع، على اختلاف أطيافه وثقافاته، في ظل ما يعرفه من تطور في الآونة الأخيرة والمتميزة بالحضور القوي لتنامي وسائط التواصل.

الحب في المغرب شيء محرم

الطبيب والمحلل النفساني، الدكتور جواد مبروكي، يقول في تعليقه على الموضوع، “إنه واقعنا المؤسف، وهذا راجع إلى التربية المغربية سواء في المنزل أو في المدرسة، ففي ثقافتنا لا نجد عبارات مثل: أحبك بين الآباء وأطفالهم”ثم يتساءل:” من مِنا سمع أمه أو أباه يقول له احبك ابني أو ابنتي؟”

وشدد مبروكي، في تصريح لـ”آشكاين”، على أن “التربية المغربية كلها ترتكز على العنف اللفظي كالسب والشتم والإحباط والإهانة والعنف الجسدي كذلك، و بهذا الشكل تكسر شخصية الطفل وينمو منعدم الثقة في نفسه فكيف له أن يكون رومانسيا؟”، واسترسل المتحدث قائلا: “الطفل المغربي ينقصه الحب والحنان والعطف ولهذا فالمغربي قاسٍ مع نفسه ومع الآخر وتقوم كل علاقاته على السلطوية وبمعنى آخر، من يحكم ويسير الآخر؟ فكيف لشخص يسوده العنف والحكرة ويفتقد الحنان والعطف أن يكون رومانسيا وهو بذاته يبحث عن من يُحبه؟”، يتساءل المتحدث.

مبروكي يردف في ذات السياق “أنه لا يجب أن ننسى كذلك بأن التربية الدينية لا تهتم بالحب والعطف ولا تعترف بالحب قبل الزواج أو علاقات حب بين الذكر والانثى قبل الزواج كما تعلم أن الجنس شيء نجس”.

وفي تقييمه لتعامل المغاربة مع شعور الحب بين الجنسين، يؤكد الطبيب النفساني، “على أن الحب شيء غير مرغوب وغير معترف به لأن هذه العلاقة تعتبر محرمة، كما يعتبر الحب وبالخصوص عند الذكر كضعف في الشخصية”، وبالتالي، يردف مبروكي أن “مجتمعنا لا يعترف بالحب وبالخصوص عند المراهق وهذا ما يزيد في الصراع الداخلي عند هذا الأخير وتغيب مرافقته احتراما لمشاعره من طرف الآباء” .

ويرى المتحدث أن الحب في مجتمعنا يُعتبر علاقة جنسية وبأنه يتم استغلال هذا الإحساس الإنساني من أجل قضاء مصالح شخصية”، وهنا يتساءل الطبيب النفساني، “كيف لطفل مغربي لم يشعر بالحب ولا يسمع كلمات الحب والعطف، بل على عكس هذا فهو لا يرى إلا العنف من طرف من أنجبوه، وبالتالي فهو لن يُؤمن بوجود الحب، ولهذا يبقى هذا الأخير مجرد كلمات بدون شعور حقيقي”.

“لماذا لا تنجح أغلب علاقات الحب في المجتمع المغربي وسرعان ما تتطور إلى كراهية أو قطيعة أو فراق أبدي؟”، سؤال نقلته جريدة “آشكاين” الإلكترونية، للدكتور جواد مبروكي، فأجاب: ” أنا لا أومن بوجود الحب بدون مجهود والمغربي يمزج أو يخلط بين الحب والانجذاب الجنسي ويعتقد أن الانجذاب الجنسي هو الحب”.

وفي هذا الصدد أشار الطبيب النفساني، إلى أن “كل ما يبحث عنه المغربي هو حب النفس لأنه يفتقده ويبحث عمَّن يُعطيه الحب والحنان والعطف، ففي أول العلاقة هي علاقة انجذاب جنسي ظنا أنه حب حقيقي، وبطبيعة الحال فالانجذاب الجنسي كشمعة ستنتهي يوما وبعد انطفائها نرى أنه ليس هناك حب عاطفي يحمي العلاقة وكل طرف يبحث عن الحب عند الآخر وبما أنه مفقود عند الاثنين تبدأ الصراعات وتصفية الحساب وربما حتى الكراهية لأن كل طرف يظن أن الآخر لا يُحبه وفي الأصل لا أحد يحب الآخر”.

مؤشرات الحب الحقيقي

وقدم مبروكي، ما أسماها “مؤشرات الحب الحقيقي” والتي إذا انعدمت فذلك يعني أنه ليس هناك حب؛ أولها أن “الحب هو التفاني في سعادة الآخر بدون انتظار حب أو عاطفة من الطرف الثاني، بمعنى آخر، أنا سعيد جدا عندما أحقق سعادة من أحبه بدون أي مقابل”.

أما المؤشر الثاني، يردف متحدث “آشكاين”، “أن الحب ينشأ بمجهود متبادل بمعنى آخر، الحب كالنار إذا لم يعتني بها كلا الطرفين لتزداد لهبا فستندثر يوما، وبالتالي فليس هناك حب بدون عمل وتضحية للمحافظة عليه”.

وبخصوص المؤشر الثالث، يختم مبروكي، ” فهو غياب المتطلبات من الطرف الآخر؛ أي انه في الحب الحقيقي تغيب المتطلبات ونكون في العطاء بدون متطلبات”، فإذا غابت هذه المؤشرات، يقول الطبيب النفساني، “فلا داعي للحديث عن الحب ولنكون على علم أنه مجرد حب جنسي”.

الحب تنقيص من الرجولة ؟

من جهتها، قالت الطبيبة الباحثة في مجال الطب النفسي الإكلينيكي، نور الهدى نوريانا، “كما هو معروف في المغرب، فكل شاب يُطلق عليه اسم ‘عنيبة’، أي أن ثقافتنا أعطت للرومانسية نوعا من التنقيص من الرجولة، فمهما حاول الرجل أن يتعامل بطريقة لطيفة مع حبيبته أو زوجته، إلا أن الآخرين ينظرون إليه وكأنه منعدم الرجولة، مما يضطره إلى إخفاء مشاعر الحب والرومانسية في داخله، ويظهر للمجتمع بمظهر الرجل المغربي العنيف والقاسي والمتسلط”.

أكثر من ذلك، وانطلاقا من تجارب اجتماعية حقيقية، تضيف نوريانا في حديثها لـ”آشكاين”، “قابلت شبابا يشتكون طوال الوقت من حبيباتهم، اللواتي يرفضن التعامل معهن برومانسية ولطافة وود وبمشاعر صادقة، فيما يفضلن معاملتهن بقسوة وخشونة، وهو ما يصيب الشاب بالإحباط”.

“80 في المائة من المغاربة، لا ينظرون للحب بمفهومه الافلاطوني والفلسفي والمثالي، بل يؤمنون بالحب المادي، المبني مثلا على إقامة علاقة لمدة سنة أو اثنتين، ثم المرور إلى مرحلة الزواج، ونادرا ما نرى العكس في ظل هذا المجتمع”، تقول المختصة في الطب النفسي خلال حديثها لـ” آشكاين”.

عقدة أوديب.. وثنائية الحب والكراهية

وعزت المتحدثة، تحول الحب لكراهية في العديد من المناسبات عقب علاقة بين الجنسين، إلى “انعدام أسس حقيقية، أي أن هذا الحب كان مبنيا في الأول على رغبات ليبيدية وشهوانية جنسية، أو على أهداف مادية”، مضيفة أن الشاب مثلا “نراه يعاني من عقدة أوديب، أي أنه يحاول البحث في حبيبته عن تلك المرأة المثالية ومع مرور الوقت، يكتشف أنه لم يجد ما كان بصدد البحث عنه فتتحول العلاقة إلى فراق”.

وتشير نور الهدى في هذا الصدد، إلى أنه “بعد الحب ليست هناك كراهية بقدر ما يمكن تسميتها صدمة نفسية، تؤثر على الجهاز النفسي للإنسان الذي يحاول نسيان الطرف الآخر الذي كان معه على علاقة”، وفي هذا السياق، تشرح الأخصائية، “بأن الشابة مثلا تحاول الانتقام من حبيبها السابق عبر هذا النوع من الكراهية الذي هو في الأصل حب باطني، حيث تستخدم ميكانيزمات دفاعية صادرة عن الجهاز النفسي، لإفراز تلك الكراهية من أجل الخروج من الصدمة ونسيان الحبيب عبر استحضار كل الأشياء السلبية فيه وغض النظر عن الأمور الإيجابية التي قام بها”.

ما الحل؟

وباستحضار ما ذهبت إليه آراء المتحدثين سلفا، فيظهر جليا أن المجتمع المغربي يعاني من أزمة خطيرة على مستوى التعبير عن مشاعر الحب، مما يستوجب طرح حلول آنية لقويم الاعوجاج الذي أثَّر وسيؤثر لا محالة، على الناشئة الصاعدة، وبالتالي على الأمة بأكملها، مما سيجعلها بين مطرقة الترسبات الثقافية والاجتماعية، وسندان التطور الإقليمي والدولي، فهذا الموضوع يستدعي أساسا العمل على إشاعة ثقافة جنسية متوازنة وعِلمية في صفوف الأطفال، داخل الأسرة والشارع والمدرسة، أي أن العديد من الأطراف معنية بالأمر، ففي تكاملها صلاحٌ للمجتمع بأكمله، وفي غياب أحد أطرافها فساد للمنظومة بأكملها.

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد