لماذا وإلى أين ؟

موريتانيا.. هل انطلق القطار؟

عبد الرفيع حمضي

عندما كان الرئيس إيمانويل ماكرون، مساء الأحد 30 يونيو 2024 بقصر الاليزيه بباريس، في الضفة الشمالية للبح الأبيض المتوسط يتجرع مرارة الهزيمة، والسقوط المدوي لتحالفه الهش. وكان أيضا يحصي خسائره في الدوائر الانتخابية التشريعية بمجموع التراب الفرنسي، وأراضي ما وراء البحار تحت زغاريد ماري لوبان، وهي تقود صغيرها Jordan Bardella إلى كرسي الوزير الأول أب ماتنيون Matignon .كان في المقابل الرئيس المنتهية ولايته، محمد الشيخ الغزواني، في الضفة الجنوبية للمتوسط يعد أصوات الفوز في رئاسيات الجمهورية الموريتانية في تدافع سياسي ناشئ وهادئ رغم حرارة شهر يونيو. وبين باريس ونواكشوط كان المغاربة يتأسفون على ما آلت إليه الأوضاع السياسية في نهاية زمن الجمهورية الخامسة الفرنسية، والمفتوحة على كل الاحتمالات مع أن الأسوأ هو الأقرب.

هذا من جهة أما من جهة أخرى فالمغاربة لو يخفوا سرورهم وابتهاجهم وارتياحهم بتبات التجربة الديمقراطية بنواكشوط وهي تخطو خطواتها الأولى في التنافس الحر على منصب الرئاسة. هذا المنصب المركزي، الذي منذ استقلال موريتانية سنة 1960 إلى غاية 2019 ، كان يصل إليه الرئيس مدججا بالسلاح وفوق الدبابة بالجنود وهم يؤدون التحية للزعيم الجديد، وليس عبر صناديق الاقتراع .

وبذلك يكون الرئيس الحالي محمد الشيخ ولد الغزواني،الذي جددت ولايته، هو أول من دخل قصر الرئاسة بعد تسلم السلط سلميا من الرئيس السابق محمد عبد العزيز .

مع التذكيرمع أنه منذ المختار ولد دادة أول رئيس – والذي بقي في الحكم لمدة 18 سنة – إلى الرئيس الحالي، فقد قطن بقصر الرئاسة 11 ساكنا ، منهم من كان مقامه خفيفا لم يتجاوز به أكثر من سبعة أشهر كرئيس،كما هو الحال بالنسبة لمحمد محمود ولد أحمد اللولي، الذي أبعده عن أريحية القصر الرئاسي العقيد معاوية ولد سيدي أحمد الطايع في انقلاب عسكري يوم 4 يناير 1980 .وهكذا دواليك .

أن يتوفق الموريتانيون، في هذا الاختبار وفي هذه المرحلة بالذات والجد الحساسة وبلدهم يقاوم ليحافظ على استقراره، في منطقة الساحل والصحراءالمتقلبة، والتي أصبحت قاعدة خلفية للجماعات المسلحة والإجرام الدولي على طول الحدود المالية -الموريتانية التي تبلغ 2200 كلم ، مع الإشارة أنه وفقا لمؤشر الإرهاب العالمي فإن دولة مالي تقع في طليعة الدول المتأثرة بالإرهاب، بينما لم تسجل موريتانيا أي حادث إرهابي طيلة العقد الماضي .مع أن أكثر من 120 ألف لاجئ من مواطني مالي يعيشون بمخيم أمبرة بشرق موريتانيا.

أن نجاح نواكشوط في هذه الرئاسيات لا يمكن قراءته بمعاجم غربية. فموريتانية بلد الخمس ملايين مواطن ٪؜70 منهم لا يتجاوز سنهم 35 سنة في ظل منافذ الشغل المحدودة إن لم تكن منعدمة، وبالتالي لا يبق أمام هذه الطاقة الشبابية إلا الهجرة لمن استطاع إلى ذلك سبيلا.

إن التدافع السياسي والصراع الانتخابي والتمرين الديمقراطي بالبلاد، أساسه قطعا ليس برامج انتخابية أو مشاريع مخططات تنموية، فتلك مرحلة مؤجلة وقد يتطلب الوصول إليها مسارا طويلا في الممارسة الديمقراطية.

فهذا المرشح ، حصان معركته هم المواطنون الحراطين الذين يعانون بدون شك من تمييز واضح فموريتانيا هي آخر بلد في العالم ألغى العبودية سنة 1980 ولم يعتبرها جريمة ضد الإنسانية إلا سنة 2018 .

وهذا مرشح آخر همه الرئيسي هو توسيع أحكام الشريعة في تفاصيل تدبير الحياة اليومية للمواطنين، أما الشغل والتنمية والتعليم والصحة والطرق و لماء ….فلا داعي للسرعة.

جل المحللين والمعلقين السياسيين والاقتصاديين بالمنطقة يعتبرون أن محمد ولد الشيخ الغزواني قد توفق في ولايته الأولى، في ضمان الأمن ورفع منسوب الإحساس به كما أنه حال دون سقوط بلاده في يد الجماعات المسلحة ، وأيضا لازال يسعى من أجل ترسيخ ممارسة سياسية قائمة على المنافسة الانتخابية كوسيلة وحيدة لتدبير الحكم. فقد كان موفقا عندما صرح قائلا: “الكلمة الأخيرة هي للناخبين الموريتانيين وألزم نفسي باحترام اختيارهم.”

تصريح في محيط إقليمي عادت إليه الانقلابات بعدما كان الجميع يعتقد أن زمنها قد ولى، في المنطقة وفي إفريقيا عامة ، فقد بلغ مجموع الانقلابات منذ بداية الاستقلال في بداية الستينات إلى الآن 187 انقلاب ، فكم من دم سال ؟ وكم من طفل يُتِم؟ وكم من زوجة رملت ؟ وكم من أم ثكلى؟

أما الآن ، وقد انطلقت الولاية الثانية للرئيس وبلاده ستشرع في استغلال آبار الغاز الطبيعي الآن وليس غدا. يبقى السؤال هل سيشعر المواطن الموريتاني البسيط بأثر هذه النعمة في حياته اليومية ولو في قلتها؟ إنه واهم من يعتقد ذلك،إذا لم يواكب استغلال هذه الثروة النادرة والمدرة للعملة الصعبة، إستراتيجية واضحة المعالم وبرنامج طويل الأمد لمحاربة الفساد بكل أشكاله، فهل من الضروري التذكير أن موريتانيا تحتل مرتبة جد متأخرة في مؤشر الفساد.؟

أعتقد أن الرئيس المنتخب محمد ولد الشيخ الغزواني ،جد واع بأنه في السابق ، كان العسكر هو من حد من الاستقرار وبالتالي عاق التنمية بالبلاد ، فالآن فإن تغول الفساد بكل أشكاله والمفسدين بكل أوصافهم ورتبهم هو ما سيعصف بالجميع لا قدر الله .

ولإخواننا في موريتانيا نموذجا أولا في الجزائر، حيث التنمية معطوبة رغم الغاز والبترول. ونموذج آخر في الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى التي أصبحنا لا نتحدث عنها إلا بصيغة الماضي.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

0 0 أصوات
تقيم المقال
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x