لماذا وإلى أين ؟

مشاهير طنجة.. “إدوارد وارتن تيغار” الجاسوس الذي دمّر وكرا نازيا بطنجة

مشاهير طنجة؛ سلسلة رمضانية تهدف إلى إبراز البعد الدولي والتاريخي لمدينة طنجة، وتعزيز الوعي بهويتها المتعددة الروافد، من خلال ربط القارئ بأسماء صنعت الحدث أو أثرت في مسارات ثقافية وسياسية فنية وأخرى تركت بصمتها بالمدينة من خلال عوالم المخدرات والجريمة، انطلقت من هذه المدينة أو مرت عبرها.

إليكم قصة اليوم :

في شتاء عام 1941، بينما كانت أوروبا تشتعل بالحرب، كان اسم إدوارد وارتن تيغار يتحرك بصمت بين مكاتب القنصلية البريطانية في طنجة. لم يكن ضابطاً بزي رسمي ولا قائداً ميدانياً، بل موظف شيفرة هادئ الملامح، يتقن الإصغاء أكثر مما يتقن الكلام. لكن خلف تلك الواجهة الروتينية، كان تيغار عيناً استخباراتية تراقب أخطر لعبة تدور في مضيق جبل طارق.

بين الشيفرة والظل

البداية لم تكن في طنجة، بل في غرف فك الشيفرات ببريطانيا، حين التقط جهاز الأمن اللاسلكي رسائل مشفرة صادرة عن الاستخبارات العسكرية الألمانية. الرسائل حملت اسماً غامضاً: “BODDEN”. ومع أن الألمان وثقوا في تعقيد شيفراتهم، إلا أن الخبراء البريطانيين نجحوا في فكها، لتعود المعطيات إلى محطات التحليل المختصة بالقطاع الإيبيري. هناك بدأت الخيوط تتقاطع: إشارات إلى معدات تقنية، عمليات شراء مشبوهة لعقارات مطلة على البحر، وحديث دبلوماسي ألماني عن محطة إذاعية جديدة على الساحل الشمالي الإفريقي.

عندما وصلت هذه التقارير إلى طنجة، كان تيغار هو الحلقة التي تربط المعلومة بالميدان. المدينة كانت تحت إدارة إسبانية في ذلك الوقت، وإسبانيا تعلن حيادها، ما جعل أي تحرك عسكري مباشر مغامرة سياسية قد تدفع فرانكو إلى الانحياز للمحور. لهذا كان الحل الوحيد هو العمل السري… وهنا بدأ دور تيغار الحقيقي.

إدوارد وارتن تيغار

من موقعه كموظف شيفرة في القنصلية، شرع في مراقبة التحركات الألمانية. لم يكن يعمل وحده؛ فقد نسّق مع محطة الاستخبارات البريطانية في طنجة، التي تولت التثبت من الموقع المحتمل للنشاط النازي. سرعان ما تم تحديد فيلا قائمة فوق جرف صخري بشارع “لا فاليز” بمنطقة مريان حاليا كمركز مشبوه. العقار اشتراه وسطاء معروفون بقربهم من الاستخبارات الألمانية، وأقيمت فوقه منصة مراقبة تطل مباشرة على المضيق.

المخاوف لم تكن نظرية. الاستخبارات البريطانية رجّحت أن الألمان يطورون أجهزة رصد بالأشعة تحت الحمراء، قادرة على كشف السفن التي تعبر المضيق ليلاً. وكان ذلك يهدد خطة الحلفاء في شمال إفريقيا، التي اعتمدت على مرور السفن ليلاً لتفادي أعين المراقبين. أي جهاز رصد ناجح في تلك النقطة كان كفيلاً بكشف التحركات البحرية الحساسة.

خطة التدمير الصامت

أمام هذا الخطر، انقسمت الآراء في لندن. البحرية البريطانية اقترحت قصف الموقع مباشرة، لكن وزارة الخارجية حذّرت من العواقب السياسية، إذ إن أي هجوم مكشوف على طنجة قد يدفع إسبانيا إلى التخلي عن حيادها. وهكذا تقرر اللجوء إلى خيار ثالث: تدمير الموقع دون ترك بصمة بريطانية واضحة، وهنا جاء دور تيغار.

في جبل طارق، كان فريق من العمليات الخاصة ينتظر مهمة فعلية منذ أشهر، مدججاً بالمتفجرات والخبرة في التخريب. تم إعداد عبوة متفجرات بلاستيكية بوزن ستة وثلاثين رطلاً، ونُقلت سراً إلى طنجة عبر القنوات الدبلوماسية. تسلمها تيغار بنفسه، ليصبح فجأة أكثر من مجرد محلل أو مراقب؛ أصبح رجل التنفيذ.

ليلة العاشر من يناير 1942، تحرك عنصران جندهما تيغار بعناية: أحدهما إسباني مناهض للنازية، والآخر نادل يهودي يعرف أزقة المدينة جيداً. تسللا عبر المسار الصخري أسفل الفيلا، وثبتا المتفجرات عند الأعمدة الداعمة للبناء. دقائق بعد انسحابهما، دوّى انفجار هائل شق صمت الليل بطنجة، وتهاوت الفيلا من فوق جرف حي الحافة حاليا مباشرة إلى البحر.

خريطة موقع الفيلا في حي الحافة بطنجة

ما بعد الانفجار… والاسم الذي صعد في الظل

في صباح اليوم التالي، ساد ارتباك في الأوساط الدبلوماسية. صدرت روايات متضاربة، بينما وصفت صحيفة إسبانية الموقع بأنه “وكر تجسس نازي”. الألمان سارعوا إلى تفكيك ما تبقى من تجهيزاتهم على ضفتي المضيق، في إشارة واضحة إلى أن الرسالة وصلت.

المفارقة أن برقية وصلت متأخرة من السفير البريطاني في مدريد تلغي العملية، بعد أن راودته مخاوف سياسية جديدة. لكن الانفجار كان قد وقع بالفعل، والفيلا اختفت في قاع البحر. لم يعد هناك ما يمكن التراجع عنه.

بالنسبة لتيغار، لم يكن المشهد احتفالاً بالنصر، بل نهاية فصل محفوف بالمخاطر. حصل لاحقاً على وسام تقديراً لدوره، ونُقل إلى مهمة أخرى في الشرق الأقصى. غير أن اسمه ظل مرتبطاً بطنجة وتاريخها الجاسوسي، وبليلة سقط فيها وكر تجسس من على جرف المدينة، بصمت رجلٍ عرف كيف يحوّل المعلومة إلى فعل، والظل إلى قوة حاسمة في مسار الحرب.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x