لماذا وإلى أين ؟

خريف عمر غير عادي

كان أحمد شيخا غير عادي في نظر جيرانه، فهو الوحيد بينهم من يعيش دون أسرة في خريف عمره، لكن أبناء جيرانه و خصوصا أصدقاؤه منهم يعتنون به لطيبته و مبادئه، و لما يكنه آباؤهم له من ود سببه ما أسداه لهم حينما كان بكامل قواه، أما الجانب المادي فله دخل يمكنه من العيش بكرامة و الدفع لمن يعتني به.

في الفترة الأخيرة ضاق درعا، بمن يخدموه لقد خارت قواه، و لم يعد تكفيه تلك الحركات الميكانيكية التي يؤديها أحد الأشخاص كوظيفة مقابل أجر مادي أو كمعروف مقابل الحسنات أو لري ذلك الجانب الإنساني فينا نحن البشر، فلا يمكن أن يكتمل هذا العمل إلا إذا كان مقرونا بمشاعر حب عظيمة أو روح مسؤولية كبيرة، أشياء يعلم أنه لن يجدها بدور العجزة في بلده.

في أحد الأيام طلب لابن صديقه المفضل أن يأخذه لحديقة معينة في وقت معين، فكان له ما طلب، جلس و قد ظهر عليه انشراح لم يعهد فيه في الآونة الأخيرة، و بدأ يحكي لابن صديقه قصص قديمة بعضها تعني أبيه و أخرى لا تعنيه في شيء، و في الغالب كانت مكررة، لكنها لا تناقض المضامين السالفة رغم اختلاف الطرق التي رويت بها. بعد حوالي نصف ساعة أقبلت امرأة عجوز لنفس المكان تقصده، و كأنهما على موعد في الزمان و المكان المحدد، كان يرافق هته السيدة شاب في مقتبل العمر يعتني بها و يسليها بكل حب و كياسة، بهتت لوجود أشخاص بالمكان الذي تقصده و كأنه في ملكيتها الخاصة، فتقدما و سلما على السيد أحمد و مرافقه، و سرعان ما شرعا الشابان في الحوار و وجدا أنهما قريبين من بعضهما بالعمل و بينهم أصدقاء مشتركين.
بعد نقاش قصير انتبها الشابان لكون مرافقيهما العجوزين قد خاضا هما الآخرين في النقاش، فقال مرافق السيدة لصديقه لولا أننا في مهمة لأتممنا حوارنا في مكان آخر، فأجابت مرافقته لا عليك اذهبا إن ضقتم بالانتظار فقط لا تتأخرا.

أما الشيخان فلم يقدم أحدهما نفسه للآخر، و أخذا يتحدثان، سألت السيدة السيد أحمد : هل ذلك الشاب ابنك؟ فأجابها بالنفي و أخبرها بحاله و وضعه بالتفصيل دون إظهار للشكوى أو التماس للشفقة، ثم رد لها السؤال نفسه، فأخبرته أنه ابنها.

هنا دمعت عينا السيد أحمد و سألها : هل والده مازال على قيد الحياة؟ قالت نعم، فاسترسل مستغربا : و لما ليس برفقتكما؟ أ هو متعب، قالت لا إنه بصحة جيدة و هو الآن معنا، فرد : أين هو؟ لم أره! فقالت : إنه ابنك، فرد كيف يكون ولدي و نحن لم نلتق دهرا قبيل زواجك، فأجابت : لم يكن هناك أي زواج، فقط كنت أعلم موقفك من الإنجاب و لمحت مرارا لتلك الإمكانية، ففهمت أن شرط الاستمرار معك هو عدم الإنجاب و إسقاط ما برحمي، و هنا قررت أن أحتفظ بابننا بعيدا عنك و أتحمل مسؤولية تربيته بنفسي، كم تحملت من الشقاء و كان يجرحني سؤاله عن والده، خصوصا في صبوته أما لما بدأ ينضج فقد فهم أنني أم عازبة، و أنه نتيجة حب كنت أعتقد أنه كبير، و ربما هو كذلك فما يفسر إذن تواجدنا بمكان أدمناه في مراهقتنا في نفس الساعة..لقد أحببت ذلك الولد فور تشكله و لم أستطع إسقاطه و هو ببطني، لم أعلم أنه رغم كل شيء سيصير سندي الوحيد في هته الحياة، في بلد لا رعاية اجتماعية فيه، نعم كنت مثلك أومن أن الأبناء لا يجب أن يكونوا استثمارا للمستقبل، و لا يجب أن يأتوا دون أن نوفر لهم جوا جيدا و تكوينا ينقص معاناتهم بهته الحياة التافهة، لكن ما حدث قد حدث فاحتفظت به، و قاتلت كما قاتل ليصبح صاحب شخصية قوية، عطوف و حنون مع ذلك، يعمل عملا جيدا و له بعض الأعمال الحرة، شيء واحد فقط كان ينقصه فاعتبره ميتا و ارتاح إنه أنت، ألا ترى أنه نسخة منك أيام شبابك، أنظر إليه إنهما يقتربان، ربما كنا نقدر الأشياء بنبل كبير، لكن كنا مخطئين في حساباتنا، و ما إن اقترب ابنها نادته : تعالى يا بني ودع السيد أحمد إنه إنسان طيب، و لنسرع في الذهاب إن حديثنا نحن الشيوخ لا يعرف نهاية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد