2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
في الحاجة إلى التاريخ
هشام مرزوق
تفاعلا مع الدرس الافتتاحي الذي قدمه أستاذ التاريخ الطيب بياض بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان يوم الخميس 20 نونبر 2025 تحت عنوان “جدوى التاريخ وصنعة المؤرخ”.
لقد أفاض واستفاض الأستاذ الـــــــــــطيب بــــــياض في درس افتتاحي قارب الساعة من الزمن بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان، وهو يقارب جدوى التاريخ وصنعة المؤرخ، انتهج بياض طريقا ثنائي المسلك، سعى في الأول إلى بسط التجارب والنماذج المختلفة لتعاطي الدول مع التاريخ، أو لنقل حينما استنجدت هذه الدول بالتاريخ ووظائفه ليكون أحد أعمدتها الأيديولوجية الرئيسة. فيما فكك في المسلك الثاني عدة المؤرخ ومنهجه وأدوت صنعته.
لا ضير في تقديرنا، قبل الخوض في التفاعل مع ما طرحه الأستاذ بياض في الدرس الافتتاحي أن نستحضر -أو نسترجع- مرافعات عن حقل التاريخ تشبه من ناحية الشكل ما نحته الأستاذ بياض وهو يرافع عن جدوى التاريخ وصنعة المؤرخ، حتى وإن كانت من مواقع وظرفيات تاريخية مختلفة، فقد ألف المصري شمس الدين السخاوي كتابه “الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ” في القرن الخامس عشر الميلادي بعنوان مسجوع يفتل في حبل الدفاع عن التاريخ، ونسجا على نفس المنوال سيسجل المؤرخ الفرنسي مارك بلوك (Marc Bloch) مرافعته المشهورة دفاعا/ عن التاريخ (Apologie pour l’histoire).
لنعد الآن للدرس الافتتاحي، ونقترح منذ البداية أن تكون القراءة عبر نفس المسارين الذي اقترحهما الأستاذ الطيب بياض في الدرس الافتتاحي.
أولا: في الحاجة للتاريخ أو الدولة المؤرخة
استحضر بياض في طرحه مجموعة من تجارب الدول في علاقتها بالتاريخ، وركز على النموذجين الفرنسي والأمريكي، ففي فرنسا المنكسرة والمنهزمة بعد واقعة سيدان 1870، ونهاية حكم سليل البونابرتية، ولأن المناخ السياسي مناخ الجمهورية الثالثة، فإن المعرفة التاريخية تأثرت بالسياسات الرسمية للجمهورية التي مارست نوعا من الضغط السياسي على مؤرخي هذا الفترة، فقد كانت الدولة تسهل الأبحاث بتمويلها لعدد من مؤسسات التاريخ، وبذلك سيتنامى عدد من المؤرخين الموظفين لدى الدولة خلال القرن التاسع عشر، فقد اعتبر هذا القرن قرن الوثائق السياسية بامتياز، خاصة مع تراكم الأرشيفات الخاصة بالمعاهدات والمراسلات، لقد جعلت الجمهورية الثالثة من نفسها “دولة مؤرخة”.
استطرد بياض في نقاش علاقة فرنسا بالتاريخ، خاصة مرحلة الثلاثينات من القرن الماضي، حيث خلفت الحربين العالميتين والأولى والثانية وبينهما الأزمة الاقتصادية لسنة 1929 عواقب مؤلمة، بل مهولة. فقد شوهت هذه الاحداث مظاهر الحضارة البشرية أبشع تشويه. وأوقفت المد الحضاري سنين عديدة. كما استنزفت كثيرا من الموارد الاقتصادية والدماء البشرية. وعلت الوجوه مسحة من الكدر والشقاء. وانفرط عقد الامن والطمأنينة، فعمت الفوضى والاضطرابات، وانتشرت البطالة والفاقة، وزادت أعداد صرعى الجوع والمجاعة. وخلال هذه الفترة الزمنية كان إعراض الجيل الذي عاش صدمة الحرب عن كل ما يتعلق بالحياة السياسية، وفي نفس الفترة صدحت الأصوات تدعوا المؤرخين لتفكيك وتحليل ما يجري.
لقد بدأت الأسئلة تتوجه إلى الحقل الاقتصادي، ولا سيما إلى تاريخ حركة الأسعار، لفهم ما يجري بين انتكاسات وتراجعات وأزمات اجتماعية. بدأ الحديث عن سياسات اقتصادية في بلدان أوروبا وأمريكا، وظهرت عدة كتب في التاريخ الاقتصادي وبخاصة في تاريخ حركة الأسعار وتذبذبها. وفي هذا السياق كان العنوان الأول للمجلة: حوليات: التاريخ الاقتصادي والاجتماعي لافتا للنظر. فحتى مارك بلوك وهو يبحث عن أسباب الهزيمة الغريبة سيخرج في الأخير بخلاصة مفادها أن النصر الألماني كان نصر فكريا، سطعت شمس العرق وأفلت شمس الأنوار.
في أثناء تحليله لتزايد الطلب على التاريخ اختار الأستاذ بياض تجربة الولايات المتحدة الامريكية حينما استنجدت بالتاريخ، حيث كانت حاجتها إلى الوظيفة الاجتماعية للتاريخ ملحة، باعتباره أداة لاحمة للشعور الجمعي الذي يحقق الشرط الأولي للحديث عن الأمة. وبعبارة ملخصة لجدوى التاريخ بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية “أمة تعتمد على ذكرى نشأتها التاريخية، التي تعيش على وعد مؤسسها”. هكذا اختتم بياض المحور الأول -جدوى التاريخ- من الدرس الافتتاحي.
في المسار الثاني من محاضرته استعرض بياض الجانب المنهجي وهو الشق الثاني من العنوان الموسوم بــ “صنعة المؤرخ”، وحددها في خمس اعتبارات أو ضوابط عامة.
ثانيا: ضوابط ومحددات صنعة المؤرخ
المحدد الأول: إعادة تحديد موضوع التاريخ
استهل بياض هذا الضابط أو المحدد بمقولة لمارك بلوك “نقول أحيانا: التاريخ علم الماضي، يا له من كلام سيء، وإنه لأمر سخيف أن يكون الماضي في حد ذاته موضوعا للعلم”. بهذه الشاكلة هشم مارك بلوك الجرة فوق رؤوس الإخباريين ورواة السير ومحنطي التاريخ. ثم سرعان ما ينتقل من هدم القديم إلى تشييد الجديد، حيث أن موضوع التاريخ دائما وأبدا هو الإنسان، في هذا السياق ستحضر بياض عبارة “في الواقع تعلمنا منذ زمن طويل، من خلال شيوخنا العظماء من أمثال ميشلي دوكولانج أن ندرك أن موضوع التاريخ بطبيعته هو الانسان” او بعبارة أكثر دقة “يجب إضافة الإنسان في الزمن”. إن التاريخ بحسب العلامة ابن خلدون ليس تسلسلا للأحداث من الزمن، بل هو حركة جدلية للتطور الذي يحتل فيه الانسان المركز ويمثل محركه الأول. فالإنسان هو القوة الدافعة للتاريخ بفضل أعماله ومساعيه وعلومه وصنائعه وبتعبير ابن خلدون هي قوام “العمران البشري”.
المحدد الثاني: الوثيقة في ورشة المؤرخ
دشن بياض المحدد الثاني وهو يدقق عدة صنعة المؤرخ من خلال الأثر، حيث البحث عن السر لغاية التفسير، لكن يفسر ماذا؟ ويفسر بماذا؟ وهل يفسر الوقائع والاحداث؟ أم يفسر مضامين المادة لفهم ما جرى؟ هنا بياض يوسع من مفهوم الوثيقة ويخرجها من شرنقته الوضعانية إلى فضاء أرحب إلى الفضاء الحولياتي، حيث الوثيقة قد تكون نقيشة، أو لقى أثرية، أو رواية مكتوبة، أو شفوية، هي في نهاية المطاف شواهد المؤرخ، الذي عليه أن يبرع في اقتناص شواهده أولا، وألا يطمئن إليها ثانيا. وهنا الأستاذ بياض يدعو الباحث إلى الانتقال من مستوى الاستماع للنص إلى مستوى استنطاقه. وليختم بياض هذا الضابط بمقولة “التاريخ يكتب بالصنعة قبل أن يكتب بالوثائق”.
المحدد الثالث: صنعة المؤرخ لا تحتمل إصدار الأحكام
جدلية القاضي المؤرخ، دشن لها بياض بعبارة بليغة لبول ريكور “وماذا بأمر المواجهة بين مهمة القاضي ومهمة المؤرخ؟ إن ظروف النطق بالحكم داخل محكمة قد فتح، كما رأينا، ثغرة في الجبهة المشتركة التي يحتفظ بها المؤرخ في وجه الخطأ والظلم، على القاضي أن يقضي إنها وظيفته، عليه أن ينهي، عليه أن يبت (…) كل هذا لا يقوم به المؤرخ، ولا يستطيع ان يقوم به، ولا يرغب في أن يقوم به، وإن حاول وجازف بأن بنصب نفسه وحده محكمة للتاريخ، فإن ذلك سيكون على حساب الاعتراف بالطابع المؤقت لحكم يعترف بتحيزه، بل حتى بطابعه النضالي. لكن عندها فإن حكمه الجسور يخضع لنقد جماعة العاملين بكتابة التاريخ، ولنقد الجمهور المستنير، وسكون مصنفه عرضة لسيرورة لا تنتهي من المراجعات تجعل من كتابة التاريخ إعادة كتابة مستديمة. هذا الانفتاح على إعادة الكتابة هو علامة الاختلاف بين حكم تاريخي مؤقت وحكم قضائي نهائي”. ذاك ما سبق أن نبه مارك بلوك بشكل أكثر صرامة، قبل أزيد من نصف قرن، إذ يرى جاك لوغوف في تقديمه لكتاب بلوك عن صنعة المؤرخ أن رفيق درب لوسيان فيفر في تأسيس مجلة الحوليات، كان يمقت المؤرخين الذين يصدرون الأحكام عوض أن يعمدوا إلى الفهم، وهو الحريص على ترسيخ أقدام مهنتهم بشكل أعمق في الحقيقة والأخلاق، إذ الحقيقة غاية علم التاريخ والأخلاق منتهاه. ألم يكن المنصب الذي شغله جول ميشلي في كوليج دو فرانس بين 1838 و 1851 هو كرسي التاريخ والأخلاق؟
المحدد الرابع: صنعة المؤرخ والحاجة إلى صياغة الإشكاليات
ما يستشف من نقاش الأستاذ بياض للمحدد الرابع المتعلق بالحاجة إلى التاريخ الإشكالي، هو أنه جاء متفاعلا مع السجال الذي دار بين رواد المدرسة الوضعية التي كانت ترفع شعار “لا تاريخ بدون وثيقة”، ورواد مدرسة الحوليات الذي ردوا بـــ “لا تاريخ بدون تساؤل”. لقد استحضر بياض دور مارك بلوك ولوسيان فيفر في افتكاك التاريخ من شرنقة المدرسة الوضعانية التي سيجت موضوعاتها السياسية بأبراج عالية، وجعلت من المؤرخ موظفا يختبئ خلف النصوص والوثائق. ذلك أن طرق القضايا المرتبطة بالمجتمع وبنياته اقتضى من المؤرخين المجددين مارك بلوك ولوسيان فيفر التأسيس لفهم جديد في تناول المصادر التاريخية. فألحا منذ البداية على ضرورة تدخل نشيط للمؤرخ في الوثيقة، إذ”ليس هناك ما يتحرك بذاته، لا يوجد شيء كمعطى، فكل شيء يبنى”. ووفقا لهذا الفهم، فالمؤرخ مطالب ببناء مواد بحثه، ووضع الوثائق في سلاسل قابلة للفهم، أي أن يضعها في سياق نظري يتماشى وطبيعة الموضوعات التي يبحث فيها. ولمن أراد سلك غير هذا الطريق فهو “لا يعرف عما يبحث وبالتالي لا يعرف ماذا يجد”.
ليعود بياض بعد ذلك إلى تفكيك مقولة فرانسوا سميان “أصنام قبيلة المؤرخين” وهي ثلاثة أثافي “الصنم السياسي” و “الصنم الفردي” و “صنم التسلسل التاريخي”، مستحضر تجربة مدرسة الحوليات. هذه المدرسة التي استثمرت في التطورات المعرفية والطفرات الابستمولوجية، من أجل إنتاج خطاب معرفي جديد يقدم فهما آخر للتاريخ. هذا الجيل الذي أراد من التاريخ أن يكون إبداعًا على مستوى المهمات الجديدة، فرفع شعار التجديد في ثلاث قضايا كبرى: موضوعات الكتابة التاريخية، ومادتها المصدرية، وخطها الزمني. فمنحت بذلك حق المواطنة للشرائح الاجتماعية “المهملة” و “المتروكة”، كما اعتمدت على أنواع جديدة من المصادر، وسلطت عليها الضوء من زوايا جديدة بنوعية التساؤلات المطروحة ونوعية القضايا المتناولة. أما على مستوى التحقيب التاريخي، فقد تجاوزت الزمن القصير زمن الأفراد، إلى الزمن الطويل زمن الظاهرات الاجتماعية، والسياسية، والدينية، والاقتصادية.
المحدد الخامس: اللغة وعاء للفكر وجسر عبور نحو المتاح
في هذا المحدد ألح الأستاذ بياض على ضرورة تملك اللغة باعتبارها أداة عبور لفهم متطلبات المرحلة، خاصة خلال هذه الفترة التي يتزايد فيها الطلب الاجتماعي على التاريخ واقتحام حقل التاريخ لعوالم الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، لأنه إذا كان الانفتاح المنتج للمؤرخ على مختلف المجالات الإنسانية يشكل احد المرتكزات لفهمه المجدد للكتابة التاريخية، ومن معايير نجاحه تملكه لرصيد أدوت صنعته، الكفيل بمعالجته العلمية ذات الطابع إشكالي، فإن ذلك لا ينبغي أن ينسينا التشديد على أحد أهم أدوات صنعته، ويعني به نمط الكتابة وأسلوب التعبير ولغة إيصال المعنى. فالأسلوب الادبي الشيق لا ينقص من علمية المعرفة التاريخية بل يضمن لها حفاوة الاستقبال والوقع الحسن في نفوس القراء. إذ يستحضر بياض ما طرحه المؤرخ الفرنسي إيفان جابلونكا، من كون “التوفيق بين البحث والإبداع، ابتكار أشكال جديدة لتجسيد المعرفة، تحديث العلوم الاجتماعية، هذه مقترحات متشابهة، لقد أدت مهننة المعارف منذ القرن التاسع عشر إلى التقدم على مستوى المنهج، ولكن إلى تراجع من حيث الشكل والإحساس والنشوة، قد نجيب بأن الباحث عالم متخصص بحاجة إلى زملاء وطلاب وليس إلى قراء عاديين، المشكل هو إغفال الشكل وازدراء الكتابة والتواصل تشكل عقبات في وجه المعرفة برمتها”.
اختتم الأستاذ بياض الدرس الافتتاحي بدعوته الباحثين المشتغلين في تخصص التاريخ الراهن إلى مضاعفة الجهد وتملك العدة النظرية والمنهجية للاشتباك مع القضايا الراهنة. وفي هذا السياق وردت العديد من الأمثلة على كون شرط توفر المسافة الزمنية لتناول أحداث تاريخية ليس ضروريا؛ نظرا لعدة اعتبارات أولها أن الكتابات التاريخية التي تعد اليوم أمهات المصادر التاريخية والمرجع الأساس للتاريخ العام للإنسانية قد كتبت بأقلام مؤرخين وعايشوا الأحداث ثم دونوها، دون أن تفصل بينهم وبين الحدث مسافة زمنية. بل أن هناك من يعتبر قوة الدراسات والأبحاث التاريخية في مدى اعتمادها على المصادر وعلى المؤرخين الذين عايشوا الحدث في حينه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المسافة الزمنية التي تفصل بين الباحث وفترة وقوع الحدث الذي يريد الاشتغال عليه، لا يضمن بالضرورة الموضوعية “حسب روني ريمون، فالمقاربة التاريخية للعديد من الحوادث التي تنتمي إلى حقب تاريخية بعيدة لم تسلم من ذاتية الحاضر ورهاناته، بمعنى أن الخوض فيها مازال مثارا للغط والمساجلات الساخنة“. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الموضوعية والذاتية غير مرتبطين بحقبة زمنية بعينها.
أستاذ التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز جامعة سيدي محمد ابن عبد الله بفاس
الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.
التاريخ علم من العلوم الحديتة بالنظر للفترة التي بدأ يتشكل فيها كعلم له ادوات وتقنيات خاصة تساعده على التشكل إذا ما قارناه بعلوم تشكلت قبله بعقود، والتاريخ كحقل فريد للمعرفة، كلما اقترب من دائرة تشكله كعلم، كلما اصبحت احكامه على الوقائع مؤقتة ومرهومة بالتساؤلات الابستمولوجية، وبأدوات البحت التي تصبح موضوع تمحيص وتساؤل حول فعاليتها في الكشف عن الحقيقة او تحقيق بعض الوقائع التي اخدت تفسيرا ما في الماضي، واتصور ان للتاريخ حقول مختلفة لم تتظافر جميعا لتقف على حقيقة الاحداث، فتاريخ الاحداث، ليس هو تاريخ الافكار او تاريخ المعرفة واللغة، وليس هو تاريخ الاقتصاد والسياسة، او تاريخ العلوم، او تاريخ الثقافة والموسيقى والازياء والصناعات، وقد تتظافر كل هذه جميعا كحقول مستقلة لتساعد على قلب الحقائق المسلمة، او التاكد من صحتها، والكشف عن التاويلات الخاطئة للاحداث او تأكيد صحتها.