في ذكرى رحيله..”آشكاين” تكشف لكم عما لا تعرفونه عن الزعيم بوعبيد (صور)

مرة في تاريخ المغرب الحديث العديد من القادة السياسيين المعارضين لسياسة الحكم بالمغرب، لكن القليل منهم من تملك الجرأة للبوح برفضهم لمجموعة من القرارات التي اتخذتها الدولة المغربية في العديد من المحطات التاريخية في المسار السياسي لبلاد لا زال وضعها لم يستقم بعد فرض استعمار دام أزيد من 44 سنة، ومن بين هؤلاء القادة السياسيين نجد الزعيم التاريخي لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وبعده الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عبد الرحيم بوعبيد.

 

بوعبيد الذي ولد يوم 23 مارس 1922، بمدينة سلا، اشتغل محاميا بهيأة الرباط حيث انخراط فيها عام 1949، مشوار حياته هذا، الذي زاوج فيه بين السياسة والمحاماة، لم يكن غريبا بالنظر إلى مشواره الدراسي، والذي حصل فيه على الشهادة الابتدائية في مدينته الأم، قبل أن يلتحق بالرباط، ليتم دراسته بثانوية مولاي يوسف، حاصلا فيها على شهادة البروفي والباكالوريا، ثم سافر إلى باريس عام 1945، حيث نال الإجازة في القانون، ودرس بمعهد الدراسات السياسية.

في الذكرى السابعة والعشرين لوفاة عبد الرحيم بوعبيد، ستحاول “اَشكاين”، أن تخيط بين أبرز محطات حياة الزعيم الاتحادي، لتنسج بعضا من ملامح سيرته النضالية والسياسية، التي خلفت، وفق كثيرين، فراغا كبيرا في المشهد السياسي المغربي، بعد موت صاحبها بداية تسعينيات القرن الماضي.

خلايا المقاومة تعلن بزوغ مناضل

التحق بوعبيد بخلايا المقاومة وكتلة العملة الوطني وهو لم يبلغ سن الرشد بعد، كان يعد الباكالوريا حينما التقى بأحد أبرز وجوه المعارضة في تاريخ المغرب الحديث، المهدي بن بركة، في ثانوية مولاي يوسف بالرباط، وقد كان عمل الكتلة، في هذه الفترة، منصبا على تأطير الجماهير ونشر الوعي بالمطالب والحقوق قصد الدفاع عنها.

قبل ذلك، تحديدا في 11 يناير 1944، سجل عبد الرحيم بوعبيد اسمه كأصغر الموقعين على وثيقة المطالبة باستقلال المغرب، وقد اعتقلته السلطات الفرنسية على إثر ذلك مرتين.

بوعبيد لم يكف عن تسجيل اسمه في سجلات التاريخ عند هذا الحد، فقد شارك في مفاوضات “إيكس ليبان”، عام 1955، بين ممثلي الحركة الوطنية والسلطات الفرنسية، تمهيدا لاستقلال المغرب، وسافر أيضا للقاء الملك محمد الخامس في منفاه، ذات العام، في وفد لحزب الاستقلال.

بعد الاستقلال، تقلد بوعبيد عدة مناصب سياسية بارزة، فقد عين كأول سفير للمغرب في باريس، وكان وزيرا في عدة حكومات (مبارك البكاي، عبد الله ابراهيم، أحمد بلافريج)، للاقتصاد والمالية مرتين، ووزير دولة مكلف بشؤون المفاوضات مرة واحدة، بعد هذه الفترة بالذات، بدأ الاصطدام بالملك الجديد آنذاك, الراحل الحسن الثاني.

دستور 62 … أول نقطة خلاف بين بوعبيد والحسن الثاني

عارض بوعبيد مشروع أول دستور للمملكة، ورأى أنه ينبغي إعداده من طرف مجلس استشاري منتخب، ثم شارك في حملات تدعو إلى مقاطعته وترأس عددا من التجمعات الشعبية بخصوص ذلك.

مما يروى عنه، أنه قال في أحد الاجتماعات، عام 1963، بعد إقرار الدستور:”إننا نواجه خيارا أساسيا… إما أن نستمر كشعب وكمنظمة متجذرة في الجماهير، في النضال من أجل تحرير بلادنا من الاستعمار والإقطاع والرجعية، وإما أن نقبل نصا دستوريا مزورا ومعدا من قبل كتبة الاستعمار… إذا كان الأمر ينبغي أن يكون كذلك، فستكون لدينا مسؤولية ارتكاب جريمة بحق الأجيال المقبلة”.

وقد اعتبر عبد الرحيم بوعبيد وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، من أشد المعارضين، لدستور 1962، خصوصا أنه جاء بعد مرحلة اسقاط حكومة عبد الله إبراهيم، وأن الملك الراحل الحسن الثاني اختار أسلوب المنحة لوضع الدستور، في حين كان بوعبيد ورفاقه يطالبون بأسلوب الجمعية التأسيسية المنتخبة لوضع الدستور.

الموقف من الصحراء يجر على بوعبيد سنتين من السجن

في خطابه أمام القمة الإفريقية التي أجريت عام 1981 بنيروبي، عاصمة كينيا، أعلن الملك الراحل الحسن الثاني، قَبول المغرب إجراء استفتاء في الصحراء، ومباشرة بعد الخطاب، أصدر حزب الاتحاد الاشتراكي بلاغا عن المكتب السياسي، يشجب الخطوة التي قام بها الملك.

وجاء في بلاغ الحزب اَنذاك، أنه ينبغي العودة إلى الأمة عن طريق الاستفتاء فيما يتعلق بالسيادة الترابية، كما وبالتأكيد، لم تكن هذه الجرأة لتمر على الملك الراحل مرور الكرام.

بعد يومين، كان عدد من قياديي الحزب قد اعتقلوا، وأصدرت عليهم محكمة الرباط الابتدائية أحكاما تتراوح بين سنة حبسا غير نافذ، وسنتين مع النفاذ، من بين هؤلاء، عبد الرحيم بوعبيد، الذي قال يومها كلمة في المحاكمة اشتهرت في ما بعد: “هذه المحاكمة سيكون لها تاريخ، فأنتم لكم الأمر ونحن نقول: رَبّ السجن أحب إلي من أن ألتزم الصمت، وأن أقول رأيي في قضية مصيرية وطنية ومقدسة”.

كان عبد الرحيم بوعبيد في هذه الفترة التاريخية أحد أهم وجوه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بل أكثر من ذلك، فقد كان كاتبا أولا للحزب؛ كما أنه راكم على مدى عقود تجربة نضالية كبيرة، لا يخاف في قوله لومة لائم كما يشهد بذلك من عاصروه، بل إنه وجد نفسه في محطات كثيرة في مواجهة ملك البلاد شخصيا، لما كانا عليه من تناقض في الرؤى.

بوعبيد رجل عاش شامخا ورحل كذلك

بعد مشواره السياسي الطويل، ترجل عبد الرحيم بوعبيد عن صهوة الحياة عن عمر يناهز 69 عاما، في 8 من يناير 1992، واعتبارا لإرثه النضالي، حظي بوعبيد بجنازة مهيبة يومها.

خلال مراسم التأبين، وفي تصريح صحفي، قال القيادي السابق في الاتحاد الاشتراكي، عبد الرحمن اليوسفي، الذي سيخلفه على رأس الاتحاد الاشتراكي بعد ذلك، إنه “لولا عبد الرحيم بوعبيد، والتضحيات الجسام التي قدمها، لعاش المغرب عواصف هوجاء”.

الراحل قبل أيام من رحيله، كان كأنما قد أحس بدنو أجله، ففي آخر لقاء جمعه بأعضاء المكتب الوطني للشبيبة الاتحادية، خاطبهم بنبرة المودع قائلا: “لقد قدت سفينة الاتحاد، وما قمت به صدر من القلب والفؤاد، واليوم أوصيكم بحزبكم، الذي هو أمانة في عنقكم”.

 

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد