2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
”أنبياء المغرب” حزقيل.. لغز النبي العبراني في قلب جبال سوس (2)
“أنبياء المغرب”: سلسلة تنشر على شكل حلقات طيلة شهر رمضان، بمنبر ”آشكاين”، تنبش في الذاكرة التاريخية المغربية، وتقتفي أثر قصص ”أنبياء” و”رسل”، أو ما يمكن أن يوصفوا بذلك؛ ارتبطت أسماؤهم بهذه الأرض.
في كل حلقة، هناك محاولة للغوص في ثنايا الحكايات الشعبية والمتون المنسية، لنكتشف كيف احتضن المغرب عبق النبوات، وكيف خلد المغاربة في وجدانهم أماكن ومزارات قيل إنها شهدت مرور أنبياء أو من هم كذلك...
الحلقة2:”أنبياء المغرب” حزقيل.. لغز النبي العبراني في قلب جبال سوس (ح2)
يُشكل ضريح “سيدي حزقيل” الواقع في منطقة الأطلس الصغير بجنوب المغرب مادة غنية للدراسة التاريخية والأنثروبولوجية، نظرا لارتباط اسمه بالنبي العبراني “حزقيال” (Ezekiel).
ويعد هذا المقام نموذجا لتحول الأنبياء أو من هم كذلك إلى رموز محلية ضمن الموروث المغربي، حيث انتقل من سياقه المشرقي القديم ليصبح جزءا من الخارطة الروحية لمنطقة سوس.
تذكر المصادر التاريخية المغربية وجود مدافن لأنبياء بني إسرائيل في مناطق الجنوب بشكل صريح، حيث يورد المؤرخ أحمد بن خالد الناصري في كتابه “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى”، (الجزء الأول الصفحة 61)، معطيات تشير إلى أن استيطان مجموعات من بني إسرائيل للمغرب في عصور قديمة ترتب عنه وجود مدافن لأنبيائهم في منطقة سوس الأقصى. ويربط الناصري هذا التواجد بالهجرات التي تلت الاضطرابات السياسية والدينية في المشرق العربي، مما جعل هذه القبور معلومة لدى السكان المحليين ومحط احترام لديهم وتواتر ذكرها عبر الأجيال.
من جانبه، يقدم العلامة المختار السوسي توثيقا ميدانيا أكثر دقة في موسوعته “المعسول” في الجزء 9 الصفحة 211، حيث يسجل السوسي أن منطقة “تامانارت” وما جاورها تضم قبورا ينسبها السكان للأنبياء، ويذكر اسم “نبي الله حزقيل” كواحد من هؤلاء الأنبياء الذين استقرت ذكراهم في وجدان القبائل السوسية.
وفي كتابه الآخر “سوس العالمة” في الصفحة 79، يضع السوسي هذه المقامات ضمن سياق الأديان التي سادت في منطقة سوس قبل دخول الإسلام، مؤكدا أن الذاكرة الجماعية للأمازيغ احتفظت بأسماء هؤلاء الأنبياء وتناقلت خبر وجودهم بصفة التواتر التاريخي الذي لا يقبل الشك لدى أهل المنطقة.
وتفسر الدراسات الأنثروبولوجية تحول الاسم من الصيغة العبرية “حزقيال” إلى الصيغة المحلية “حزقيل” كعملية تكييف لغوي محلي تهدف إلى تقريب الشخصية من اللسان الأمازيغي والدارجة المغربية.
ويشير الباحث حاييم الزعفراني في مؤلفه “ألف سنة من حياة اليهود في المغرب” في الصفحة 182، إلى أن هذا الضريح يعد “مشتركا روحيا” بامتياز، موضحا أن المغاربة من المسلمين واليهود دأبوا على زيارة هذا المقام وتقديسه، حيث يُعرف عند اليهود بصفة “الصديق” (Tsadik)، بينما يُعرف عند المسلمين بصفة “النبي الصالح”.
ويؤكد الزعفراني أن هذا التقديس المزدوج يعكس تجذر المكون العبراني في التاريخ المغربي القديم وانصهاره في الثقافة المحلية التي صهرت المكونات الدينية في بوتقة وطنية واحدة.
أما الباحث المستشرق الفرنسي إدموند دوتي، فقد تناول هذا المقام في دراسته الميدانية المنشورة في كتاب ” ﻣﺮﺍﻛﺶ ﻗﺒﺎﺋﻞ ﺍﻟﺸﺎﻭﻳﺔ ﻭﺩﻛﺎﻟﺔ ﻭﺍﻟﺮﺣﺎﻣﻨﺔ” في الصفحة 114، حيث سجل دوتي أن القبائل الأمازيغية في سوس تمنح لقب “نبي” لبعض الأضرحة بشكل يختلف عن لقب “سيدي” أو “المرابط” الممنوح للأولياء المتأخرين زمنيا، ما يعطي لهذه القبور مرتبة أقدم في التراتبية الروحية.
ويذكر دوتي اسم “حزقيل” بصفته تحريفا مباشرا لاسم النبي التوراتي، مشيرا إلى أن الخصائص العلاجية التي ينسبها السكان لهذا القبر، خاصة في ما يتعلق بالأمراض الذهنية، ترتبط رمزيا بشخصية النبي حزقيال المعروف برؤاه المعقدة في النصوص الدينية القديمة.
ويقع مقام حزقائيل، وفق مؤرخين، في بيئة جغرافية وعرة، وهو ما ساعد على حفظه من الاندثار وتواتر زيارته عبر القرون، وتتميز المنطقة المحيطة به، خاصة واحات تامانارت وإفران الأطلس الصغير، بكونها كانت مراكز استيطان قديمة تضم نقوشا صخرية وملاحات يهودية تاريخية، مما يدعم الفرضية التاريخية التي أوردها الناصري في الصفحة 61 من كتابه “الاستقصا” حول قدم هذا الموقع.
ويعد استمرار تسمية “نبي الله حزقيل” في لسان قبائل سوس إلى اليوم، رغم تعاقب الدول واختلاف الديانات، ظاهرة سوسيولوجية، توحي بعمق الذاكرة التاريخية في المغرب وقدرتها على استيعاب وتبيئة الرموز الدينية العالمية وتحويلها إلى جزء من التراث الوطني المحلي الذي يجمع بين ما هو شفوي وما هو موثق.
مقال جيد ومفيد في التاريخ الديني للمغرب خصوصا وأنه موثق ومستمد من مصادر تاريخية ودراسات حديثة.الشكر موصول لموقع أشكاين ولمعد هذه المقالات السيد محمد أسوار.